داخل خيمة قوامها البلاستيك المقوى والأخشاب بلا أوتاد وبباب واحد، مقامة غرب مدينة غزة، جلست الطفلة شمس (اسم مستعار) فوق تلة من الأغطية لتنظر عبر النافذة إلى ساحة مخيم الإيواء الذي تقطنه. تبتعد عن أشعة الشمس التي تغمر ساحة المخيم، وتراقب من بعيد أطفالاً يلعبون كرة على أرضية ترابية رطبة، لكنها لم تنضم إليهم.
خلال زيارتنا للمخيم في أواخر فبراير الماضي، تابعناها لأكثر من نصف ساعة، لم ترفع رأسها إلا مرات قليلة، عندما كانت أمها تناديها لتناول جرعة من الدواء. وجهها، الذي أحرقته غارة إسرائيلية في نوفمبر 2023، لا يزال يحمل ندوباً من الدرجة الثانية. لم تمحها المراهم، ولم تمحِ معها خوفها من أن يراه الآخرون.
الأم، التي تجلس بصعوبة على فراش منخفض بعد أن ظلت طريحة الفراش لأكثر من عام بسبب إصابتها، قالت لـ"آخر قصة": "في ذروة إصابتي، لم يكن بالإمكان تعويض شمس عن حنان الأب الذي فقدته". ثم أضافت، بصوت تخنقه مرارة العاجز: "ألحظ مؤخراً عزلتها عن أقرانها. تتهرب من اللعب، وتقول لي إن الأطفال يسخرون من وجهها".

شمس ليست حالة فردية. خلال خمسة أسابيع من العمل الميداني في ثلاث مخيمات للنازحين (غرب مدينة غزة، المواصي جنوباً، ودير البلح وسط القطاع)، التقينا بـ 27 طفلاً وطفلة يعانون من إصابات واضحة، تباينت بين بتر، حروق في الوجه واليدين، ندوب عميقة، أو فقدان للشعر نتيجة الصدمات. 19 منهم أكدوا بشكل مباشر أو من خلال أمهاتهم أنهم تعرضوا للسخرية أو الإقصاء من قبل أقرانهم، فيما أشار 12 منهم إلى أنهم باتوا يفضلون البقاء في الخيمة أو الغرفة بمفردهم. وهذا يعني أن أكثر من 44% من هؤلاء أصبحوا عرضة للعزلة.
لكن عندما قمنا بتحليل الأرقام الرسمية، تبين أن هؤلاء الأطفال ليسوا سوى غيض من فيض. فوفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في فبراير 2026، بلغ عدد الأطفال الجرحى في قطاع غزة 44,500 طفل منذ السابع من أكتوبر 2023. وعندما حللنا تقرير منظمة الصحة العالمية (WHO) الصادر في أكتوبر 2025، تبين أن 42,000 إصابة "تغير حياة" (إصابات خطيرة تؤدي إلى إعاقات دائمة) تم توثيقها، مع تقدير أن ربعهم من الأطفال، أي نحو 10,500 طفل يعانون من بتر الأطراف، أو حروق كبرى، أو إصابات في النخاع الشوكي، أو تشوهات في الوجه والعينين.
التقرير نفسه، الذي قمنا بمراجعته بالكامل، يشير صراحة إلى أن إصابات الوجه والعينين المعقدة تؤدي غالباً إلى "تشوه، إعاقة، ووصم اجتماعي". هذا الوصم هو الذي لمسناه في عيون الأطفال الذين التقيناهم، وفي حكايات الأمهات اللواتي تحدثن عن أطفالهن وكأنهن يروين قصة اختفاء تدريجي من الوسط المحيط.
في زيارة إلى رياض الأطفال في شمال القطاع
عندما دخلنا إلى إحدى رياض الأطفال التي تحول جزء منها إلى مأوى للنازحين، التقينا بالمعلمة علياء سعدي. قالت لـ"آخر قصة"، وهي تشير إلى كرسي فارغ في زاوية الغرفة التي تغطى نوافذها بالنيلون: "هذا الكرسي كان لطفل فقد ساقه، كان عرضة للتنمر داخل الفصل. بعد نحو أسبوع من الانخراط في الروضة، تغيب وقطعت أسرته الاتصال، رغم أنها كانت قد دفعت الرسوم المستحقة سلفاً".
سألناها: كيف كانوا يتنمرون عليه؟ أجابت: "كانوا ينعتونه بـ'أبو أيد' كناية عن فقدانه لساقه". وقالت: "رغم محاولاتي الحثيثة لثنيهم عن ذلك، إلا أن التنمر كان يعاود الظهور بين الصغار في أوقات الفسحة بين الحصص".

