كثيرٌ ما خبئ المواطن الفلسطيني محمد سلامة (35 عامًا)، أحلامه بين تعرجات سقف مصنوع من الأسبستوس الذي يغطي سطح مسكنه الواقع في مخيم البريج وسط قطاع غزة. ومنذ الطفولة يتعامل سلامة مع تعرجات السقف على أنها لعبة تسلية يمرر نظره عبرها حتى يخطفه النوم.
لا يدري سلامة ومثله على الأقل (620 ألف شخص)، هم سكان مخيمات قطاع غزة، حسب بيانات لعام 2023، خطورة هذه المادة على صحتهم، خصوصا عند تفتتها واستنشاق غبارها، أو التعامل مع رمادها.
يعاني سلامة ضيقًا في التنفس منذ وقت طويل، وازدادت حدته مع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، وبخاصة مع الانبعاثات التي خلفتها القذائف والصواريخ على مدار 24 شهرًا، عدا عن عوادم السيارات التي استخدم بعضها الزيت النباتي بديلاً عن الوقود في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخاله عبر المعابر التجارية.
ولا يعلم هذا الرجل الذي يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، إذا ما كانت مادة الأسبستوس التي لم تصمد تحت وطأة القذائف وتفتت، هي التي زادت أزمته الصحية، لكنه على كل حال يقول إن الظروف التي يعيشها السكان بين الركام، تجعل من القطاع بيئة طاردة للحياة.

وثمة دراسة صحية تثبت خطورة مادة (الأسبستوس)، حيث تتسبب بتداعيات صحية كبيرة أبرزها مرض السرطان. وإذا ما اعتبرنا أن مكونات هذه المادة وجزئياتها التي تفتت اختلطت مع المخلفات العسكرية وكذلك الركام والذي يقدر زنته بـ 50 مليون طن تقريبًا، وأصبحت جزءًا أساسيًا منه، فمعنى ذلك أن الركام برمته بات يشكل خطر حقيقيا على صحة سكان القطاع الذين يزيد عددهم عن أكثر من اثني مليون نسمة.
وتستخدم مادة (الأسبستوس) لأغراض العزل داخل المباني وفي تشكيلة مكونات عدد من المنتجات، مثل ألواح التسقيف، وأنابيب الإمداد بالمياه، وبطانيات إطفاء الحرائق، ومواد الحشو البلاستيكية، والعبوات الطبية، فضلا عن استخدامها في قوابض السيارات وبطانات مكابح السيارات وحشياتها ومنصاتها، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.
فيما يشكل الأسبستوس مادة أساسية بالنسبة لسكان غزة لاسيما قاطنوا المخيمات، حيث تسقف المساكن بهذه المادة منذ سبعينات القرن الماضي. وحتى مع النمو والتطور العمراني الذي شهدته المخيمات طيلة العقود الخمسة الأخيرة، فإنه لم يلغ الأسبستوس، على اعتبار أنه أقل تكلفة من الخرسان المسلح في تسقيف الوحدات السكنية.
تنهمك الشابة أحلام مقداد (24عامًا) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، في تنظيف غرف مسكنها من مادة الأسبستوس، بعدما فتتها القذائف التي أصابت مباني مجاورة داخل المخيم. تستخدم مقداد التي عادت إلى مسكنها بعد رحلة نزوح استمرت أكثر من عام، كمامة طبية خلال إزالة الركام، ومع ذلك تقول إنها أصبحت تعاني حساسية صدرية وعطس مستمر.
بفعل وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، عاد عشرات الآلاف من النازحين إلى مساكنهم سواء المدمرة كليا أو جزئيا، واستصلحوا من الأخيرة ما يمكن تنظيفه والإقامة فيه بديلاً عن الخيام، غير أن للإقامة هنا تكلفة باهظة على الصحة، حيث تختبئ الكارثة الصحية الصامتة في الركام، ألا وهي "مادة الأسبستوس".
ونفت أكثر 100 حالة قابلناها واجهيًا وإلكترونيًا، في سياق هذا التقرير الاستقصائي من مختلف محافظات القطاع (شمال غزة، غزة، دير البلح، خان يونس) خلال الفترة الممتدة من 10 يناير إلى 20 فبراير 2026، أي بعد أكثر من ثلاثة أشهر من إعلان وقف إطلاق النار، تعرضها لنشرات توعوية تحذر من استنشاق مخلفات الركام أو الحذر في التعامل معه. فيما أكد 50% على الأقل أنهم تلقوا رسائل نصية عبر الجوال تحذر من خطورة التعامل مع الأجسام المشبوهة فحسب، عبر منظمات الدولية ومحلية.

