على رصيفٍ ضيّق قرب مفترق فلسطين في حيّ الرمال وسط مدينة غزة، يجلس الشاب محمود موسى، خلف طاولة صغيرة تتكدّس عليها العملات المعدنية، يبيعها مقابل عمولة في ظلّ استمرار أزمة انقطاع العملات النقدية الصغيرة في الأسواق.
 

يقول البائع محمود موسى، وهو يقلّب العملات بين أصابعه: "أنا شاب عادي أحاول تأمين لقمة العيش ومساعدة أسرتي، ولم أتخيل يومًا أن أعمل في بيع العملات المعدنية". لكن الطلب المتزايد على "الفكة" دفعه إلى هذا العمل غير المألوف، بعدما أصبحت عنصرًا لا غنى عنه لإتمام أي عملية بيع.
 

يحصل موسى على العملات من مصادر متفرقة، تشمل مطاعم، ومتاجر بقالة، وسائقين يمتلكون فائضًا محدودًا، ثم يعيد بيعها لتجار لا يستطيعون استكمال تعاملاتهم دون توفر العملات الصغيرة. ويوضح أنّ أكثر الفئات طلبًا هي فئتا الشيكل والخمسة شواكل، اللتان أصبحتا شبه منقرضتين. "أحيانًا أبيع فكة بقيمة مئة شيكل مقابل 115 أو حتى 120 شيكلًا، لأن التاجر يفضّل دفع زيادة محدودة على خسارة الزبون".

ورغم اعتماد السوق المتزايد على هذا النوع من التعامل، يؤكد موسى أنه لا يرى في هذا العمل خيارًا دائمًا، يردف: "إذا توفرت الفكة مجددًا في السوق، سأتوقف فورًا. لكن ما دامت الأزمة مستمرة، يستمر هذا العمل".

ويأتي ذلك في سياق أوسع يشهد فيه قطاع غزة نقصًا حادًا في السيولة النقدية، بعد إغلاق معظم فروع البنوك وتعطلّ أجهزة الصراف الآلي منذ بداية الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، ما صعّب وصول المواطنين والتجار إلى النقد.

وقبل النزاع، لم يكن الاتجار بالفكة نشاطًا قائمًا بذاته، إلا أنّ الندرة التي فرضتها الحرب غيّرت قواعد السوق، مع فقدان أو تخزين كميات كبيرة من العملات المعدنية خارج التداول، فضلًا عن القيود المفروضة على إدخال النقد إلى القطاع، الأمر الذي حدّ من توفر الأموال الورقية والمعدنية في السوق.

ويجري هذا النوع من التعامل في ظلّ غياب أي تنظيم رسمي واضح لتداول العملات النقدية الصغيرة، ومع تعطّل الدور الرقابي للمؤسسات المالية في القطاع.

تظهر انعكاسات هذا التحوّل بوضوح في تعاملات التجار اليومية. على مسافة قريبة، يقف أبو حسام عاشور، 55 عامًا، خلف متجره الصغير لبيع الخضروات. ورغم توسّع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في السوق بعد الحرب، وهو توسّع يعكسه ارتفاع عدد مستخدمي المحافظ الإلكترونية إلى أكثر من نصف مليون محفظة في غزة، لا يزال متمسكًا بالنقد الورقي والعملات المعدنية، كما اعتاد طوال أكثر من عشرين عامًا.

يقول عاشور، وهو يتابع الزبائن المنتظرين: "أعمل يومًا بيوم. إذا لم تكن الأموال النقدية بحوزتي، وأنا بحاجة إلى شراء بضاعة لليوم التالي، فلن أتمكن من ذلك. التحويلات الإلكترونية لا تكون مضمونة دائمًا".

حتى النقد الورقي المتضرر يفضّله على الدفع الرقمي. يردف: "إذا كانت الورقة النقدية ممزقة، يمكن إصلاحها واستخدامها. أما التحويلات، فأحيانًا تصل وأحيانًا تتعطل بسبب انقطاع الإنترنت أو توقف التطبيقات. في النهاية أخسر وقتي، بينما يطالبني الموردون بأموالهم".

يشير عاشور إلى أن أزمة الفكة باتت عبئًا إضافيًا على تجارته اليومية، في سوق تشهد أصلًا ارتفاعًا حادًا في أسعار السلع. يتابع: "في بعض الأحيان أخسر نصف شيكل مع كل زبون، فقط لعدم توفر فكة لإعادة الباقي". 