ما قالته المعلمة يظهر بشكل جلي أن الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل انعكاس للوعي المجتمعي تجاه الأشخاص من ذوي الإعاقة. مع العلم أن الوعي هنا، في ظل غياب أي توعية أو برامج دمج رسمية فاعلة، قد يتحول إلى أداة إقصاء.
شهد: مرآة وحيدة في مواجهة الصدمة
المشهد نفسه تكرر مع شهد (اسم مستعار)، الفتاة التي فقدت شعرها بالكامل جراء صدمة القصف الذي تعرض له المبنى الذي تقيم فيه مع أسرتها. عندما زرنا منزل جدتها في دير البلح، كانت شهد تجلس أمام مرآة صغيرة مثبتة على جدار مطلي باللون الأبيض.
قالت الجدة لـ"آخر قصة": "إن شهد لا تبرح المرآة يومياً، تستمر في النظر إلى وجهها، طمعاً في تلمس أي تحسن قد يطرأ على حالتها واستعادة منابت الشعر". ثم أضافت الجدة المتقاعدة التي عملت في سلك التعليم، بصوت مليء بالحسرة: "للأسف، ترفض حفيدتي الاختلاط بأقرانها في الحارة، وتفضل البقاء منفردة، وفي كثير من الأحيان تنسحب إلى الغرفة وتمكث بالساعات وحيدة".
من خلال توضيح الجدة تبين أن الأطفال يبتعدون عن حفيدتها لأنهم "يجهلون أن إصابتها ليست معدية". وقالت: "من الصعوبة بمكان أن تشرح لطفل أن هذا سلوك مهين ما لم يكن هناك توعية من داخل الأسرة تثنيه عن السخرية والتهكم على الآخرين أو الابتعاد عنهم لأجل هيئاتهم أو نتيجة إصاباتهم".
أرقام الصحة النفسية: اكتشاف صادم
في غرفة صغيرة بمركز إيواء في المواصي غرب محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، التقينا بأم لطفلين فقد أحدهما يده اليمنى. قالت لـ"آخر قصة": "ابني لا ينام، كل ليلة يستيقظ مصاباً بكوابيس ويقول لي إنه يريد أن يموت".
هذه العبارة، التي سمعناها من أكثر من أسرة خلال تجوالنا، دفعَتنا للبحث في أحدث الدراسات حول الصحة النفسية للأطفال في غزة. عندما قمنا بتحليل دراسة أجرتها منظمة "War Child Alliance" ومركز "CTCCM" في يونيو 2025، والتي شملت 504 أسر، تبين أن 49% من الأطفال أعربوا عن أفكار انتحارية نتيجة الصدمات المستمرة، فيما قال 96% منهم إنهم يعتقدون أن موتهم وشيك.

حين ربطنا الأرقام الآنفة بتقرير برنامج غزة للصحة النفسية (GCMHP) الصادر في أكتوبر 2025، تبين أن الأطفال ذوي الإعاقات "هم الأكثر عرضة للخطر"، وأن حياتهم تحولت إلى "كوابيس تتسم بالشعور الدائم بالموت الوشيك".
المرشدة التربوية رويدة كامل، التي حاورناها ساعة كاملة في منزلها بمدينة غزة، قالت لـ"آخر قصة": "أكثر من يعانون التنمر هم فئة ذوي الإعاقة والأشخاص الذين يعانون تشوهات كالصلع أو البهاق أو الحروق البالغة". وأضافت، بصراحة مريرة: "أغلب من يتعرضون للتنمر لا يلجؤون إليّ، لأنهم باختصار لا يثقون بالناس ولا يثقون حتى بأنفسهم".
وحول عواقب التنمر، أوضحت كامل: "يؤدي إلى تراجع المستوى العلمي، وقد يصل إلى الفشل في إكمال التعليم. أما خارج إطار الحاضنة التعليمية، فقد يؤدي إلى اضطراب السلوك أو الانعزال". وأشارت إلى نتيجة أخطر قائلةً: "عندما يتعرض شخص ذو إعاقة للتنمر، قد يردُ بالمثل، مما يؤدي إلى اكتساب التنمر كصفة ملازمة له، معتبراً إياها دفاعاً عن النفس".
