بعد دقائق قليلة من نشر رابط إلكتروني لتحديث بيانات الخريجين والعمال في قطاع غزة، الذي أطلقته وزارة العمل والصندوق الفلسطيني للتشغيل، بدأت الاستمارة تستقبل طلبات متدفقة، عقب إعادة تداوله على نطاق واسع خلال مارس/آذار 2026 مع تجديد الدعوات الرسمية للتسجيل. ولم يكن الرابط مخصصًا لوظائف محددة، بقدر ما مثّل بوابة لتجميع بيانات الباحثين عن العمل تمهيدًا لفرص تشغيل مؤقتة، في سوق يعاني شحًا حادًا في الوظائف.

وخلال ساعات، ارتفع عدد الطلبات إلى ما يقارب عشرة آلاف، في مؤشر واضح على حجم الضغط غير المسبوق على سوق العمل. إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 74% من الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب، في ظل غياب فرص التشغيل المنتظمة، ما دفع كثيرين إلى التقدّم لأي فرصة متاحة، مهما كانت مؤقتة أو غير واضحة.

في هذا السياق، يتضح أنّ خطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي تشكّلت كهيئة انتقالية لإدارة الشؤون المدنية بعد الحرب لا تعتمد على برامج تشغيل مباشرة، بقدر ما تراهن على إعادة الإعمار وتنسيق برامج التشغيل المؤقت، في محاولة لامتصاص جزء من البطالة. 

وبين قاعدة بيانات مفتوحة تمتد من 2025 حتى عام 2026 دون عدد محدد للفرص، تتكدّس آلاف الطلبات في انتظار استدعاء قد لا يأتي، في ظلّ فجوة متسعة بين أعداد الباحثين عن العمل والفرص المحدودة المتاحة.

محمد العويني (24 عامًا) كان خريج جامعي مستجد قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2023، التي قلبت حياته رأسًا على عقب، إذ يقطن اليوم في خيمة نزوح وسط مدينة غزة ويقف اليوم في طوابير الباحثين عن عمل. 

وبينما ينهمك في البحث عبر هاتفه عن فرصة تعيد بعض انتظام حياته، يقول: "منذ تخرجي عام 2022 وأنا أحاول العثور على عمل، لكن الحرب أغلقت الأبواب التي كانت مفتوحة بصعوبة. أقضي ساعات أتابع مجموعات الوظائف، على أمل أن يظهر إعلان يمنحني فرصة للبدء من جديد".

لذلك، لم يتردد كثيرًا عندما ظهر رابط التسجيل الذي أعلنته وزارة العمل. يضيف: "سارعت إلى تعبئة البيانات فورًا. لم أعرف طبيعة العمل أو مدته، لكنني شعرت أن عليّ المحاولة. في مثل هذه الظروف، تصبح أي فرصة أفضل من الانتظار الطويل دون عمل".

بالنسبة له، لم تعد المسألة تتعلق بوظيفة مثالية، بل بشعور مفقود: "أبحث عن فرصة تعيد لي الإحساس بأنني قادر على العمل والإنتاج. البقاء دون عمل لفترة طويلة يجعل الإنسان يشعر وكأنه خارج الحياة".

هذه التجربة لا تختلف كثيرًا عن واقع أيهم المزنز (30 عامًا)، الذي كان من بين آلاف الشباب الذين تدافعوا للتسجيل في الرابط ذاته. يقول: "ما إن رأيت إعلان التسجيل حتى سارعت لتعبئة الاستمارة. لم تكن التفاصيل واضحة بالكامل، لكنني شعرت أن عليّ المحاولة، مثل آلاف الشباب الذين يبحثون عن أي فرصة عمل".

ويضيف: "لم يعد لدينا رفاهية اختيار نوع العمل بعد الحرب. كثيرون فقدوا مصادر دخلهم، وأصبح العثور على فرصة حتى لو كانت مؤقتة أمرًا نادرًا".

ثم يعدل جلسته ويتابع حديثه: "سجلت لأنني أريد أن أعمل بأي شكل. الجلوس الطويل دون عمل يخلق شعورًا بالعجز، لذلك نتقدم لكل فرصة متاحة".

خلال وقت قصير، تحوّل رابط تحديث بيانات الخريجين والعمال في قطاع غزة، الذي أطلقته وزارة العمل والصندوق الفلسطيني للتشغيل في مارس الحالي، إلى نقطة تجمع رقمية لآلاف الباحثين عن العمل. نحو عشرة آلاف شاب وشابة أدخلوا أسماءهم وتخصصاتهم في استمارة واحدة، في مشهد يختصر آلاف القصص المؤجلة في خانات إلكترونية.

بالنسبة لآية مراد (25 عامًا)، التي عملت سابقًا في عدد من المؤسسات، لم يعد البحث مقتصرًا على أي فرصة، بل على الاستقرار نفسه. تقول: "عملت في أكثر من مؤسسة، لكن معظم الفرص كانت مؤقتة أو مرتبطة بمشاريع قصيرة. بعد الحرب، أصبح الاستقرار الوظيفي حلمًا بسيطًا".

وتردف أنها عندما سمعت عن رابط التسجيل فكرت أنه قد يكون فرصة مختلفة، موضحة أن ما تبحث عنه لم يعد مجرد راتب، بل عمل مستقر يمنحها شعورًا بالأمان ويتيح لها التخطيط للمستقبل.

أما حلا التتري (20 عامًا)، فتقف على عتبة مختلفة؛ لم تدخل سوق العمل بعد، لكنها تحاول الوصول إليه بأي طريق. تقول: "سجلت لأنني أريد أن أبدأ حياتي العملية مثل بقية الشباب. لم تتح لي فرصة الالتحاق بالجامعة حتى الآن، لكنني أؤمن أن العمل قد يفتح لي بابًا جديدًا".

