في لحظات التردد، لم نعد نتجه كثيراً لمن حولنا، بل إلى هواتفنا، فنكتب سؤالاً بسيطاً وننتظر إجابة جاهزة. "ماذا أفعل؟" "شو رأيك؟" سؤال كان يوماً يحتاج إلى تفكير، أو إلى جلسة صادقة مع صديق، أو حتى إلى صراع داخلي قبل اتخاذ القرار،أما اليوم، فيُطرح بسرعة… ويُجاب عليه بسرعة أكبر.

تدريجياً، بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل في تفاصيل حياتنا اليومية، دون أن نشعر. لم يعد مجرد أداة نبحث بها عن معلومة، بل أصبح طرفاً في قراراتنا، طالب متردد بين تخصصين يكتب سؤاله وينتظر ترجيحاً ،أو موظف يشعر بعدم الرضا يسأل إن كان عليه تغيير عمله، فحتى في العلاقات، قد يسأل أحدهم: "كيف أرد على هذه الرسالة؟" أو "هل هذا التصرف طبيعي؟"

هذه أمثلة بسيطة، لكنها تكشف تحولاً أعمق مما يبدو، لم نعد نبحث فقط عن المعرفة، بل عن الطمأنينة، نريد إجابة سريعة تُريحنا من عبء التفكير، وتخفف عنا مسؤولية القرار.

الذكاء الاصطناعي بارع في ذلك، يجيب بسرعة، بثقة، وبصياغة مرتبة تجعل كل شيء يبدو واضحاً، لا يتردد، لا يحتار، ولا يُظهر شكاً، وهذا تحديداً ما يجعله مغرياً. ، فنحن، كبشر، نميل بطبيعتنا إلى من يبدو واثقاً، حتى لو لم يكن يعرفنا حقاً.

لكن في المقابل، يحدث شيء هادئ داخلنا، ذلك الصوت الذي كنا نعتمد عليه، حدسنا الشخصي، بدأ يتراجع. لم نعد نمنحه الوقت الكافي. بدلًا من أن نجلس مع أنفسنا ونفكر، أصبحنا نقفز مباشرة إلى "الإجابة الجاهزة". ومع تكرار هذا السلوك، نصبح أقل صبرًا على الشك، وأقل قدرة على اتخاذ القرار بشكل مستقل.

تخيل شاباً أنهى دراسته، ويقف أمام أول قرار حقيقي في حياته المهنية، بدل أن يمر بتجربة البحث، الحيرة، وربما حتى الخطأ، يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي ليقترح عليه المسار "الأفضل". قد تكون الإجابة منطقية… لكنها ليست نابعة منه، ومع كل قرار مشابه، يصبح اعتماده أكبر، وثقته بنفسه أقل، حتى دون أن ينتبه.

وفي مثال آخر، أمّ تحاول فهم سلوك طفلها. بدل أن تعتمد على تجربتها وملاحظتها اليومية، تسأل أداة ذكية فتقدم لها تفسيراً عاماً، قد يساعدها ذلك، لكنه قد يخلق مسافة بينها وبين فهمها الخاص لطفلها، ذلك الفهم الذي يتكون من تفاصيل لا يمكن لأي خوارزمية أن تدركها بالكامل.

المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في طبيعة العلاقة التي نبنيها معه. حين يكون وسيلة للفهم، فهو أداة قوية ومفيدة، لكن حين يتحول إلى بديل عن التفكير، أو مرجع نهائي للقرار، نكون قد تخلينا عن جزء أساسي من إنسانيتنا.

فالقرارات ليست معادلات فقط، هي مزيج من تجربة، ومشاعر، وسياق شخصي لا يتكرر، ما يصلح لشخص، قد لا يصلح لآخر. وما يبدو منطقيًا على الورق، قد لا يكون مناسباً في الواقع.

الثقة بالنفس لا تُبنى من الإجابات الصحيحة فقط، بل من التجربة. من المحاولة والخطأ، من التردد الذي نحسمه بأنفسنا، ومن الدروس التي نتعلمها حتى عندما نُخطئ. هذه الرحلة، بكل ما فيها، لا يمكن اختصارها أو استبدالها.

قد يجعل الذكاء الاصطناعي الطريق أقصر، لكنه لا يمنحنا الشعور الذي نكتسبه ونحن نسير فيه لكنه لا يمنحنا ذلك الإحساس بأن القرار كان قرارنا، وأن النتيجة مهما كانت جزء من تجربتنا.

ربما لا يكون السؤال: هل أصبح الذكاء الاصطناعي أذكى؟

بل: هل ما زلنا نثق بأنفسنا بما يكفي لنفكر، ونقرر، ونخطئ… ثم نتعلم؟