جبريل وزوجته زوجين مسنين في السبعينيات من عمرهما، تعرضا للنزوح عدة مرات بسبب الحرب، وانتقلا من شمال غزة إلى جنوبها بعدما تدهورت الأوضاع. وفي نهاية المطاف، استقرا في أحد ملاجئ الأونروا. ورغم الصعوبات، لا يزالان متمسكين بالأمل في أن تتوقف الحرب وتعود حياتهما إلى طبيعتها.  

يقول جبريل إن الأونروا كانت دائمًا شريان حياة لهما. فقد استفادا من خدماتها طوال حياتهما، من التعليم الذي تلقاه أولادهما وأحفادهما في مدارسها إلى الرعاية الصحية التي وفرتها عياداتها. كانت الأونروا دائمًا مصدر دعم وطمأنينة في أوقات الحاجة، كما يقول.   

ماذا يعني وجود الأونروا بالنسبة لسكان قطاع غزة؟

أنشئت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئين فلسطين (الأونروا) بموجب القرار رقم 302 الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، ويتم تمويلها بالكامل تقريبا من خلال التبرعات الطوعية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. منذ عام 1950، ساهمت الأونروا في رفاهية لاجئي فلسطين وتنميتهم البشرية، والذين يُعرَّفون بأنهم "أولئك الأشخاص الذين كانت فلسطين هي مكان إقامتهم الطبيعي خلال الفترة الواقعة بين حزيران/يونيو 1946 وأيار/مايو 1948، والذين فقدوا منازلهم ومورد رزقهم نتيجة حرب عام 1984".

منذ ذلك الحين تقدم الوكالة الأممية خدمات متعددة للفلسطينيين اللاجئين في خمس مناطق من بينها قطاع غزة والذي يزيد عدد سكانه عن اثني مليون نسمة، وتشمل خدمات الوكالة: التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والبنية التحتية وتحسين المخيمات والدعم المجتمعي والقروض الصغيرة والاستجابة لحالات الطوارئ في أوقات النزاع المسلح.

غير أنه مع اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023 تواجه المنظمة تهما وتحريضا "ومعلومات كاذبة ومضللة، حول موظفيها وعملياتها" تهدف كما تقول لحظر عملها.

الأرملة المسنة أمينة حمدان (63 عاماً) وهي لاجئة تنحدر من مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، قالت إن وقف عمل الأونروا يفقدها الأمل في الحصول على العلاج المجاني والحصول على المساعدات، حيث تحصل هي وغيرها الآلاف على خدمات متعددة عبر الأونروا.

قبل اندلاع الحرب كانت تعتمد السيدة حمدان على المعونة الإغاثية التي كانت تتلقاها دورياً عبر الأونروا وكانت تغطي كافة احتياجات أسرتها من دقيق ومواد غذائية فضلا عن تلقيها خدمات الرعاية الصحة، والحصول على علاج ضغط الدم بالمجان، وتشير إلى أن حظر عمل المنظمة الأممية سيجعلها في مواجهة مع الجوع والموت نظراً لعدم توفر مصدر دخل لأسرتها التي تعاني الآن من ويلات الحرب.

وعلى الرغم من اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك الأمم المتحدة، إلا أن الكنيست الإسرائيلي، وافق على مشروع قانون يحظر عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في إسرائيل.

وأقر أعضاء الكنيست، المشروع بأغلبية 92 صوتا مقابل 10 أصوات معارضة، بعد سنوات من الانتقادات الحادة "للأونروا" والتي بدورها انتقدت القرار ووصفت الخطوة بأنها "شائنة".

ويتعين بناء على هذا القرار وقف عمل الأونروا في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها قطاع غزة، الأمر الذي يدفعنا للتعمق أكثر في عمل المنظمة واستعرض حجم الخدمات التي تقدمها وانعكاس ذلك على السكان المدنيين الذين يعانون ويلات الحرب منذ ما يزيد عن 400 يوم، وكانوا من الأصل يعانون ظروفاً معيشية قاهرة نتيجة الحصار والفقر وانعدام مصادر الدخل.

ما الذي يمكن أن يخسره سكان غزة بوقف خدمات الأونروا؟

في الواقع، وبحسب ما تقوله المنظمة الأممية فإنه لا يوجد ما يعادل البنية التحتية الراسخة للأونروا أو يعادل فعاليتها من حيث التكلفة في أي مكان آخر في الأمم المتحدة. حيث تدير الوكالة مباشرة خدمات عامة حيوية (المدارس والمراكز الصحية والحماية الاجتماعية)، ومعنى ذلك أن كل هذه المؤسسات ستتوقف عن تقديم خدماتها للسكان.

مع وجود أكثر من مليوني شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية المنقذة للحياة في غزة- حيث يوجد لدى الأونروا حوالي 13 ألف موظف- لا توجد وكالة أخرى قادرة على الاستجابة على النطاق المطلوب في الوقت الحالي، تقول المنظمات الأممية.

وأكدت وكالات الأمم المتحدة الأخرى والمنظمات غير الحكومية الدولية على أهمية الدور الذي لا غنى عنه للأونروا في غزة وأعلنت علنا دعمها للوكالة.

خدمات قطاع التعليم:

لم ينفك الطفل محمد عامر (13 عاماً) يتساءل عن مستقبله التعليمي، بعدما تعطل قسرا نتيجة الحرب التي كان أكثر من 30% من ضحاياها من الأطفال. ولا يعلم محمد ما الذي يمكن أن يؤثره وقف عمل الأونروا على المستقبل التعليمي للأطفال اللاجئين في قطاع غزة.