زرنا محمد حسونة (42 عامًا) في مسكنه الواقع في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، أثناء إجراءه عمليات ترميم لسقف مسكنه الاسبستي. لم يرتدي الرجل سوى قبعة قماشية، فيما كان الغبار يغطي ويتغلغل في لحيته، وقال غير آبه بالمشكلة الصحية التي يمكن أن تتسبب بها هذه المادة الخطرة: "استنشقنا كافة أنواع القنابل، هل يتوقف الخطر على الاسبستوس!".
حاولنا تتبع آلية التخلص من مخلفات الاسبستوس التي يتم إخراجها من داخل المباني في أعقاب عودة السكان إليها، فوجدنا أنها جزءاً أساسياً من الركام الذي خلفته الحرب، حيث يصعب فصلها عن مكونات الخرسانة أو المخلفات الصلبة الأخرى. كما تبين أن شريحة عريضة من السكان تتعامل مع الموضوع من باب الترف الزائد عن الحاجة، مقارنة مع حجم القذائف والصواريخ التي استنشقوا أدخنتها وعوادمها.
عبر طريق بطول مئات الأمتار داخل مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، كانت أكوام الأسبستوس ملقاة على امتداده. جزء من فتات هذه المادة، كان يختلط بمجرى مياه الأمطار الذي يستمر في الجريان نحو شاطئ البحر غرباً، وجزء أخر كان على شكل تلال يجتازها السكان بالمرور فوقها.
ومع استنشاق الاسبستوس أو لمس مخلفاته أو اختلاطها بالمياه، يتضح أن الخطر يحدق بالسكان من كل اتجاه. وثبتت اصابة السبعيني مروان سعيد، بالسرطان في فبراير 2025 بعد تردي حالته الصحية واستدعاء دخوله إلى المشفى لإجراء فحوصات سريرية. ولا يعلم إذا كان الرجل الذي عمل في قطاع الإنشاءات لما يزيد عن أربعة عقود، هو ما تسبب له بالمرض أو أسباب أخرى تتعلق بالحرب وأثارها الصحية.

وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، فإن هناك أكثر من 13 ألف مصاب بمرض السرطان، أكثر من 3 آلاف منهم اكتشفت إصابتهم خلال حرب على القطاع.
في المقابل، تقول منظمة الصحة العالمية، إنه يتعرض نحو 125 مليون شخص في جميع أنحاء العالم للأسبستوس في أماكن عملهم حاليا.
وتشير تقديرات المنظمة إلى أن أكثر من 107 آلاف شخص يقضون نحبهم كل عام بسبب سرطان الرئة وورم المتوسطة وداء مادة الأسبستوس نتيجة التعرض لتلك المادة في أماكن عملهم.
تأتي هذه التقديرات، في أعقاب إعلان خبير إزالة المتفجرات في دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS)، تشارلز بيرش، عن وجود مادة خطرة قد تصعّب عملية إزالة الأنقاض والركام في غزة بعد انتهاء الحرب.
وقال بيرش إن "غزة يوجد بها أنقاض أكثر من أوكرانيا، وأن هناك أكثر من 37 مليون طن من الأنقاض يجب إزالتها في غزة بمجرد انتهاء الحرب الإسرائيلية على القطاع"، مشيراً إلى وجود ذخائر وقنابل غير منفجرة بين الركام بالإضافة إلى مادة الأسبستوس الخطرة، مما قد يعيق عمليات إزالة الأنقاض ويصعّب هذه المهمة.
تلك التصريحات اللافتة، كانت محفزة للبحث وراء الدور الرسمي المناط بوزارة الصحة الفلسطينية والمنظمات المعنية الأخرى، لوقف زحف المخاطر المحدقة بصحة سكان غزة وكيف تجنبها، وبخاصة إذا ما أخذ بالاعتبار أن التقارير والدراسات تفيد بأن جميع أشكال الأسبستوس مواد مسرطنة بالنسبة للبشر، وقد تتسبب في الإصابة بورم المتوسطة وسرطان الرئة وسرطاني الحنجرة والمبيض.
كما تشير الدراسات إلى أن التعرض لتلك المادة يؤدي أيضا إلى الإصابة بأمراض أخرى، مثل داء الأسبستوس (تليّف الرئتين) ولويحات أغشية الرئتين وحالات التثخّن والانصباب.
