تجلس أريج صالح (33 عامًا) في غرفتها الصغيرة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، داخل منزل عائلتها الذي استُبدلت بعض جدرانه المتضررة بشوادر بلاستيكية بعد قصف سابق. تمسك هاتفها المحمول بيد، وورقة صغيرة باليد الأخرى، تدون عليها مصروفاتها الشهرية التي تتزايد باستمرار، وعلى رأسها بطاقات الإنترنت التي تضطر لشرائها مرارًا خلال الشهر، إلى جانب فاتورة الكهرباء للمولد في منطقتها.

تحاول صالح جمع الأرقام ببطء، لكنها في كل مرة تتفاجأ بحجم ما تنفقه، إذ لم يعد البقاء متصلة بالإنترنت أمرًا بسيط التكلفة كما كان قبل الحرب.

مع بداية الحرب، فقدت صالح عملها كمعلمة في إحدى رياض الأطفال، ما اضطرها إلى إعطاء دروس خصوصية في اللغة الإنجليزية داخل منزل عائلتها المتضرر. ويتراوح دخلها الشهري اليوم بين 200 و400 شيكل فقط، وهو مبلغ بالكاد يغطي جزءًا من احتياجاتها الأساسية.

ومن هذا الدخل المحدود، تضطر لتأمين بطاقات الإنترنت ودفع فاتورة الكهرباء للمولد، إضافة إلى مصروفاتها الشخصية ومحاولة ادخار ما يكفي لإعداد غداء يوم الجمعة مرة واحدة على الأقل كل شهر.

تقول صالح: "قبل الحرب كان اشتراكي في الإنترنت بعشر شواكل فقط شهريًا، أما اليوم فأدفع نحو 60 شيكلًا للحصول على ساعات محدودة من الاتصال يوميًا، وأحيانًا أشتري بطاقة لأختي الصغرى أيضًا فيصل المبلغ إلى نحو 100 شيكل".

ولا تتوقف المصروفات عند بطاقات الإنترنت فقط، إذ تمتد كذلك إلى فاتورة الكهرباء التي تصل إلى نحو 120 شيكلًا شهريًا، ليبلغ مجموع ما تدفعه للكهرباء والإنترنت قرابة 200 شيكل، وهو مبلغ كبير مقارنة بدخلها المحدود.

ارتفعت تكلفة الوصول إلى الإنترنت في قطاع غزة بشكل ملحوظ بعد تدمير أجزاء واسعة من خطوط الاتصال والبنية التحتية لشركات الاتصالات خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع بين عامي 2023 و2025، وعلى رأسها شركة الاتصالات الفلسطينية، المزود الرئيسي للخدمة في القطاع.

وتشير البيانات محلية إلى أن أكثر من 70% من شبكات الاتصالات الثابتة والمحمولة تعطلت أو دُمِّرت خلال الحرب، ما أدى إلى تراجع كبير في قدرة السكان على الاتصال بالإنترنت.

ومع محاولات إصلاح محدودة أعادت الخدمة إلى بعض المناطق، بقيت مناطق أخرى تعتمد على مزودي خدمة محليين غير رسميين، فيما يُعرف بين السكان بـ"بطاقات إنترنت الشارع".

وقد توسع الاعتماد على هذه الشبكات البديلة مع ارتفاع أسعار الأسلاك والمعدات اللازمة لإعادة تشغيل الشبكات، وصعوبة إدخال معدات الصيانة إلى القطاع، ما جعلها أحد الحلول القليلة المتاحة للوصول إلى الإنترنت.

وبلغة الأرقام، يحتاج المستخدم إلى نحو شيكلين يوميًا في الحد الأدنى للحصول على اتصال قد يمتد لثماني ساعات وأحيانًا أقل عبر هذه الشبكات. ولا توجد تسعيرة موحدة بين المزودين، كما أن جودة الخدمة غالبًا ما تكون أقل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والضغط الكبير على سعات اتصال محدودة.

تشكو السيدة رجاء عايدية من ارتفاع مصاريف الإنترنت لعائلتها المكونة من خمسة أفراد، إذ يحتاج كل منهم إلى بطاقة إنترنت يومية بقيمة شيكلين، أي ما مجموعه عشرة شواكل يوميًا، أو نحو 300 شيكل شهريًا.

ويفوق هذا المبلغ بكثير ما كانت تدفعه العائلة قبل الحرب، حين كان لديهم اشتراك إنترنت منزلي ثابت عبر جهاز راوتر مقابل 60 شيكلًا شهريًا فقط، دون الحاجة إلى شراء بطاقات محددة بساعات.

وتقول عايدية إن المصروفات الشهرية أصبحت أكبر من قدرة الأسرة على التحمل، موضحة: "كل شيء اليوم ندفعه أضعافًا مضاعفة. راتب زوجي 2000 شيكل، وبعد إيجار البيت و400 شيكل للإنترنت والكهرباء، يتبقى نحو 600 شيكل فقط للطعام، وهو مبلغ لا يكفي. حتى المدخرات صُرفت بالكامل منذ بداية الحرب".

وتوضح أن الإنترنت لم يعد رفاهية بالنسبة لعائلتها، خاصة مع انتقال جزء من العملية التعليمية إلى النظام الإلكتروني بعد الدمار الواسع الذي طال المدارس في قطاع غزة. وتضيف: "إذا انقطع الإنترنت يومًا واحدًا فقط يشعر الأولاد أننا انقطعنا عن العالم".

أما وسام نصر، الذي انتقل مؤخرًا إلى منطقة جديدة ونصب خيمته هناك، فقد عانى في البداية من غياب الإنترنت في المنطقة.

