في مجتمع فلسطيني يعاني أصلاً من احتلال وحصار واضطرابات يومية، تتراكم التحديات أمام فئة ذوي الإعاقة بشكل مضاعف. فإلى جانب المعيقات السياسية والاقتصادية، يواجه هؤلاء عوائق بيئية ومجتمعية تحول دون اندماجهم الكامل في الحياة العامة. 

لكن في وسط هذا المشهد المعقد، تبرز نماذج فلسطينية مشرقة تثبت أن الإرادة الإنسانية قادرة على تجاوز أعتى الصعوبات. 

من بين هذه النماذج، تبرز قصة الإعلامية والناشطة إسراء زيدان أبو داود، التي قدمت خلال لقاء إذاعي، قراءة عميقة وواقعية لحال ذوي الإعاقة في فلسطين، ولتكون مثالاً حياً على النجاح رغم كل التحديات.

واقع ذوي الإعاقة في فلسطين بين التهميش والعوائق البيئية

لم تتردد إسراء في وصف الوضع القائم بأنه "سيء، ومع ذلك هناك أمل"، مؤكدة أن العائق الحقيقي ليس إعاقة الجسد، بل "العوائق البيئية" المنتشرة في كل مكان. 

وأوضحت أن نقص الموائمة في البنية التحتية، سواء في الشوارع أو المباني أو وسائل النقل أو حتى أماكن العمل، هو ما يحول دون استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة.

روت أبو داوود قصة مؤثرة عن شاب من ذوي الإعاقة فقد فرصة عمل فقط بسبب وجود أربع درجات عند مدخل مبنى العمل، حيث قال له صاحب العمل بكل أسف: "لا أستطيع مساعدتك". هذا المشهد، وفقاً لإسراء، ليس استثناءً بل هو واقع يومي يعيشه آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين.

وأوضحت أن التحدي لا يقتصر على البنية التحتية فقط، بل يمتد إلى ثقافة المجتمع وآلية التعامل مع هذه الفئة، مشيرة إلى أن كثيراً من الناس يريدون المساعدة لكنهم لا يعرفون الطريقة الصحيحة، فبعضهم يمسك بيد الشخص الكفيف دون إذنه، وآخرون يصرون على قطع الشارع به رغم أنه لا يريد الذهاب إلى هناك، بينما لا يدركون أن طلب الإذن هو الخطوة الأولى والأهم.

غياب التخطيط الشامل وإقصاء ذوي الإعاقة عن صنع القرار

من أبرز النقاط التي تناولتها إسراء في حوارها، غياب تمثيل ذوي الإعاقة في دوائر التخطيط وصنع القرار. وقالت: "إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في عملية التخطيط مهم جداً، من حقهم يكونوا صانعي قرار". 

واستشهدت بتجربتها الشخصية عندما تحدثت في إحدى الجلسات عن عرض الرصيف الذي كان مخططاً له بـ"70 سنتيمتراً"، فسألت ببساطة: "كيف ستمشي العربة التي تحمل طفلاً على هذا الرصيف؟" وكان سؤالها كافياً لقلب الطاولة وإعادة النظر في المخططات.

هذا الموقف البسيط يعكس خللاً جوهرياً في السياسات العامة، حيث يتم التخطيط للمدن والخدمات دون استشارة الفئة المعنية بشكل مباشر، مما يؤدي إلى إنتاج بيئات غير صالحة للجميع، حسبما أكدت. 

المسميات والجدل حول الهوية

وأثارت أبو داوود  قضية جدلية تتعلق بالمسميات التي تطلق على الأشخاص ذوي الإعاقة، كـ"ذوي الاحتياجات الخاصة" أو "ذوي الهمم". رفضت هذه التسميات بوضوح، موضحة أنها تفضل وصف نفسها بأنها "إنسان" لديه صعوبة بصرية. وقالت: "إحنا زي أي ناس، فينا المنيح وفينا العاطل، فينا المتعلم وفينا غير المتعلم. مش خارقين ولا مبدعين زيادة عن اللزوم".

