داخل مركبة لتعليم القيادة تجلس نيرمين منذر خلف المقود، يداها مشدودتان إلى عجلة القيادة، وعيناها لا تفارقان الطريق. تُنصت لتعليمات المدرب، فيما تتوزع نظراتها بين الأمام والجانبين، حيث تصطف الخيام ويتناثر الركام، أثرٌ ثقيل لما خلّفته الحرب. كانت تأمل تعلّم القيادة في شوارع غزة القديمة، بين الأزقة التي تعرفها جيدًا؛ لكنها اليوم تتدرّب في طرق تبدّلت ملامحها كليًا.
رغم ذلك، لم تتخلَّ عن حلمها، ففور الإعلان عن استئناف استقبال طلبات رخص القيادة، سارعت إلى التسجيل، على أمل استعادة جزء من الحياة التي فقدَتها.
تقول خلال درس عملي في شارع الوحدة وسط مدينة غزة: "كانت معظم مدارس القيادة مغلقة. وما إن فُتح بعضها حتى سارعت للتسجيل. اجتزت الامتحان النظري، ثم بدأت الدروس العملية وهنا ظهرت العقبات: طرق غير صالحة، نقص الوقود، وارتفاع أسعار الصيانة وقطع الغيار، وكل ذلك انعكس على تكلفة الحصول على الرخصة مقارنة بما قبل الحرب".

مؤخرًا أعلنت وزارة النقل والمواصلات استئناف إصدار الرخص الاستكمالية، مؤكدة الالتزام بالقوانين والمعايير المهنية، واشتراط استيفاء المتطلبات القانونية والفنية، مع الاحتفاظ بحقها في اتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة لتحقيق المصلحة العامة.
بالنسبة لكثيرين شكّل القرار نافذة انتظار طال أمدها، فدوافع المتقدمين تختلف: مَن يسعى لاكتساب مهارة مؤجلة، إلى مَن يرى في القيادة فرصة عمل محتملة، وآخرون يمتلكون سياراتهم دون أن تتاح لهم فرصة قيادتها.
محمد صلاح، مدير تنفيذي لعلامة تجارية في المملكة العربية السعودية، يملك سيارة خاصة. بالنسبة له مثّل استئناف إصدار الرخص خطوة نحو قدر أكبر من الاستقلال.
يقول: "ارتفعت تكلفة الرخصة بسبب صيانة السيارات وأسعار الوقود والزيوت. أتفهم هذا الارتفاع. التحديات كثيرة كمتدرب جديد، لكنني أحاول تجاوزها".
أما أماني شحادة، فقد كانت تخطط مع شقيقتها لتعلم القيادة بعد أن اشترى والدها سيارة قبيل الحرب، لكن اندلاعها أوقف تلك الخطط.
تقول: بدأت أرى إعلانات عن عودة التدريب، ولم أتخذ خطوة جدية بعد، لكنني سأفعل. القيادة تمنحني القدرة على التنقل دون الاعتماد على أحد، وهي مهارة ضرورية في ظروف مثل غزة، حيث قد تضطر للنزوح بسرعة".
في المقابل، يرى إبراهيم خليل في القيادة وسيلة لتأمين دخل يساعده على إكمال دراسته الجامعية. يقول: "رغم ضعف البنية التحتية وشح سيارات التدريب، قررت الحصول على الرخصة. آمل أن أنجح من المرة الأولى لأبدأ العمل مباشرة".