كما يُعرب عن تخوفه من التعامل مع البنوك، ما يمنعه من فتح حساب بنكي. يستطرد قائلا: "أخشى أن يتم تجميد الحساب أو مساءلتي عن مصادر التحويلات. أريد أن أعمل وأعيل أسرتي دون تعقيدات إضافية".

من ناحيتها، تقول نادية محمد، وهي ربّة أسرة من مدينة غزة، إنّ نقص الفكة وتعقيدات الدفع باتا يؤثران مباشرة على مشترياتها اليومية، موضحةً: "في كثير من الأحيان نضطر إمّا للعودة من السوق دون بعض الاحتياجات، لأن التاجر لا يملك فكة أو لا يتعامل بالدفع الإلكتروني، أو إلى فكّ ورقة نقدية كبيرة، مثل مئة شيكل، بشراء مستلزمات لسنا بحاجة إليها فقط للحصول على الباقي". وهي حالة عامة باتت تعيشها غالبية سكان القطاع في تعاملاتهم اليومية مع السوق.

من جهةٍ أخرى، اضطر بائع المواد التموينية أبو أحمد أبو جهل، 42 عامًا، إلى اعتماد التحويلات الإلكترونية كوسيلة أساسية للدفع، بعدما خسر عددًا متزايدًا من عمليات البيع بسبب غياب الفكة، واصفًا هذا الخيار بأنّه: "عبء أكثر من كونه حلًا".

يقول أبو جهل، مشيرًا إلى زبائن لا يحملون نقدًا: "لم أكن مقتنعًا بالدفع الإلكتروني، لكن عندما أصبح الزبائن يبحثون عن الفكة ولا يجدونها، خسرت عددًا كبيرًا من عمليات البيع، فاضطررت إلى التكيّف".

غير أن هذا التكيّف لم يكن بلا كلفة. يردف: "التحويل قد يتم فورًا، لكن الأموال لا تصلّني أحيانًا إلا بعد ساعات أو حتى يوم كامل، بسبب سياسات البنوك أو الحدود القصوى للمحافظ الإلكترونية". وهي مشكلة يعاني منها نحو 70% من التجار الذين يعتمدون الدفع الإلكتروني، وفق تقديرات اقتصادية محلية. بينما أبو جهل بحاجة إلى شراء البضائع يوميًا، وهذه التأخيرات تشلّ عمله، وفق قوله.

تُضاف إلى ذلك العمولة. يتابع: "في بعض الأحيان أتحملها أنا، وأحيانًا يتحملها الزبون. في الحالتين هي خصم جديد لم يكن موجودًا قبل الحرب، وأصبحت أشبه بضريبة غير معلنة". كما أنّ أخطاء التحويل وبطء الإنترنت يفرضان انتظارًا قد يمتد لعشرات الدقائق. وبالنسبة إليه فإنّ كل دقيقة تأخير قد تعني خسارة زبون.

لا تقتصر هذه المشكلات على تجار الأفراد، بل تعكس أزمة أوسع تطال الاقتصاد الغزّي ككل. فقد أدّت الحرب إلى ارتفاع البطالة إلى ما يزيد على 80%، بينما وصلت معدلات الفقر إلى نحو 100%. كما فُقدت قرابة 200 ألف فرصة عمل، وانكمش الاقتصاد بنسبة تقترب من 86%.

في هذا السياق، تشير البيانات إلى أنّ نحو 95% من المنشآت دُمّرت أو توقفت عن العمل، فيما تقلّص حجم النقد المتداول بأكثر من 60%، مع فقدان أو تخزين عملات معدنية تتجاوز قيمتها 50 مليون شيكل. 

وبلغت أزمة السيولة إلى حدّ تكدّس ما يقارب 15 مليار شيكل في خزائن البنوك الفلسطينية غير القابلة للصرف أو تحويلها خارج النظام المصرفي، مما يفاقم شُح النقد المتاح في السوق. ووفق تقارير محليّة، فإنّ أكثر من 70% من الأوراق النقدية المتداولة تعرضت للتلف، وما يقارب 1.2 مليار شيكل من السيولة المطلوبة مفقودة داخل النظام المصرفي في غزة.

ولم تردّ سلطة النقد الفلسطينية على الاستفسارات المتعلقة بخططها لمعالجة نقص العملات النقدية الصغيرة أو تنظيم أنماط الدفع غير الرسمية التي فرضتها الأزمة.

ومع تراجع مصادر الدخل المحلية، تعتمد نحو 78% من الأسر على التحويلات المالية من الخارج، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة تتراوح بين 300 و500%؛ ما جعل قرابة 85% من السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية.

يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الأسواق في قطاع غزة تمرّ بحالة غير مسبوقة من الارتباك المالي، واصفًا ما يجري بأنه "فوضى منظمة" في أنماط الدفع، تجمع بين النقد التالف، والدفع الإلكتروني غير المستقر، والنقص الحادّ في العملات المعدنية.

ويوضح أنّ هذه الأزمة نتاج مباشر للحرب التي دمّرت دورة المال الطبيعية وأحدثت أزمة سيولة عميقة، مشيرًا إلى أن إغلاق البنوك وتعطيل خدمات السحب والإيداع جعل الوصول إلى النقد شبه مستحيل، ولم يُسمح بإدخال كميات كافية من الأموال الورقية إلى القطاع منذ عام 2023.

وبحسب أبو قمر، ارتفع الطلب على العملات المعدنية بأكثر من 300% خلال الأشهر الأخيرة، فيما زاد اعتماد التجار على الدفع الإلكتروني بنحو 64% مقارنة بما قبل الحرب، رغم القيود البنكية التي تجعل هذا الحل جزئيًا وغير مكتمل.

ويخلص المختص الاقتصادي إلى أنّ ما يتشكّل في قطاع غزة اليوم هو نظام دفع بديل وغير رسمي، تقوده الضرورة لا السياسات، وتنقسم فيه السوق بين من يعتمدون على الوسائل الرقمية، ومن يتمسكون بالفكة، وآخرين يبنون تعاملاتهم على النقد الورقي المتآكل.

وبينما يصف التجار والسائقون الزيادة على "الفكة" أو الأجرة باعتبارها حلًا اضطراريًا فرضته الندرة وتعطّل البدائل، تكشف الفتوى الشرعية فجوة أخرى في هذه الممارسات، لا تتعلّق فقط بالاقتصاد، بل بحدود المباح والمحرّم في سوق تُدار بالضرورة لا بالقواعد. ففي نظر الشرع، لا تغيّر الحاجة حكم بيع النقد بالنقد مع زيادة، ولا تنقل هذه الزيادة من خانة الربا إلى أجر الخدمة، مهما اتسعت رقعة الأزمة.

وفي هذا السياق، يؤكد مفتي محافظة غزة حسن اللحّام، أنّ بيع النقد بالنقد مع زيادة لا يجوز شرعًا، وهو محرّم تحريمًا قاطعًا، موضحًا أن أي زيادة تُؤخذ مقابل صرف النقد أو توفير الفكة تُعدّ من الربا، وليست أجر خدمة، ولا يغيّر من حكمها كونها تتم تحت مسمّى الحاجة أو تسهيل المعاملة.

وحول ما إذا كانت هذه الزيادة تُباح بذريعة الضرورة، يشدّد اللحّام على أنّ الضرورة الشرعية لا تنطبق على بيع النقد بالنقد مع زيادة، ولا يوجد في هذا الباب سقف أو استثناء يبيح المحظور، لأن الربا لا يُباح بالضرورة، وفق قوله.

ويضيف أنّ غياب المؤسسات أو ضعف الرقابة لا يشرعن الحرام، ولا يُسقط التكليف الشرعي عن الأفراد، معتبرًا أن استمرار هذه الممارسات يُفضي إلى ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل.

وعن الجهة المخوّلة بضبط الظاهرة، يدعو اللحّام الحكومة القائمة إلى التحرّك العاجل لوضع تشريعات واضحة وعقوبات رادعة تحدّ من انتشار هذه الممارسات، حمايةً للمجتمع في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

وفي ظلّ اقتصادٍ تُديره الضرورة أكثر مما تحكمه القواعد، تتقاطع أزمة الفكة مع سؤالٍ أوسع يتجاوز آليات السوق إلى حدود المسؤولية الأخلاقية والشرعية. فبينما يواصل التجار والمواطنون التكيّف يومًا بيوم لضمان استمرار البيع والشراء، تكشف الفتوى الشرعية فراغًا تنظيميًا لا تُعالجه الحلول المؤقتة، ولا تبرّره الحاجة. 

وفي غياب تدخلٍ مؤسسي يعيد ضبط الدورة النقدية ويحمي الناس من الاستغلال، تبقى السوق مفتوحة على ممارساتٍ تفرضها الندرة، وتدفع كلفتها الفئات الأضعف، في واقعٍ تتآكل فيه القواعد كما تتآكل العملة نفسها.