أصبحت بورصة الدواجن واللحوم تتحكم في مزاج الموائد وحسابات الجيوب المنهكة داخل قطاع غزة، فأمام واجهة أحد المحال، تقف نسمة الحرازين تراقب تقلبات الأسعار بحذر، فالدجاجة التي كانت "طبقًا يوميًا" قبل سنوات، تحولت اليوم إلى قرار مالي يحتاج إلى دراسة وتخطيط، بانتظار هبوط طفيف في السعر يسمح لها بإعادة البروتين الحيواني إلى مائدة عائلتها المكونة من 12 فردًا.

في بيت الحرازين، لم يعد السؤال: "ماذا سنطبخ اليوم؟" بل "هل نستطيع شراء اللحم أصلًا؟". تُعيد الأسرة ترتيب أولوياتها مع كل ارتفاع جديد في الأسعار، فتُستبعد مصادر البروتين الحيواني أولًا، لصالح خيارات أقل كلفة، حتى وإن كانت أقل قيمة غذائية.

يتلقى والد نسمة معاشًا تقاعديًا من السلطة الفلسطينية، لكن هذا الدخل، ما إن يُودع في حسابه البنكي، يتوزع بالكامل على مصروفات ثابتة، فلا يتبقى منه سوى مبلغ ضئيل لا يكفي لأكثر من أسبوع. وعلى الرغم من وجود هذا الدخل الشهري، فإن العائلة بالكاد تدبر أمورها في ظل الغلاء الفاحش، ما يدفعها إلى الاستغناء عن احتياجات كانت يومًا جزءًا ثابتًا من تفاصيل حياتها اليومية.

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، تغيّرت حياة العائلة بالكامل؛ تنقلوا من نزوح إلى آخر، ومع كل انتقال كانت قائمة الأولويات تُعاد صياغتها وفق ما تفرضه الظروف، حيث لم تعد اللحوم والدواجن ضمن الأساسيات، بل ضمن الكماليات المؤجلة.

تقول نسمة: أنا أعاني من فقر دم، وأحتاج إلى طعام خاص مثل الكبدة، يشتريها لي والدي ثلاث مرات أسبوعيًا، إلى جانب الخضار والفواكه التي تُخصص لي فقط، وهذا شكّل عبئًا ماليًا عليه".

ومع الوقت، لا يقتصر الأثر على المائدة، بل يمتد إلى الصحة، خاصة لدى من يحتاجون إلى أنظمة غذائية خاصة، مثل نسمة، حيث تتحول التغذية من حق أساسي إلى عبء اقتصادي ثقيل.

هذا الواقع لا يخص عائلة بعينها، بل يتكرر في بيوت كثيرة داخل القطاع منذ نشوب النزاع، حيث تتراجع اللحوم والدواجن من موقعها كعنصر أساسي إلى بند استثنائي. ومع غياب الاستقرار في الأسعار، يصبح التخطيط الغذائي مهمة شاقة، ترتبط بتقلبات السوق أكثر من احتياجات الجسد.

وبينما تواصل نسمة تقليب الطعام، يبدو واضحًا أن ما تغيّر ليس فقط مكونات الوجبة، بل شكل الحياة نفسها، حيث تتحول أبسط الخيارات الغذائية إلى معادلة معقدة، تتقاطع فيها القدرة الشرائية مع الضرورات الصحية، في ظل واقع اقتصادي يضيق يومًا بعد آخر.

في غزة، لم يعد البروتين الحيواني متوفرًا بالكميات التي اعتاد السكان استهلاكها قبل الحرب. كثيرون اضطروا إلى تقنين استخدام اللحوم والدواجن والأسماك. فبعد أن كانت الأسرة المتوسطة تشتري ما بين كيلو ونصف إلى كيلوين، بات ذلك اليوم رفاهية صعبة المنال، ما دفع غالبية العائلات إلى الشراء على فترات متباعدة وبكميات محدودة.