تشير تقديرات وزارة البيئة الإسرائيلية إلى أن مادة الأسبستوس تقف وراء ثلث الوفيات الناجمة عن أنواع السرطان التي تحدث جراء التعرض لعوامل مسرطنة في مكان العمل، وإلى إمكانية عزو عدة آلاف من الوفيات التي تحدث كل عام إلى حالات التعرض للأسبستوس في البيت.

في محاولة للوقوف على الجهود الرسمية، التقت "آخر قصّة" بالطبيب عبد الله حسب الله رئيس قسم الصدرية في مستشفى الرنتيسي للأطفال، من وزارة الصحة الفلسطينية التي أكدت أن التعامل مع مخلفات الأسبستوس يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين الإجراءات البيئية والصحية والتوعوية.
وقال الطبيب حسب الله، إن مادة الأسبستوس عبارة عن ألياف معدنية تستخدم في مواد البناء والعزل، وتعد مادة مسرطنة، وقد أعاد التأكيد على أن التعرض لغبارها قد يؤدي إلى أمراض خطيرة مثل سرطان الرئة وداء الأسبستوس.
وأوضح أن مواجهة آثار الحرب المرتبطة بهذه المادة تستدعي مجموعة من الإجراءات، لاسيما إجراءات بيئية تشمل حصر المباني المدمرة التي تحتوي على الأسبستوس، وإزالة الأنقاض بطريقة آمنة بواسطة فرق مدربة، مع ترطيب الأنقاض بالماء قبل نقلها لمنع انتشار الألياف في الهواء، ونقل النفايات الخطرة إلى مكبات خاصة مراقبة.
أما على المستوى الصحي، فقال الطبيب حسب الله إن الوزارة تعمل على إنشاء برنامج فحص صحي للسكان المعرضين، خاصة العمال وسكان المناطق المدمرة، وإجراء فحوصات دورية للجهاز التنفسي مثل الأشعة الصدرية ووظائف الرئة، بالإضافة إلى إنشاء سجل صحي وطني للتعرض للأسبستوس لمتابعة الحالات على المدى الطويل، وتعزيز الكشف المبكر عن السرطان وأمراض الرئة.
وشدد الطبيب حسب الله على أهمية التوعية المجتمعية، داعيًا السكان إلى عدم التعامل المباشر مع الأنقاض أو تكسير مواد البناء القديمة، واستخدام كمامات واقية عند الاقتراب من مناطق الركام.
وقدّم مجموعة إرشادات مباشرة للسكان، منها عدم لمس الركام مباشرة باليدين العاريتين، ارتداء قفازات واقية وكمامات جيدة وملابس طويلة الأكمام وأحذية مغلقة، ترطيب الركام بالماء قبل تحريكه لتقليل تطاير الغبار، إبعاد الأطفال عن أماكن الركام كونهم أكثر عرضة لتأثير الملوثات، وغسل اليدين والملابس بعد التعامل مع الأنقاض، ويفضل تغيير الملابس والاستحمام بعد العمل في إزالة الركام.

يتقاطع قول المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، مع سابقه، في التأكيد على أن الخطر الصحي المرتبط بالركام ليس آنياً فقط، بل "خطر صامت طويل الأمد"، موضحًا أن تدمير أكثر من 85% من البنية التحتية خلّف ركامًا يحتوي على مواد بناء قديمة، من بينها ألواح الأسبستوس التي تتحول عند تكسيرها إلى ألياف دقيقة تبقى عالقة في الهواء لفترات طويلة.
ويشير مهنا إلى أن هذه الألياف، عند استنشاقها، تستقر في الرئتين، وقد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات، مسببة أمراضًا خطيرة مثل سرطان الرئة وتليف الرئة وورم المتوسطة، في وقت تحذّر فيه تقارير دولية من أن التعرض للأسبستوس يقف وراء عشرات آلاف الوفيات سنويًا.
ويضيف مهنا أن المخيمات الفلسطينية مرشحة لأن تكون الأكثر عرضة لهذا الخطر، نظرًا لاعتمادها منذ خمسينيات القرن الماضي على ألواح الأسبستوس منخفضة التكلفة في تسقيف المنازل، ما يعني تعرض السكان لهذه المادة لفترات طويلة. ومع تدمير هذه الأسقف خلال الحرب، أُطلقت كميات كبيرة من الألياف السامة في بيئة مكتظة أصلًا، ما يجعل المخيمات "بؤرًا محتملة لمخاطر صحية أكبر".
ولا يقتصر القلق، بحسب مهنا، على الأسبستوس وحده، بل يمتد إلى مجمل الملوثات الناتجة عن القصف، بما في ذلك الغبار والمواد الكيميائية وتلوث المياه والتربة، إضافة إلى غياب الفحوصات المبكرة والرعاية الصحية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان على المدى المتوسط والبعيد.
