كنتُ أمشي في السوق بعد العصر، أفعل ما يفعله معظم الآباء المفلسين في هذا البلد قبل العيد:
أتفرج.
أتخيل هذا الفستان على ورد، وأقول في سري إن نايا كانت ستحب تلك الحقيبة الزهرية المعلقة هناك، وعند بسطة إكسسوارات، تخيلت شعر ملك الكيرلي وهو يلمع بأجمل "بُكلة" لأميرة هذا العالم.
الأحذية مصطفة خلف الزجاج كقطع حلوى لامعة،
والفساتين تدور ببطء على المانيكانات كعارضات أزياء في عرضٍ لـ"شانيل".
كنت أتوقف أمام كل واجهة قليلًا…
ثم أمشي أنا وظلي الحزين.
حتى توقفت أمام محل أحذية أطفال.
صف طويل من الجزم والأبوات الصغيرة، مرتبة بعناية،
كأنها تنتظر أقدامًا سعيدة… لتبدأ حفلة الرقص.
هناك، عند طرف الزجاج، كان يقف ولد بعمر اثني عشر عامًا تقريبًا.
نحيل… وهادئ أكثر مما يجب على طفل في عمره.
كان يحدق في الأحذية بالطريقة نفسها التي كنت أحدق بها قبل لحظات.
شيء ما في وقفته شد انتباهي.
كان يحرك قدمه اليمنى إلى الخلف كل بضع ثوانٍ… كأنه يحاول إخفاء شيء ما.
اقتربت أكثر.
الحذاء الذي يرتديه كان أكبر من قدمه بكثير، ممزقًا من الأمام حتى خرج منه إصبعه الصغير، كلعنة تبصق دمها على العالم.
كان يضغط مقدمة البوت بقدمه على الأرض كل بضع ثوانٍ، كأنه يحاول إغلاق الجرح الصغير فيه.
قلت له بلطف:
"كأنه البوت كبير عليك؟"
نظر إلى قدميه لحظة…
ثم قال بهدوء غريب:
"مش بوتي لحالي".
سألته وأنا أبتسم كي أخفف عنه ثقل اللحظة:
"عاملين جمعية خيرية ومشارك فيه حدا؟"
رفع رأسه ونظر إليّ مباشرة:
"إلي… ولأخوتي الاتنين الصغار".
حاولت أستغبي حالي شوي…
سألته:
"طب يعمو، مش شايف إنه الشركة هيك خربانة وبدها تجديد موظفين؟"
قال ببساطة، كأنه يشرح شيئًا بديهيًا:
"ما عناش غير هالبوت".
ابتسم ابتسامة صغيرة، كأن الأمر ليس مأساة أصلًا.
ثم أكمل:
"إذا بدنا نطلع… بنلبسه بالدور".
سألته بعد لحظة:
"يعني لما تطلع إنت… شو بيعملوا إخوتك؟"
هز كتفيه قليلًا:
"بستنوا في الخيمة".
سألته:
"قديش أعمارهم؟"
قال:
"أصغر مني بسنة وسنتين".
ثم أضاف فجأة، وكأنه تذكّر شيئًا مهمًا:
"اليوم دوري".
قالها وهو ينظر إلى الحذاء…
سألته:
"دورك على شو؟"
رد:
"أطلع ع السوق".
ابتسمت بحزن وقلت:
"ليش، بدك تشتري شي؟"
هز رأسه بسرعة:
"لا".
سكت قليلًا…
ثم قال الجملة التي كسرتني.
"بس بدي أتفرج… زي ما انت بتتفرج".
لم أعرف ماذا أقول له، لأنني قبل دقائق فقط…
كنت أقف أمام الفساتين أفعل الشيء نفسه.
أتفرج.
لم أستطع منع نفسي من السؤال:
"وإخوتك شو بيعملوا؟"
نظر إلى الشارع لحظة… ثم قال بهدوء تام:
"بستنوا أرجع… عشان يلبسوه".
صمتنا طويلًا…
يمر الناس من حولنا كأنها لقطة في فيلم سينمائي.
الشراء مستمر، الأكياس تمتلئ، وضحكات الصغار الفرحين بلبس العيد تملأ المكان.
أما نحن فبقينا واقفين أمام واجهة الأحذية.
هو ينظر إلى بوت يلمع في عينيه،
وأنا أنظر إلى البوت الذي في قدمه.
بعد لحظة، قال لي فجأة:
"بتعرف… لو صار عنا بوتين… بصير أطلع أنا وأخوي مع بعض".
قالها وهو ينظر إلى البوت في قدمه…
ثم حرك إصبعه الصغير قليلًا داخل الفتحة الممزقة،
كأنه يتأكد أن دوره في المشي… لم ينتهِ بعد.
لم يقل ثلاثة…
لم يحلم كثيرًا…
بوت واحد جديد فقط…
كي لا يخرج وحيدًا مرة أخرى..
عدت للمنزل بقلب مكسور وغاضب، يحمل أمنية واحدة ،،
أن لا يبقى هذا البوت وحده في مواجهة هذا العالم البائس ..