لا انزياح أيديولوجي، أو استثمار عاطفي، على مستوى ما، إنه ليس مسلسلا مصرياً على الإطلاق، إنما هو عمل أشخاص يؤمنون بعمق بأن الفن ليس ترفيهاً، بل يمكنه أن يكون صفعةً تُفقد الطاغية ثقته بنفسه.
تلك الشوارع التي لم أصدق لحظةً أنها عبارة عن "لوكيشن" في موقع تصوير، لم أقتنع رغم حديث معظم العاملين في المسلسل أنها كانت كذلك، فهذه الأمكنة يستحيل ألا تكون في غزة، وهذا الدمار لا يمكن أن يكون مجرد ديكورات لمسلسل تلفزيوني، إنه العمل الأكثر إتقاناً الذي شاهدته يحاكي الحقيقة.
لم يكن هناك شعارات فارغة تُطلق في فضاء الحوار، كان الحوار إنسانياً، بسيطاً، وعميقاً، يسكب الألم من خلال المشاهد اليومية التي تحدث على خلفيات الدمار الهائل، بينما يصبح العثور على أي شيء يعين على الحياة مغامرة في حد ذاته، من الخبز إلى الماء إلى الدواء إلى محاولة الحوار مع البرد الذي لا يمكن محاورته، تلك الأزمات التي تبدو بسيطة من بعيد، لكنها في الحقيقة صلب المأساة التي تصنعها الحروب، وأول ما يجعلها مأساة هو أن لا أحد يلتفت إليها لأن صوت الموت يكون أعلى، وصوت الدم يغطي على أي صوت آخر.
حين يبكي فلسطيني عاش الحروب وخبِر سفالاتها، على مشهد في عمل فني، رغم أنه يعرف أن هذا المشهد قد مر به ما هو أقسى منه، فذلك يعني أن الفن حقق غايته، ليس في البكاء، بل في إيصال الصورة التي كانت الأخبار تلمّها من خارجها، ممثلة في أرقام لا يمكن أن تقود إلى الحقيقة، فالأرقام بجفافها ستبقى أرقاماً، أما لحظة بكاء ناصر الفجائية حين أخبر صديق مجد بأن مجد قد استشهد، فهي لحظة لا تخلدها الصحافة ولا الفضائيات، بل يخلدها الفن، وحين تأكل الأخبار بعضها بعضاً، فإن تلك المشاهد ستبقى محفورة في الوجدان.
منذ أعوام طويلة قال محمود درويش موجها خطابه للعرب المتعاطفين مع الفلسطينيين: "ارحمونا من هذا الحب القاتل"، وكان يقصد الحب الذي يؤلّه الفلسطيني، ويجعله شخصا غير قابل للانكسار، وكأنه مصنوع من الجرانيت، وقد عانينا كفلسطينيين طويلاً من هذه النظرة، وأذكر أنني ذات يوم في أمسية شعرية في إحدى البلاد العربية، ألقيت قصيدة صوفية، فدهش الحاضرون جميعا بلا استثناء، كيف يأتي شاعر من غزة ويلقي قصيدة صوفية؟ كان عليّ أن ألقي قصيدة مليئة بالرشاشات والشهداء كي أطابق الصورة التي في أذهانهم عن الفلسطيني.
هذا العمل الفني أخذ الفلسطيني إلى المكان الذي يجب أن يكون فيه، إنسان محب للحياة، شجاع أحيانا، جبان أحيانا، يجوع، يبكي، يشعر بالبرد، يخاف على أحبائه، يتنازل عن بعض الأشياء مقابل أن يبقى على قيد الحياة، يناضل من أجل من يحبهم، خدوم وكريم أحياناً، وأناني أحيانا أخرى، وهذا هو الفلسطيني الذي لا يختلف عن أي إنسان في هذا العالم، يمكن أن تجد فيه أية صفة موجودة في البشر، وهي المقولة التي حاولنا أنا وأبناء جيلي جاهدين أن نوصلها إلى العالم: الموت ليس غايتنا، غايتنا أن تكون لنا دولة نعيش فيها مثل بقية الشعوب، دعونا نشكو من الفقر وقلة الديمقراطية، دعونا نشكو من غلاء الأسعار، دعونا نشكو من قلة الموارد، كي نشعر بأننا بشر، لا أن يكون لنا دائما شكوى واحدة وحيدة: الاحتلال.
قدّم العمل فلسطين، وغزة تحديدا، والضفة بمشاهد أقل، كما نحب نحن الفلسطينيون أن يتم تقديمنا بها، نحن الذين نتذكر موتانا ونبكيهم، ونصر على دفن قتلانا، ونستشهد من أجل حضّانة وعلبة حليب لطفل ماتت أمه، ونحاول أن نضحك في أشد ساعات الأزمة حلكة.
بعض الهِنات الصغيرة التي قدمها العمل لا تنقص من قيمته الفنية أو السياسية، كأن تكون الخمسة شواكل بمئتي جنيه مصري، فالخمسة شواكل تساوي دولاراً ونصف تقريبا، وذهاب سمير إلى الشمال دون تنسيق، فهذا أمر "مستحيل" عملياً، وبعض الهنات الأخرى، لكن ذلك لا يقارن بالتأثير الذي أحدثه العمل، وبالجبروت الذي تمتع به الممثلون كي يظهروا متسخين ودون مكياج، وحِنكة بيتر ميمي في إدارة الكاميرا التي جعلتنا متوترين طوال الوقت رغم أننا عايشنا تلك المواقف بل وأكثر منها.
قد يقول البعض إن هذا العمل لا يمثل عشرة بالمئة مما عايشه أهل غزة في الحرب، وقد أتفق معهم، ولكن متى كان العمل الفني بإمكانه أن يغطي كل شيء؟ إنه اختصار لحالة، حالة الموت التي عاشها الناس وعاشتها البيوت، حالة الجوع وحالة المرض الذي لم يجد علاجاً، حالة فقدان الذاكرة الجزئي التي يتمتع بها كبار السن عن عمد، حالة البحث عن الحياة وسط دمار كل ما فيه يدعو إلى الموت.
كل جزئية في العمل تم الاهتمام بها على حدة، فالممثلون تعايشوا مع الحدث كجزء منه، تكلّموا كما يتكلم الناس هناك، تصرفوا كما يتصرف الناس هناك، أحسسنا بهم مهمومين ومتعبين كأنهم خرجوا توا من تحت الأنقاض، فتبارت منة شلبي مع ذاتها، وسيطر إياد نصار على المشهد، وشدّ كامل الباشا عيون المشاهدين، وتعبّأ المشهد بآدم بكري، وعصام السقا، حتى روان الغابة التي كرهها المشاهدون، لأنها كادت أن تتماهى إلى حد الاستنساخ مع الشخصية التي تمثلها، وبالطبع بقية الممثلين الذين تفرقوا في المشاهد كمهجَّرين، كنازحين، معبأين بالألم والتشرد.
إنه عمل يستحق أن يُشاد به، وإن كانت شهادتي كفلسطيني لا تعدو كونها شهادة شخصية، تحاول فقط أن توضح الفرق بين عمل أُنتج بحب وإيمان بالقضية التي يتحدث عنها، وعمل آخر يحاول فقط أن يجذب المشاهدين من أجل مزيد من الأرباح.