لاحقًا ظهرت على هاتفه شبكة إنترنت قادمة من الشارع، فتواصل مع مزودها لمحاولة تقويتها لتصل إليه وإلى جيرانه في الخيام المجاورة، لكن المزود لم يستجب لطلبه حتى الآن.

ويضطر وسام وزوجته للبقاء في زاوية معينة من الخيمة حيث تكون الإشارة أفضل، ويدفعان نحو أربعة شواكل مقابل الاتصال في بعض الأيام، إلا أن ذلك ليس أمرًا يوميًا بسبب ضعف قدرتهما المالية.

ويقول نصر: "كثيرًا ما أفكر في شراء بطاقة إنترنت وأنا في العمل للتسلية، لكني لا أستطيع إضاعة ربح اليوم على الإنترنت. يا ليت سعره كما كان سابقًا، ومع ذلك لن أستطيع استخدامه يوميًا لأن كل شيكل أصبح مهمًا".

قبل اندلاع الحرب، كان متوسط الاشتراك الشهري للإنترنت في قطاع غزة نحو 30 شيكلًا مقابل سرعة متوسطة، ما يتيح اتصالًا شبه دائم يصل إلى نحو 720 ساعة شهريًا.

أما اليوم، فمن يرغب في الحصول على سرعة تقارب 2 ميغابت عبر شبكات الإنترنت المحلية في الشارع، يضطر لدفع نحو 60 شيكلًا للفرد الواحد، أي أضعاف التكلفة السابقة التي كانت توفر اتصالًا منزليًا ثابتًا لجميع أفراد العائلة.

محمد الحرثاني، أحد مالكي شبكات الإنترنت في منطقة الميناء غرب مدينة غزة، يرى أن أسعار بطاقاته معقولة مقارنة بالشبكات الأخرى الأعلى تكلفة.

ويقول إن بطاقة الإنترنت في شبكته صالحة لخمس ساعات متواصلة وتبلغ قيمتها شيكلًا واحدًا فقط.

وكان لدى الحرثاني شبكة خاصة قبل الحرب، لكنه فقدها بالكامل، ما اضطره إلى شراء معدات جديدة لإعادة تشغيل الشبكة وتغطية منطقة واسعة نسبيًا بالإنترنت.

ويضيف أن التكلفة كانت أعلى بنحو 200% من السعر الطبيعي، موضحًا: "اشتريت الراوتر الواحد بـ300 شيكل، إضافة إلى الأسلاك الباهظة، إذ يصل سعر متر السلك المخصص للإنترنت إلى 12 شيكلًا، بينما كان سعره سابقًا شيكلًا واحدًا فقط".

ويشير إلى أن تسعيرة البطاقات وعدد ساعاتها يرتبطان بعدة عوامل، أبرزها تكلفة المعدات وتكاليف التشغيل اليومية، إضافة إلى أن الشركة الأساسية المزودة للإنترنت تقتطع نحو 50% من الأرباح.

وبحسب بيانات صادرة عن وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي الفلسطينية، بلغت الخسائر المباشرة الناتجة عن تدمير قطاع الاتصالات في غزة نحو 164 مليون دولار نتيجة تدمير 580 برجًا خلويًا وشبكات ألياف ضوئية رئيسية.

كما تُقدَّر كلفة إعادة بناء البنية التحتية للاتصالات خلال السنوات الخمس المقبلة بنحو 736 مليون دولار.

لكن انقطاع الإنترنت المتكرر في غزة لم يكن مجرد عطل تقني، بل أدى إلى تفكيك تدريجي للبنية الرقمية التي تربط المجتمع بالعالم الخارجي، من التعليم والعمل والتحويلات المالية، إلى التواصل العائلي والوصول إلى المعلومات.

الخبير الرقمي سائد حسونة يقول إن العزلة الرقمية في غزة لم تعد مجرد انقطاع تقني، بل تحولت إلى شكل من أشكال الإقصاء المعرفي والاقتصادي.

ويوضح أن الفجوة الرقمية لم تعد تقتصر على من يملك الإنترنت ومن لا يملكه، بل تشمل أيضًا جودة الاتصال، إذ قد يمتلك المستخدم اتصالًا شكليًا لا يفي بمتطلبات الحياة الرقمية الحديثة مثل التعليم الإلكتروني أو الاجتماعات عبر الفيديو.

ووفقًا لقانون حماية المستهلك الفلسطيني رقم (21) لسنة 2005، يجب أن تكون حقوق المستهلك محمية بما يمنع تعرضه للخسائر أو الاستغلال، إذ تنص المادة (2) على حظر تقديم أي خدمة بسعر أو بربح يختلف عن السعر المعلن عنه.

ويقول المحامي حماد ضهير إن المسؤولية في الظروف العادية تقع على الجهات المنظمة مثل وزارة الاتصالات والشركات المزودة للخدمة لضبط الأسعار وحماية المستهلك.

غير أن الوضع الحالي مختلف، فمع منع دخول المعدات الضرورية لإعادة تشغيل البنية التحتية ونقص الوقود والمستلزمات التشغيلية، تبقى الأسعار مرتفعة في ظل غياب تنظيم فعلي للقطاع.

ويشير ضهير إلى أن حق الوصول إلى الإنترنت والمعلومات حق مكفول في المواثيق الدولية، إذ أكد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضرورة حماية حقوق الأفراد داخل البيئة الرقمية وخارجها.

في غزة، لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة ترفيه أو تواصل، بل أصبح وسيلة أساسية للتعليم والعمل والبقاء على اتصال بالعالم. ومع استمرار تدمير البنية التحتية وارتفاع تكلفة الخدمة إلى أضعاف ما كانت عليه، يزداد العبء على المواطنين الذين أنهكتهم الحرب.