وفيما يتعلق بسبل المواجهة، يؤكد أن التعامل مع هذا الخطر يتطلب تدخلًا عاجلًا ومنظمًا، يشمل إدارة آمنة للركام عبر تجنب إزالته عشوائيًا وترطيبه بالمياه للحد من تطاير الألياف، وتوفير معدات حماية شخصية للعاملين مثل الكمامات المتخصصة، إلى جانب عزل المناطق الملوثة مؤقتًا، وإطلاق حملات توعية مجتمعية، مع ضرورة إشراف دولي وتقني على عمليات إزالة الركام.
ويؤكد مهنا على أن هذه الإجراءات تبقى محدودة دون تدخل أوسع، داعيًا إلى الضغط لفتح المعابر بشكل كامل لإدخال المعدات المتخصصة والمستلزمات الطبية، وإطلاق برنامج وطني للرصد الصحي لمتابعة الأمراض التنفسية والسرطانية، وإدراج ملف الأسبستوس ضمن أولويات إعادة الإعمار، محذرًا من أن تجاهل هذا الملف قد يفضي إلى «كارثة صحية مستقبلية».

وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية أنها ما تزال حتى إعداد هذا التحقيق في مارس 2026 أي بعد مرور 5 شهور على إعلان وقف الحرب في أكتوبر الماضي 2025، تعتزم إطلاق حملات توعية وطنية حول مخاطر الأسبستوس، وتدريب فرق إزالة الركام على التعامل الآمن مع المواد الخطرة، بالتنسيق مع البلديات والدفاع المدني.
وفي واقع الحال، تقدر منظمات أممية حجم الركام بزنة 50 مليون طن، وقد يستغرق إزالته نحو 21 عاماً بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار. وهذا يعني أن الخطر الصحي سيظل جاثماً فوق أنقاض المباني، وبين المساكن المهدمة جزئيًا.
تشير دراسة لأستاذ الأورام مؤيد كتانة إلى أن الأسبستوس مادة سامة تُلحق الضرر بالإنسان عند استنشاق أليافها أو ابتلاعها لفترات طويلة. ويوضح أن مخاطر هذا المعدن لم تكن معروفة جيدًا حتى وقت قريب، رغم استمرار استخدامه في عدة دول، فيما ثبتت علاقته بالسرطان منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تراجع استخدامه في الولايات المتحدة.
ولا تزال هذه المادة موجودة في العديد من المباني، حتى الحديثة نسبيًا، كما يزداد خطرها عند تكسرها أو تآكلها، حيث يمكن أن تنتقل أليافها إلى الهواء والتربة والمياه. ويؤكد كتانة أن الأسبستوس لا يصبح خطيرًا إلا عند تحريكه، إذ تطلق أليافًا مجهرية يمكن أن تدخل الجهاز التنفسي والهضمي.
وبمجرد دخول هذه الألياف إلى الجسم، تلتصق بالأنسجة، خصوصًا الغشاء المحيط بالأعضاء، ما يؤدي إلى تهيّج وتندّب قد يتطور إلى سرطان يُعرف بالورم المتوسط. كما يُشتبه في ارتباطه بسرطانات أخرى، منها الحنجرة والمعدة والقولون والمستقيم، رغم أن العلاقة بها أقل وضوحًا.
ويحذر كتانة من أن آثار التعرض لا تظهر فورًا، إذ قد تمتد فترة الكمون بين 10 و60 عامًا، مؤكدًا أنه لا يوجد علاج فعّال بعد التعرض المباشر، ما يجعل الوقاية وتقليل التعرض السبيل الوحيد للحد من مخاطره. ويضيف أنه في حال ظهور أعراض مرتبطة بالورم المتوسط، قد يكون من الممكن اللجوء إلى إجراء قانوني في بعض الحالات، خاصة لمن تعرضوا لفترات طويلة في بيئات عمل ملوثة.

من جانبه، حذر الطبيب أحمد الربيعي، أخصائي الأمراض الصدرية، من خطورة التعامل غير الآمن مع ركام المنازل، مشدداً على ضرورة تجنب الحفر وإزالة الردم إلا بواسطة مختصين، مع ارتداء الكمامات للحد من التعرض لهذه المادة.
وقال الربيعي إن الأسبستوس ينتقل عن طريق الهواء المحمل بأليافه الناتجة عن هدم المباني القديمة والمخيمات، مضيفًا: "يجب تجنب الحفر وتكسير ألواح الأسبستوس لأن ذلك سيزيد من تطاير هذه الألياف واستنشاقها".
