يجلس المزارع يحيى شلط على كرسي صغير بجوار أرضه في النصيرات وسط قطاع غزة، يتأمل المزروعات التي زرعها بيديه بعد أشهر من الجهد والمشقة. يستعيد تلك الأيام التي كان ينقل فيها المياه يدويًا لسقي نباتاته نبتةً نبتة. كان العمل مرهقًا، لكن مع الوقت لم يعد الإرهاق المشكلة الوحيدة؛ إذ بدأت بعض النباتات تذبل بسبب عدم وصول المياه بالكفاءة المطلوبة.

أدرك شلط أن الري اليدوي لم يعد خيارًا مستدامًا، خصوصًا مع مساحة أرضه البالغة ستة دونمات. فانتقل إلى مضخات المياه رغم أنها تعمل بنصف طاقتها، وبدأ بإصلاح شبكات الري التي تضررت خلال الحرب الإسرائيلية (2023-2025)، مع الاكتفاء بالري اليدوي في المساحات الصغيرة.

يقول وهو يشير إلى خراطيم المياه: "كنت أروي يدويًا لكن لم أستطع الاستمرار، النبات كان يموت والمساحة كبيرة. كما أن تشغيل المضخة كان يكلفني أربعة شواكل للدقيقة، وهذا عبء كبير".

ويضيف وهو يمسك ببذور تالفة خسر بسببها نحو 40 ألف شيكل: "اضطررت لاستعارة الخراطيم من زملائي. كل نبات له احتياجه، لكن بدون شبكة ري منظمة أصبحت الأمور عشوائية تمامًا".

خلال النزاع، تعرضت شبكات الري الزراعية لدمار واسع، إذ تضرر 1,188بئرًا زراعيًا (52.5% من إجمالي الآبار)، إلى جانب تدمير أكثر من 450 ألف متر طولي من شبكات الري. هذا الدمار وضع المزارعين أمام خيارين قاسيين: ري يدوي مرهق يفقد معه النبات توازنه المائي، أو شبكات ومضخات جديدة بتكلفة تفوق القدرة المالية.

في هذا السياق، لم يعد الري اليدوي سوى حلّ مؤقت. كثير من المزارعين اضطروا إلى الاستثمار في معدات جديدة رغم ضعف جودتها، لكن الأعطال المتكررة وتهالك الخراطيم والمضخات جعلت الزراعة نفسها عملية صيانة مستمرة أكثر منها إنتاجًا.

المزارع درويش خضير من منطقة التوام شمال قطاع غزة، عاد إلى أرضه ليجدها بلا شبكة ري أو مضخة صالحة. يقول: "اعتمدت على الري اليدوي خلال فترات النزوح، لكن الإنتاج كان ضعيفًا جدًا. لذلك عدت للمضخة رغم كلفتها العالية".

وبلغت تكلفة تجهيز أرضه نحو 100 ألف شيكل، خُصصت لشبكة ري ومضخة متهالكتين أساسًا، لكنه لم يجد بديلًا. يردف: "المضخة تحتاج سولارًا مرتفع الثمن، والشبكة تتعطل باستمرار، لكني أستمر لأن هذا ما تبقى لي".

قبل النزاع، كان القطاع الزراعي يساهم بنسبة 11% من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 343 مليون دولار في 2022. وفقًا لتقرير للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومع اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، توقفت الأنشطة الزراعية تقريبًا، بخسائر يومية قُدرت بـ1.6 مليون دولار.

ومع انتهاء الحرب في أكتوبر 2025، عاد الإنتاج بشكل محدود لا يغطي احتياجات السوق. ووفق وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة، فإن نحو 50% من الأراضي الزراعية تقع خلف "الخط الأصفر"، بما يشمل مساحات واسعة في شمال القطاع وشرقه وجنوبه.

كما كانت مساحة الأراضي الزراعية قبل الحرب نحو 178 ألف دونم، منها 93 ألف دونم مزروعة بالخضروات، إلا أن نحو 90% منها خرجت عن الإنتاج.