وتعكس هذه القصص واقع القطاع وبنيته التحتية التي تضررت بشدة، فوفق تقديرات محلية، تجاوزت خسائر قطاع النقل في غزة 3 مليارات دولار، مع تدمير نحو 65% من شبكة الطرق، وهو ما يعادل 945 كيلومترًا، إلى جانب تضرر أكثر من 55 ألف مركبة، أي نحو 60% من المركبات المرخصة.
حسن عويس، صاحب مدرسة الحسن لتعليم القيادة، يقول إن قرار إعادة فتح المدرسة جاء استجابة لإلحاح الناس. يوضح: "عدنا بالتزامن مع قرار الوزارة، لكن الإقبال لم يتضح بعد".
ويضيف أن التحديات معقدة: صيانة المركبات مكلفة، وقطع الغيار شحيحة. وعلى المستوى المروري، يجري تنسيق مستمر مع الجهات المختصة لتأمين بيئة آمنة، خصوصًا مع تزايد الحوادث مؤخرًا، التي أودت بحياة عدد من الأشخاص، معظمهم من الأطفال.
أما أسعار الرخص، فيقول عويس إنها ترتبط مباشرة بتكاليف التدريب العملي، بما في ذلك الوقود والزيوت والإطارات. ويلاحظ أن دوافع المتقدمين تتنوع بين البحث عن عمل أو الاستعداد للسفر، حيث تسهّل الرخصة المحلية الحصول على رخصة دولية.

من جهته، يوضح المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات، أنيس عرفات، أنّ قرار استئناف إصدار الرخص جاء استجابة لطلبات تنظيم العمل، وهو يشمل جميع الراغبين دون استثناء، بهدف تنظيم حركة السير والمرور.
ويشير إلى أنه جرى التنسيق مع نحو 10 مدارس في مدينة غزة لبدء العمل بما تبقى لديها من مركبات، فيما لا تزال الجهود جارية لافتتاح مدارس في خانيونس جنوب القطاع والمحافظة الوسطى، رغم أن نحو 90% من مدارس القيادة تضررت، ما يجعل العودة إلى ما قبل الحرب أمرًا صعبًا.
ويؤكد عرفات أن الوزارة لا تتقاضى سوى 100 شيكل: 20 شيكلًا للتسجيل و80 شيكلًا للامتحان النظري، مع إعفاء المتقدمين من رسوم الفحص الطبي بالتنسيق مع وزارة الصحة. كما تعمل الوزارة، بالتعاون مع بلدية غزة، على تهيئة بعض الطرق لإجراء الاختبارات، عبر إعادة تركيب الإشارات المرورية.
قبل الحرب، بلغ عدد الرخص الصادرة في عام 2022 نحو 13,477 رخصة. لكن منذ 7 أكتوبر 2023، توقّف العمل كليًا في مدارس القيادة البالغ عددها 61 مدرسة، والتي كانت تشغّل 258 مدربًا و230 مركبة ومئات العاملين. اليوم، يعود جزء منها إلى العمل، في ظروف لا تزال قاسية.

اقتصاديًا، كانت مهنة القيادة مصدر دخل لعدد كبير من السائقين. ويقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر إن القرار مهم لتنظيم القطاع إداريًا، لكنه ينتقد فرض أي أعباء مالية إضافية على سكان يرزحون تحت ضغط اقتصادي شديد.
ويضيف أن مدارس القيادة كانت ترفد السوق بآلاف السائقين سنويًا، إلا أن القطاع تضرر بشدة، ويحاول الآن استعادة نشاطه؛ ما قد يوفّر فرص عمل محدودة. كما أن عودة العمل قد تعيد بعض مصادر الدخل للمدربين والعاملين، لكنها لا تخفي واقعًا صعبًا: نقص السيارات، وارتفاع كلفة الصيانة، وشح قطع الغيار.
ويؤكد أن التعافي الكامل للقطاع سيستغرق وقتًا طويلًا، نظرًا للحاجة إلى إدخال معدات الصيانة والمركبات والمستلزمات الأساسية.
في المحصلة، تمثّل عودة مدارس تعليم القيادة واستئناف إصدار الرخص خطوة أولى في مسار طويل نحو التعافي. خطوة محاطة بتحديات اقتصادية ولوجستية، من نقص السيارات إلى تدمير الطرق، إضافة إلى رهبة المتدربين من القيادة في بيئة غير مستقرة. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في تهيئة ظروف أكثر أمانًا وتنظيمًا للتدريب والاختبار.