وأوضح أن الأسبستوس يؤدي إلى التهاب مزمن في الرئة، وتليف رئوي، وأورام الرئة، إلا أن هذه الأعراض قد لا تظهر إلا بعد عشرات السنين، محذراً: "للأسف لا يوجد علاج للمرضى".
ودعا الطبيب الربيعي إلى إبعاد السكان عن المناطق الملوثة، خاصة أثناء عمليات إزالة الركام.
يحث قرار جمعية الصحة العالمية 58-22 المتعلق بالوقاية من السرطان الدول الأعضاء على إيلاء اهتمام خاص لأنواع السرطان التي يُعد التعرّض الذي يمكن تجنبه عاملا من عوامل الإصابة بها، بما في ذلك التعرض للمواد الكيميائية في أماكن العمل.
وطلبت جمعية الصحة العالمية، في قرارها 60-26، من منظمة الصحة العالمية الاضطلاع بحملة عالمية للتخلص من الأمراض ذات الصلة بالأسبستوس، مع عدم التغاضي عن انتهاج أسلوب مختلف حيال تنظيم مختلف أشكاله تماشيا مع الصكوك القانونية الدولية ذات الصلة وأحدث البيانات الخاصة بهذا الشأن.
ولابد من السعي، بشكل خاص، إلى التخلص من الأمراض ذات الصلة بالأسبستوس في البلدان التي لا تزال تستخدم الكريسوتيل، فضلا عن تقديم المساعدة اللازمة فيما يخص أشكال التعرض الناجمة عن استخدام جميع أشكال الأسبستوس في الماضي، وفقا للمنظمة.

وعلى رغم أنه تعذر علينا إجراء مقابلة مع منظمة الصحة العالمية حتى تاريخه، إذ لم تقدم ردودًا على أسئلة مراسلة "آخر قصة" حول الوضع الراهن، فإن تقارير سابقة صادرة عن المنظمة وعن الأمم المتحدة تحمل تحذيرات صريحة من خطورة الوضع الصحي في غزة.
ففي تقرير صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في فبراير 2025، والذي استند إلى تحليل المنظمة للوضع الصحي، ورد أن أكثر من 42 مليون طن من الركام الناتج عن الحرب "يحتوي على بقايا بشرية وذخائر غير منفجرة وأسبستوس ومواد خطرة أخرى ستشكل تهديدات إضافية مع بدء جهود التعافي".
وكانت المنظمة قد حذرت سابقًا، وفق وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، من أن جميع أنواع الأسبستوس، وخاصة النوع الأبيض المستخدم في أسطح منازل غزة منذ عقود، يمكن أن تسبب أمراض الرئة والسرطان وأمراضًا خطيرة أخرى بعد سنوات من التعرض.
وفي السياق نفسه، حذّر الدكتور محمود ظاهر وهو مسؤول سابق في منظمة الصحة العالمية في غزة من أن "الأسبستوس يطلق جزيئات في الهواء، وقد تنتج عن ذلك أمراض رئوية مزمنة في الجهاز التنفسي".
أما الدراسات الأكاديمية الدولية، فترى أن استمرار وجود الركام الملوث يزيد من الضرر على الهواء والمياه وصحة سكان القطاع الذين تجاوز عددهم مليوني نسمة.
وتتعاون منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية وسائر المنظمات الحكومية الدولية وتنظيمات المجتمع المدني مع البلدان من أجل التخلص من الأمراض ذات الصلة بالأسبستوس في إطار توجهات محددة.
ووفقا للاستراتيجية المتبعة من قبل المنظمة، يجب التسليم بأن أنجع طريقة للتخلص من الأمراض ذات الصلة بالأسبستوس هي التوقف عن استعمال تلك المادة بجميع أشكالها، مع ضرورة توفير معلومات عن الحلول الرامية إلى الاستعاضة عن مادة الأسبستوس ببدائل أكثر مأمونية، ووضع آليات اقتصادية وتكنولوجية تحث على الاستعاضة عنها، مع اتخاذ تدابير للحيلولة دون التعرض للأسبستوس في الموقع وأثناء إزالته (خفض التلوث).
وتدعو المنظمة أيضا إلى تحسين تشخيص الأمراض ذات الصلة بالأسبستوس في المراحل المبكرة وعلاجها وتأهيل المصابين بها اجتماعيا وطبيا، وإعداد سجلات بأسماء الأشخاص الذين تعرضوا للأسبستوس في الماضي و/أو الذين يتعرضون لها في الوقت الحاضر.