تُظهر الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة اليوم مدى هشاشة نموذج التنمية الذي بُني تحت الاحتلال والحصار، وكيف أن تراكمات أكثر من عقدين من النمو والتطوير يمكن أن تمحى خلال أشهر قليلة. إن خسارة غزة 22 عامًا من التنمية ليست مجرد أرقام، بل انعكاس لفشل اقتصاد لم يُصمَّم ليكون مستقلًا أو مستدامًا، يعتمد على الدعم الخارجي وعلى استقرار سياسي محدود جدًا.
الأرقام تتحدث عن نفسها: الناتج المحلي الإجمالي عاد إلى مستويات عام 2010، ونصيب الفرد إلى ما كان عليه عام 2003، أما نسبة البطالة تجاوزت 80% وهو رقم غير مسبوق، فيما تضررت 90% من المشاريع الصغيرة في القطاع؛ ما يُشير لانهيارٍ كامل.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم الأبعاد الحقيقية للأزمة. الخسارة الاقتصادية تعني فقدان مسارات حياة كاملة، تدمير مشاريع استثمارية نمت على مدى سنوات، وحرمان آلاف الأسر من استقلالها المالي. إن تحليل واقع غزة يوضح أن التنمية كانت جزئية وهشة، تعتمد على دعم مؤقت، ونموذج اقتصادي غير قادر على الصمود أمام صدمات الحرب.
والتداعيات لا تقتصر على المال فقط، بل تمتد لتشمل فقدان رأس المال البشري، ومصادر العمل، والخدمات الأساسية، وفرص التعليم، والاستقرار النفسي والاجتماعي.
يطرح هذا الواقع أسئلة جوهرية: كيف يمكن لأي نموذج تنموي تحت الحصار أن يكون مستدامًا؟ وما هي التحديات التي تواجه إعادة البناء؟ وما الذي يلزم لضمان ألا تتحول سنوات التنمية المستقبلية إلى وهم آخر؟
كانت جيهان سعد قد افتتحت متجرًا الكترونيًا لصناعة الشوكولاتة في غزة عام 2020. وبعد عامين، خطت خطوة تطويرية باستئجار مقرّ خاص وتجهيزه بمعدات التصنيع وكل المستلزمات اللازمة، لتواصل العمل حتى كبر اسمها بين رياديات الأعمال، في تجربة مثّلت لها استقلالًا اقتصاديًا نادرًا في بيئة محاصَرة.
تقول: "دُمر مشروع حياتي الذي وضعت فيه كل ما أملك. كنت أنفق كل مردود مالي على تطويره. كان لدي ثمانية عمال، يرتفع عددهم في المواسم إلى نحو خمسة عشر. ثم جاءت الحرب، فاحترق مقر المشروع بكل المعدات التي استوردتها من الخارج. لاحقًا استُهدف بيتي، وقُتل ابني، ونجونا نحن بأعجوبة".
استثمرت سعد في المشروع أكثر من 90 ألف دولار أمريكي، وكان المشروع بالنسبة لها أكثر من مجرد عمل تجاري؛ فقد مثّل شبكة أمان لها وللعاملين معها.
تضيف وهي تمسك بقطعة شوكولاتة من صُنع يديها: "عملت خلال الحرب بما توفر من مواد خام، لا من أجل المال فقط، بل من أجل صحتي النفسية. كنت أعمل لأخرج من حزني على فريقي الذي فقدت كثيرين منه في الحرب، وعلى ابني الذي فقدته. واليوم أعمل بالإمكانات المتاحة رغم غلاء المواد الخام".
في شمال قطاع غزة، كان رجل الأعمال عمر البلبيسي يدير محلًا لكماليات السيارات يزيد عمره عن عشر سنوات. على مدار تلك السنوات، عمل على ترسيخ اسم محله بين أبرز المحال في القطاع، يسافر باستمرار لاختيار أجود البضائع وجلبها إلى غزة. ثم جاء النزاع، ليضع حدًا لمسار اقتصادي كان يُفترض أن يتوسع لا أن يُمحى، وتنهي مشروع العمر الذي كان يأمل أن يورثه لطفليه.
تقول زوجته، إيناس زقول: "فقدت زوجي وخسرنا مصدر رزقنا. لم تكن الخسارة في المتجر فقط، بل في استقرارنا بالكامل. أكثر من 90 ألف دولار هي تكلفة محل اجتهدنا لزرع اسمه في السوق. لكن كل ذلك اختفي وأصبحنا اليوم أنا وأولادي بلا معيل، بلا مال، ونعيش دون أفق واضح".