مؤخرًا، ومع دخول كميات من اللحوم إلى الأسواق، توفرت بشكل نسبي. لكن المعضلة أن أسعارها لا تزال بعيدة عن متناول آلاف العائلات، إذ يتراوح سعر الكيلوغرام بين 30 و40 شيكلًا، وهو مبلغ يتجاوز القدرة الشرائية لغالبية السكان، هذا عدا عن تكاليف الطهي، سواء باستخدام الغاز أو الخشب.

في ظل وصول معدلات الفقر إلى 100%، وارتفاع الأسعار بنسبة 53%، وتراجع القدرة الشرائية بأكثر من 70%، مع بطالة تتجاوز 80%، واعتماد معظم الأسر على المساعدات الإغاثية، بات شراء دجاجة أو كيلو من اللحم أو السمك عبئًا ماليًا ثقيلًا.

محمود عبد الرحمن، في الثلاثينيات من عمره، ويعمل على بسطة لبيع المواد الغذائية ويعيل خمسة أفراد بينهم ثلاثة أطفال، يقول إنه قبل الحرب كان يتناول اللحوم مرتين أسبوعيًا، إلى جانب الدجاج أو السمك مرة واحدة. أما اليوم، فلم يعد قادرًا إلا على شراء أحد هذه الأصناف مرتين فقط في الشهر: إما دجاجة واحدة، أو كيلوغرام من اللحم، أو كيلو ونصف من السمك، وبصعوبة بالغة.

يقول، وهو يوزع حصص الدجاجة على أطفاله: "يطلب مني الصغار الدجاج كل يوم جمعة، لكن قدرتي المالية لا تسمح. أشتري دجاجة كل شهر، وفي المرة الثانية أسألهم: لحمة أم سمك؟ فيختارون الدجاج أيضًا. أحيانًا أحاول شراء كبدة أو جناحين، لكن أسعارها ليست قليلة. كلما انخفض سعر شيء، أحاول أن أشتريه من أجل الأطفال".

أما هناء تيسير (46 عامًا) وهي أرملة تعيل سبعة أفراد، فكانت قبل الحرب لا تُعد أي وجبة من دون لحم، إلى جانب السمك مرة أسبوعيًا، والدجاج كل يوم جمعة كطقس ثابت. لكن بعد استشهاد زوجها وفقدان المعيل، تبدّلت حياتها جذريًا. تعيش اليوم في خيمة على أرض مستأجرة، وقد انهار وضعها المادي بالكامل.

تقول، وهي تعدد الأسعار: "لو أردت شراء كيلوين من اللحم سيكلفني ذلك نحو 80 شيكلًا أو أكثر، حسب مزاج التجار. والدجاج كذلك، هذا عدا عن الأرز أو الخبز أو المقبلات. اليوم نأكل اللحوم مرة واحدة في الشهر، وأحيانًا لا نأكلها لأوفر ثمن إيجار الأرض. أعتمد في الغالب على المساعدات، ولا أستطيع شراء الخضار أو اللحوم بشكل دائم".

وتتساءل بصوت منهك: "لماذا تباع لنا اللحوم والدواجن والأسماك بهذه الأسعار؟ لماذا كل شيء مضاعف؟ لماذا لا يُراعى أننا فقدنا كل ما نملك؟ هل نُلاحق حتى في طعامنا؟ أعاني من فقر دم وأحتاج إلى تغذية خاصة، لكن لا إمكانات. أين وزارة الاقتصاد من فرض أسعار منطقية؟".

توجهت مراسلة "آخر قصة" إلى القائم بأعمال مدير عام الدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية، محمد بربخ، لسؤاله عن أسباب عدم فرض أسعار معقولة، وعن إمكانية تعميم تسعيرة مخفضة تراعي الأوضاع الصعبة.

يقول بربخ: "الوزارة تراقب السوق وتتابعه، وقد تدخلت إجرائيًا وفرضت أسعارًا مبنية على السقوف السعرية لبيع الجملة والمفرق، وفق تحليل التكلفة بما يحقق مصلحة الجميع، مع اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين".