وانتهى المطاف بالطفل محمد، بالإقامة رفقة أسرته داخل غرفة صفية في مدرسة تابعة للوكالة الأممية تقع إلى الغرب من مدينة غزة، بعد رحلة نزوح شاقة ومرهقة. وينشغل الآن بجمع الحطب والمياه، ويقول إنه يتوق شوقا لدخول المدرسة كطالب علم وليس كنازح، لكن الأمر مناط بوقف الحرب، كما قال.

ومن غير الواضح إذا ما كانت الأونروا قادرة على فتح أبواب مدارسها التي أصبحت مأوى للنازحين، أمام قرابة 300 ألف طالب وطالبة من قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، لاسيما في حال أصبح قرار الكنيست الإسرائيلي ساري المفعول.

وتشمل خدمات الأونروا للتنمية البشرية والخدمات الإنسانية التعليم الابتدائي والإعدادي والمهني، لـ"294.086" طالب وطالبة من سكان قطاع غزة.  كما يوجد 183 مدرسة تقدم خدماتها لأطفال ينمون في ظروف قاتمة، لاسيما أنهم محاطين بالفقر والعنف. تقول المعلمة أسماء كريم (38 عاماً) وهي إحدى موظفات قطاع التعليم بالأونروا إن المدرسة توفر للأطفال اللاجئين، أحد الأمكنة التي يستطيعون فيها تعلم المهارات من أجل مستقبل أفضل، وبخاصة في ظل انعدام الأفق والفقر الشديد الذي تعانيه أسرهم.

وتبدي المعلمة كريم وغيرها المئات من المعلمات والمعلمين المنخرطون في سلك التعليم بالوكالة الأممية، تخوفاً كبيراً على مستقبل الأطفال وكذلك يبدون قلقاً شديداً حيال مستقبل وظائفهم التي أصبحت على المحك.  

ووفقا لإفادة الأونروا فإن 63% من المدارس تعمل بنظام الفترتين حيث يستضيف المبنى الواحد مدرسة وطلابها في الفترة الصباحية ومدرسة أخرى بطلاب مختلفين في الفترة المسائية (7% أيضًا من المدارس تعمل بنظام الثلاث فترات ).

وإلى جانب خدمات التعليم الأساسي لدينا، توفر الأونروا فرصا تدريبية مهنية وفنية لحوالي 1000 طالب سنويا في مراكزها التدريبية في غزة وخان يونس، وهي تستهدف الطلاب ضعيفي التحصيل الأشد فقرا والأكثر عرضة للمخاطر. ويوفر التدريب للطلاب المساحة من أجل تطوير أنفسهم وتطوير مهاراتهم، الأمر الذي يمكن أن يساعدهم في العثور على طريقهم للخروج من الفقر الذي يعيشون فيه.

خدمات الصحة:

نتيجة للفقر والضغوطات الحياتية التي كان يعيشها السكان الناجمة عن سنوات من الحصار والحروب المتكررة على القطاع منذ قرابة العقدين، تنامت نسب مرضى الأمراض المزمنة وبخاصة ضغط الدم والسكري، الأمر الذي عزز من فرص اعتماد قطاع كبير من المرضى الفقراء على العلاج المجاني الذي تقدمه الأونروا فضلا عن خدمات الرعاية الصحية.

يقول محمود أبو وائل وهو لاجئ فلسطيني في العقد الخامس من عمره يعاني من مرض ضغط الدم، إنه لازال يعتمد على مخزون العلاج الذي كان يتلقاه من عيادة الأونروا في مخيم خانيونس جنوب قطاع غزة، للحفاظ على صحته.  

وأوضح أبو وائل المتعطل عن العمل منذ سنوات مضت، أن الأدوية التي كان يتلقاها كان تعينه على مواصلة حياته بحيوية ونشاط، وأنه من دونها كان سيكون طريح الفراش، متسائلاً: "لست أدري ما هو شكل المعاناة التي يمكن أن نعانيها إذا جرى شطب الأونروا عن خارطة العمل الإنساني في غزة، وأوقفت خدماتها قسراً سوا كان ذلك على الصعيد الصحي أو على الصعيد الإغاثي؟!".

إزاء ذلك تقول الأونروا عبر موقعها الإلكتروني، نتيجة سنوات من التدهور الاجتماعي-الاقتصادي والصراع والإغلاق، أصبح قطاع الصحة عبر قطاع غزة يفتقر إلى البنية التحتية المادية وفرص التدريب الكافية. حيث أن المرافق أضحت تعمل فوق طاقتها، وكثيراً ما تتعطل الخدمة بسبب انقطاع التيار الكهربائي. وهذه التحديات تزيد من المخاطر التي تهدد صحة السكان الذين يتعرضون إلى أخطار متزايدة من ذي قبل.

وبسبب انعدام الأمن الغذائي والفقر المتزايد، لا يتمكن معظم السكان من تلبية احتياجاتهم اليومية من السعرات الحرارية، في حين أن ما يزيد على 90 بالمائة من المياه في غزة أصبحت تعتبر غير صالحة للاستهلاك البشري.

وبحسب الوكالة الأممية فهي تعمل من خلال 22 مركزاً لتقديم خدمات الرعاية الصحية للغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين في غزة. كما تقوم الوكالة بتقديم خدمات العيادات والفحوص المخبرية، إلى جانب خدمات صحة الأمومة وتنظيم الأسرة المصممة حسب الاحتياجات الشخصية في جميع مراكزها الصحية. كما توفر خدمات التصوير بالأشعة في ستة مراكز، وخدمات طب الأسنان في 15 مركزاً.

المؤلفون

ريهام عبد الرحمن
ريهام عبد الرحمن

كاتب

هيئة التحرير
هيئة التحرير

مشرف

ريم عمر
ريم عمر

مصمم إنفوجرافيك