المزارع نضال أبو وردة من منطقة الكرامة شمال القطاع يواجه تحديات مختلفة. يقول: "لم أعد أستطيع تشغيل المضخة بسبب غلاء الوقود، لذلك أعتمد على بئر الماء وأتجنب المحاصيل التي تحتاج ريًا كثيفًا".

ويقصد أبو وردة محال "الخردة" بحثًا عن قطع تساعده في صيانة شبكته المتهالكة. ويؤكد -حسب تجربته- أن الري اليدوي يخفض الإنتاج إلى أقل من 25%.

وبحسب تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات)، ارتفعت نسبة تضرر آبار الري من 83% في أبريل 2025 إلى 87% في سبتمبر من العام نفسه، ما يعكس استمرار تدهور البنية التحتية الزراعية.

يقول المهندس الزراعي محمد الفرا إن غياب شبكات الري والري بالتنقيط، والاعتماد على طرق تقليدية دون أسس علمية، يؤدي إلى انجراف الطبقة السطحية من التربة، وهي الطبقة الغنية بالمواد العضوية التي يحتاجها النبات، ما يؤدي إلى انتقالها وتراكمها في أماكن أخرى، وبالتالي عدم انتظام النمو بين المزروعات، إضافة إلى تأثير ذلك على هيكلية التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه على المدى البعيد.

الري اليدوي مناسب للمساحات الصغيرة فقط، وليس للأراضي الزراعية الكبيرة، وفقًا للفرا، الذي يشير إلى أن كثيرًا من المزارعين توقفوا عن استخدامه لأن المزروعات تتلف، نتيجة غياب أدوات تقدير كمية المياه المطلوبة، مثل العدادات والمؤقتات اللازمة لحساب زمن وكمية الري المناسبة لكل نبات.

ويرتبط الري بالغمر "التقليدي" غالبًا بنمط الزراعة المنزلية والحضرية، وقد برز خلال الحرب الإسرائيلية كأحد أشكال الاكتفاء الذاتي المصغر، لذلك ينجح في المساحات الصغيرة، لكنه غير مجدٍ في الأراضي الزراعية التجارية.

ويبين الفرا أنّ العديد من المزارعين اضطروا إلى شراء شبكات ري ومضخات قديمة بأسعار مرتفعة جدًا، للتخلي عن الري اليدوي الذي اتبعه البعض لفترات سابقة، فضلًا عن معيقات أخرى، أبرزها اعتماد أغلبهم على الطاقة الشمسية في ري المزروعات، في وقت تهالكت فيه أجزاء كبيرة من منظومات الطاقة خلال السنوات الثلاث الماضية.

لا يتجاوز العمر الافتراضي لشبكات الري خمس سنوات كحد أقصى في حالات الجودة الممتازة، بحسب ما أوضحه الفرا؛ لذلك فإن أغلب الشبكات الحالية ضعيفة الكفاءة ومتهالكة، وحتى في حال وجود محاولات محلية لإعادة تدوير البلاستيك وصناعة شبكات جديدة، فإن عمرها الأقصى لن يتجاوز عامين.

من زاوية حقوقية، يقول المحامي يحيى محارب إن منع دخول المعدات اللازمة للزراعة، إلى جانب تدمير الأراضي الزراعية والتربة، يشكل أحد أشكال الإبادة الجماعية، لما يتركه من أثر مباشر على حياة المدنيين الذين يعتمدون على الزراعة لتأمين قوت يومهم.

ويؤكد أن اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول يحظران تدمير مصادر الغذاء، كما أن المادة الثامنة من نظام روما الأساسي تعتبر استهداف الأراضي الزراعية جريمة حرب، فيما تنص اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1949، في بندها الثاني، على أن تضييق الخناق على السكان وإهلاكهم يندرج ضمن أفعال الإبادة.

في المحصلة، يحاول المزارعون في غزة الحفاظ على ما تبقى من إنتاجهم بوسائل محدودة، بين ري يدوي مرهق، ومضخات وشبكات متهالكة، في ظل بنية زراعية فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الاستمرار.