وتتابع: "أتمنى أن تأتي فرصة أستطيع من خلالها الاعتماد على نفسي، وأن يأتي يوم لا يبقى فيه شباب عاطلون عن العمل".

هذه الشهادات الفردية لا تعكس فقط صورة أوسع لسوق عمل يرزح تحت ضغط غير مسبوق، بل تفتح أيضًا باب الأسئلة حول طبيعة الجهود التي ينتظرها الشباب من لجنة إدارة غزة. لكن بعد عامين من الحرب، لا تبدو أزمة البطالة في غزة في طريقها إلى الانحسار. بل على العكس، يكشف التزاحم الرقمي على "رابط اللجنة" عن واقع جديد، تتراجع فيه حدود التخصصات أمام أولوية العيش الكريم.

يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الإقبال الكثيف على أي فرصة عمل يعكس اختلالًا عميقًا في بنية سوق العمل في غزة، موضحًا أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع معدلات البطالة، بل بتراجع القدرة الإنتاجية للاقتصاد ككل.

ويشير إلى أن الحرب أدت إلى تضرر قطاعات رئيسية وتقلص دور القطاع الخاص، ما أضعف قدرة السوق على توليد فرص عمل جديدة، وأبقى آلاف الخريجين خارج دورة الإنتاج. ويضيف أن هذا الواقع خلق فجوة متزايدة بين العرض والطلب، حيث يتدفق الداخلون الجدد إلى سوق العمل بوتيرة تفوق بكثير قدرة الاقتصاد على استيعابهم.

ويؤكد أبو قمر أن استمرار هذا الخلل البنيوي يعني أن أي تحسن في معدلات البطالة سيظل محدودًا، ما لم يُستعد النشاط الاقتصادي وتُعاد دورة الإنتاج إلى العمل بشكل تدريجي.

من جهته، يتقاطع حديث فراس الرملاوي من لجنة خدمات الأصدقاء الأمريكية مع أبو قمر، إذ يرى أن الإقبال الكثيف على أي فرصة عمل لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الأعمق التي أصابت سوق العمل في غزة بعد الحرب، حيث لم تعد المشكلة في نقص الوظائف فحسب، بل في تآكل البنية الاقتصادية القادرة على إنتاجها. 

ويشير إلى أن اعتماد شريحة واسعة من الشباب على برامج التشغيل المؤقت يعكس انتقال الاقتصاد من مرحلة الإنتاج إلى إدارة الحد الأدنى من الدخل.

ويؤكد الرملاوي أن برامج التشغيل قصيرة الأمد، رغم أهميتها في التخفيف من حدة الأزمة، لا يمكن أن تشكّل بديلاً عن سياسات اقتصادية أوسع، داعيًا إلى ضرورة ربط جهود التشغيل بخطط إعادة الإعمار بشكل أكثر تكاملًا، بحيث تُوجّه المشاريع نحو خلق فرص عمل مستدامة، لا الاكتفاء بتوفير دخل مؤقت.

كما يشدد على أهمية دعم المشاريع الصغيرة وتعزيز العمل الرقمي وفتح قنوات عمل خارجية، إلى جانب إعادة تنشيط القطاع الخاص، باعتباره المحرك الرئيسي لأي سوق عمل. ويضيف أن غياب رؤية تشغيلية واضحة، تتضمن أولويات قطاعية وجدولًا زمنيًا محددًا، يبقي التدخلات الحالية في إطار الاستجابة المؤقتة، دون القدرة على إحداث تحول حقيقي في معدلات البطالة.

في هذا السياق، تبدو الجهود منصبّة على تخفيف الضغط الآني، عبر مشاريع قصيرة الأمد أو برامج ممولة خارجيًا، دون أن يقابلها حتى الآن مسار واضح لإعادة بناء سوق عمل قادر على الاستدامة. ومع استمرار تراجع القطاعات الإنتاجية وتقلص دور القطاع الخاص، تتسع الفجوة بين أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل والفرص المتاحة فعليًا.

يأتي ذلك دون وجود حتى الآن استراتيجية واضحة لدى لجنة إدارة غزة لخلق وظائف مستدامة على نطاق واسع. كما لا تتوفر خطة معلنة تتضمن عدد الوظائف المتوقع توفيرها، أو جدولًا زمنيًا واضحًا للتشغيل، أو تحديد قطاعات مستهدفة بعينها لاستيعاب الشباب، ما يعكس غياب إطار تشغيلي واضح يمكن القياس عليه.

هل تُدار البطالة في غزة… أم تُحل؟ سؤال يفرض نفسه مع كل مبادرة تشغيل جديدة، ومع كل رابط تسجيل يستقطب آلاف الباحثين عن فرصة. فعلى الرغم من تعدد البرامج والإعلانات، تشير طبيعة التدخلات القائمة إلى أن المقاربة الحالية تميل إلى إدارة الأزمة أكثر من معالجتها جذريًا. فالتشغيل المؤقت، رغم أهميته في توفير دخل سريع، يبقى محدود الأثر في غياب اقتصاد منتج قادر على توليد وظائف مستقرة.

في المحصلة، يتحول الأمل الفردي في "فرصة مؤقتة" إلى سياسة عامة غير معلنة: إبقاء الحد الأدنى من الدخل قائمًا، دون القدرة على نقل الاقتصاد من حالة الطوارئ إلى التعافي. وبين إدارة الندرة وغياب الحلول الهيكلية، تبقى البطالة في غزة أزمة مؤجلة الحل، لا أكثر.