وأكدت أن المسمى الرسمي وفق الاتفاقية الدولية هو "أشخاص ذوي إعاقة"، وأن هذا المسمى يستخدم من منطلق حقوقي للمطالبة بالحقوق، وليس لتوصيف نقص في الإنسان.

التعليم كأول طريق نحو التمكين

تحدثت إسراء عن تجربتها التعليمية بكل صدق، حيث دخلت جامعة الخليل عام 2008 لدراسة اللغة العربية. في تلك الفترة، لم يكن هناك وعي كافٍ ولا تكنولوجيا مساعدة. كانت تطبع الكتب بطريقة "بريل" على مطبعة حديدية ثقيلة وتحملها إلى الجامعة، وتجلس تحت الشجرات لتدرس. ورغم كل التعب، تصف تلك المرحلة بأنها كانت جميلة، خصوصاً عندما كانت زميلاتها يتسابقن لمساعدتها.

هذه القصة تعكس واقعاً مهماً، بالنسبة لإسراء وهو أن التعليم يظل المدخل الأساسي لتمكين ذوي الإعاقة، لكن العملية التعليمية ذاتها تحتاج إلى موائمة وتكييف لتكون في متناول الجميع، حسبما قالت. 

إسراء كنموذج نجاح وإصرار

في هذا السياق الصعب، تبرز إسراء كنموذج نجاح فلسطيني يبعث على الأمل. بدأت مسيرتها الإعلامية عام 2016 متأثرة بالصحفية الراحلة شيرين أبو عاقلة، واليوم تعمل في راديو الحرية وتقدم برنامجاً متخصصاً بقضايا الإعاقة بعنوان "الحاسة سادسة". لم تكتفِ بذلك، بل خاضت تجربة الانتخابات البلدية في الخليل قبل أربع سنوات، ليس بهدف الوصول إلى الكرسي، بل بهدف إيصال رسالة مفادها أن فئة ذوي الإعاقة موجودة ولها حقوق، وأجبرت القوائم الانتخابية الأخرى على تضمين قضايا الإعاقة في برامجها.

تقول إسراء عن تجربها: "صح أنا ما نجحتش، لكن دائماً بقول إن كنت حاسة حالي نجحة أكتر من اللي وصلوا للكرسي. هدفي كان أني أفتح عيونهم على قضية كانت شبه مخفية في الخليل".

رسائل الأمل والدعوة للتغيير

عند سؤالها عن سر صمودها وإصرارها، أجابت إسراء بتشبيه رائع: "الحياة زي هالقفص الزجاجي، بدك تكسره وبدك تنجرح وبدك تنزف، لكن لما توصل، صدقني راح تنسى كل هذا التعب والنزيف". ثم تضيف: "لأنه من حقنا نعيش، زينا زي غيرنا، لنا حقوق وعلينا واجبات".

هذه الروح الصامدة، التي تجمع بين الاعتراف بالألم والتمسك بالحق في الحياة، هي جوهر قصة نجاح إسراء. وهي دعوة مفتوحة للمجتمع ولصناع القرار على حد سواء: أن نعمل معاً لإزالة العوائق البيئية، وتوفير فرص عمل حقيقية، وإشراك ذوي الإعاقة في التخطيط، لأن قضية الإعاقة، كما تقول إسراء، "ليست قضيتي أنا فقط، بل هي قضية وطن".

نحو بيئة شاملة وعادلة

تمثل قصة إسراء أبو داوود فصلاً مهماً في قراءة واقع ذوي الإعاقة في فلسطين، وبخاصة أنها نموذج حي على أن الإعاقة ليست عائقاً أمام النجاح، بل يمكن أن تكون دافعاً للإبداع والإصرار، وفي الوقت نفسه، فإن صراعها اليومي مع العوائق البيئية والمواصلات والمجتمع، يعكس التحديات البنيوية التي تحتاج إلى حلول جذرية عبر سياسات عامة شاملة وتخطيط تشاركي حقيقي.