ويضيف: "نجحت الوزارة في خلق نوع من التنافس في بعض أصناف المجمدات، خصوصًا اللحوم الحمراء وأجزاء الدجاج والبط. لكن هناك أصناف لم تُفرض لها سقوف سعرية، وتركت للعرض والطلب لأنها لا تُعد أساسية في مائدة البروتين لدى المواطن".

وأوضح بربخ أن هناك خطي توريد للمجمدات، إسرائيلي ومصري، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكلفة الاستيراد من الجانب الإسرائيلي يعود إلى ما يُعرف ببند التنسيق، إضافة إلى حصر الاستيراد في عدد محدود من الموردين، ما يمنحهم قدرة احتكارية.
أما من الجانب المصري، فيقول إن الشركات الموردة—وفي مقدمتها شركة أبناء سيناء، تفرض رسوم أذونات وتنسيقات وتكاليف إضافية.

من جانبه، يرى المختص الاقتصادي عمر صلوحة أن ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والأسماك أثر مباشرة على سلوك المستهلك، الذي اتجه إلى ما يمكن تسميته بـ "البروتين البديل منخفض التكلفة" والمعلبات، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار المصادر التقليدية، ما أدى إلى سياسة تقنين قاسية في الاستهلاك.

ويؤكد أن أزمة غلاء البروتين الحيواني لا يمكن فصلها عن الارتفاع الكبير في معدلات الفقر والبطالة، ما ضاعف كلفة المعيشة وحوّل سلعًا أساسية إلى ما يشبه الكماليات بالنسبة لغالبية السكان.

ويشير إلى أن أسعار اللحوم والدواجن والأسماك قفزت بين فبراير وأبريل بنسبة تتراوح بين 35% و40%. ففي قطاع الدواجن، كان سعر الكيلو قبل الحرب يتراوح بين 7 و13 شيكلًا، بينما وصلت الزيادة اليوم إلى نحو 90%. أما اللحوم الحمراء المجمدة، فارتفعت بنحو 100%، فيما تراوحت زيادة أسعار الأسماك بين 100% و200%.

ويوضح صلوحة نقطة جوهرية تتعلق بآلية العرض والطلب: "إحدى المعضلات الأساسية هي 'تغول' قطاع المطاعم الذي بدأ يستعيد عافيته جزئيًا؛ فهذه المطاعم تطلب كميات ضخمة من اللحوم والدواجن فور توفرها في المذابح والموردين، مما يتسبب في انعدامها من الأسواق الشعبية أو قلتها، وبالتالي يرتفع سعرها على المواطن البسيط الذي يشتري بالكيلو الواحد".

ويضيف صلوحة أن هذا التذبذب الحاد سببه أيضًا "الاحتكار المقنع" وارتفاع تكاليف المدخلات الإنتاجية، مما دفع المستهلك نحو "البروتين البديل" كالمعلبات والبقوليات.

في غزة، بات وجود اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك على المائدة يحتاج إلى تخطيط مالي دقيق للحصول على كيلو واحد من البروتين الحيواني. ومع ذلك، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للاعتماد على بدائل أقل تكلفة، في ظل واقع يفرض تخصيص ميزانية إضافية لأساسيات باتت تُعامل كأنها كماليات.

ومع استمرار هذا الضغط، تبرز الحاجة إلى تدخلات أكثر فاعلية، تبدأ بتشديد الرقابة على الأسواق والحد من الاحتكار، وتوسيع نطاق التسعيرة العادلة لتشمل مختلف أصناف البروتين، إلى جانب دعم سلاسل التوريد لتقليل كلفة الاستيراد. كما يصبح من الضروري تعزيز برامج المساعدات الغذائية لتشمل مصادر بروتين متنوعة، وضمان وصولها للفئات الأكثر هشاشة.

في المقابل، يظل السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه التدخلات في إعادة التوازن إلى موائد الغزيين، أم سيبقى البروتين الحيواني رفاهية مؤجلة في حياة أنهكها الغلاء؟