أما سامح المدهون فيُقلِّب صور هاتفه ببطء، متوقفًا عند صورة مكتبته التي شيَّدها بيده. بناها درجةً درجة، عامًا بعد عام، حتى غدت ثمرة خمسة عشر عامًا من العمل المتواصل. قبل عام واحد من اندلاع الحرب، قرر أن يتوج هذا المسار باسمٍ أكبر: مكتبة "الجوهرة" بحلّة أوسع، وأقسام أكثر تنوعًا.
لكن في ذروة النجاح، وقبل أن يطفئ الشمعة الأولى لمقرّه الجديد، اندّلعت الحرب. لم تمضِ أشهر حتى تلاشت معالم المكتبة بالكامل، فيما وجد صاحبها نفسه نازحًا قسرًا إلى جنوب غزة، تاركًا خلفه مكتبته وشقاء العمر في شمالها.
يستعيد المدهون تلك المرحلة بمرارة: "كنت أسافر خصيصًا لاختيار البضائع من الخارج وشحنها إلى غزة. عند بدء الحرب كانت المكتبة ممتلئة بالقرطاسية والمستلزمات، ولدي مخزن يحوي كميات كبيرة. افتتحتها مجددًا بعد أربعة أشهر من الحرب لكنها دُمرت لاحقًا، لتغلق مرة أخرى، هذه المرة بلا أمل في إعادة الفتح".
يشير في إحدى الصور إلى ركام لم يعد يُعرَف من المكتبة فيه سوى بقايا باب، ويقول: "كانت قيمة البضائع نحو عشرات آلاف الدولارات. لم أستطع إخراج أي شيء من المكتبة أو المخزن، فوصلت خسارتي إلى أكثر من 100 ألف دولار. هكذا فقدت مصدر رزقي الوحيد، وكل ما ادخرته خلال خمسة عشر عامًا".
لم تقتصر التداعيات الاقتصادية للحرب على أصحاب المشاريع الخاصة، بل طالت أيضًا الموظفين في القطاع الخاص، الذين فقدوا ليس فقط وظائفهم، بل مسارهم الاقتصادي بالكامل. هبة سحويل، كانت تعمل صحافية في إحدى المؤسسات الخاصة، لكن مع اندلاع الحرب فقدت عملها ومصدر دخلها الأساسي، لتجد نفسها بلا أي أمان وظيفي، حتى وإن كان مؤقتًا.
تقول بصوتٍ يغلفه الأسى: "أثر الوضع الاقتصادي السيئ على صحتي النفسية. خسارة عملي كانت قاسية جدًا، والعائق الأكبر هو عدم وجود بديل يمنحني دخلًا ثابتًا".
وفقًا لتقديرات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، تُعَد الأزمة الحالية من أسوأ عشر أزمات اقتصادية عالمية منذ عام 1960، حيث مُحي ما يقارب 22 عامًا من التنمية الاقتصادية.
يجيب الأكاديمي والمختص الاقتصادي سمير أبو مدللة: "تقنيًا، هذا يعني أن مستويات الناتج المحلي الإجمالي، ومستوى المعيشة، والخدمات الأساسية، واستثمار رأس المال البشري، باتت أدنى مما كانت عليه قبل 22 عامًا. أي أننا لا نتحدث عن توقف للنمو، بل عن ارتداد اقتصادي واسع".
ويضيف أبو مدللة: "التنمية كانت تعتمد على الدعم الخارجي ولم تُبنَ على اقتصاد إنتاجي مستقل. كانت تنمية بلا سيادة، ولذلك لم تصمد".
مدير الغرفة التجارية في غزة، عائد أبو رمضان، يشير إلى أنّ جهود الغرف التجارية توحدت خلال الحرب ضمن لجنة طوارئ لمساعدة الأعضاء داخل غزة وخارجها، عبر توفير الوثائق اللازمة، وتنفيذ بعض المبادرات الإغاثية لمن استمروا بالنشاط الاقتصادي".
ويضيف: "لدى الغرفة قاعدة بيانات رقمية للمنشآت المتضررة، تعتمد حاليًا على خرائط جوية معالجة رقميًا، على أن تُستكمل لاحقًا ببيانات ميدانية تجمعها طواقم الغرفة من مختلف المنشآت الاقتصادية. كما نخطط لبدء مشروع حصر أضرار المنشآت الاقتصادية، يبدأ بمسح تجريبي ثم يتوسع ليشمل الجميع".
وفيما يخص التشبيك الدولي، يقول أبو رمضان: "الغرفة على تواصل دائم مع المؤسسات الدولية، وقد تلقت وعودًا من بعض الجهات بتقديم الدعم المالي للنهوض مجددًا ببعض القطاعات، عبر منح للمشاريع الصغيرة، وقروض ميسّرة لتطوير الأعمال".
غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تفتح سؤالًا أوسع: هل يجري التخطيط لتعافٍ يعيد إنتاج الهشاشة ذاتها، أم لتنمية مختلفة تُبنى على السيادة والقدرة على الصمود؟