مؤسسات الحماية: انهيار متعدد الطبقات
عندما حاولنا تتبع آليات الحماية المتاحة لهؤلاء الأطفال، قمنا بزيارة دوائر حكومية ووجدنا أن معظمها إما أغلق أبوابه أو يعمل بطاقة شبه منعدمة. ومع ذلك التقينا بأحد مسؤولي دائرة الرعاية في وزارة التنمية الاجتماعية، الذي فضل عدم الإفصاح عن هويته خوفاً على سلامته. قال لـ"آخر قصة" في لقاء استمر قرابة الساعة: "المشكلة متجذرة في المجتمع، لكن إعطاء مساحة للتوعية والتثقيف في ظل ازدياد أعداد الأشخاص من ذوي الإعاقة أو الذين يعانون من تشوهات طارئة، أمر يستحيل تنفيذه في الوقت الراهن، الذي يستهدف فيه الجيش الإسرائيلي كافة مفاصل العمل الحكومي بما فيها المدنية".
وفي مطلع رده على سؤال: ما الذي يعيق تنفيذ أي أنشطة نفسية أو تربوية حالياً؟ أجاب: "ليس بالإمكان تحقيق نتائج فعلية لأية أنشطة نتيجة الملاحقة، وبخاصة أن ظاهرة التنمر تحتاج إلى تكاثف مجتمعي ومؤسساتي لتشكيل حاضنة للأطفال، وأي جهد سيبذل بدون خطة شاملة سيكون بلا قيمة".
المسؤول الحكومي يرسم صورة أكثر قتامة مما تبدو عليه، فإلى جانب انهيار المؤسسات الحكومية بسبب الاستهداف، هناك انهيار في البنية التحتية للرعاية بشكل عام.

تقرير منظمة الصحة العالمية الذي راجعناه يوثق أن غزة كان فيها سابقاً أكثر من 1,300 أخصائي علاج طبيعي و400 معالج مهني. أما الآن، فلا يتوفر سوى ثمانية فنيين فقط متخصصين في الأطراف الاصطناعية، لتغطية آلاف حالات البتر والإعاقات.
المسؤول الحكومي أضاف: "في السابق كان هناك مرشد تربوي في كل مدرسة، وكان بإمكانه مساعدة الأطفال على تجاوز الأزمة النفسية الناتجة عن التنمر. لكن مع انقطاع الأطفال عن التعليم لمدة عامين، حال دون أن يكون هناك دور فاعل للمرشدين التربويين".
هذا الكشف، الذي تأكدنا منه من خلال مقابلات مع أربعة مرشدين سابقين، يعني أن خط الدفاع الأول الذي كان يمكن أن يحمي طفلاً مثل شمس أو شهد قد اختفى تماماً.
غياب الحماية القانونية
تشخيص قانون الطفل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2004، يظهر أن المادة الثالثة منه تنص على أن "يتمتع كل طفل بكافة الحقوق الواردة في هذا القانون دون تمييز بسبب... إعاقته". لكن عندما التقينا بالمحامي زياد الجوراني، قال لـ"آخر قصة": "لم يرد في القانون أيّة حماية قانونية لمفهوم التنمر، ولم يسبق أن طرحت قضايا في المحكمة حول إدانة متهم بسلوك مادي للجريمة سواء كان اعتداءً جسدياً أو لفظياً بسبب التنمر، فالمصطلح متداول دولياً وليس محلياً".
هذا يعني، في التحليل النهائي، أن الطفل المعاق أو المشوه في غزة لا يحميه نظام صحي بسبب انهياره، ولا نظام تعليمي نتيجة تدميره، ولا نظام قانوني بسبب عدم اعترافه بالمشكلة أصلاً، ولا حتى المجتمع الذي ينشغل الآن بتأمين لقمة العيش أو الحصول على مساعدة عينية أو نقدية للبقاء على قيد الحياة.
بين الندبة الجسدية والندبة النفسية
بالعودة إلى "شمس" التي التقيناها مرة أخيرة قبل مغادرتنا مخيم الإيواء غرب غزة، كانت لا تزال تعزل وجهها عبر النافذة وتعطينا ظهرها. حاولنا الاقتراب منها، لكنها أدارت وجهها. أمها نظرت إلينا بصمت، ثم همست: "كانت تحب الرسم، الآن لا ترسم. تقول إنها لا تحب شكل وجهها الذي احترق".
المرشدة رويدة كامل كانت قد نصحت خلال مقابلتها: "يجب إشراك الأطفال ذوي الإعاقة في الحياة اليومية، لتعزيز احترام الذات". لكن عندما نظرنا حولنا داخل خيمة شمس، رأينا أماً لا تستطيع المشي، وأباً مفقوداً، ومدرسة لا وجود لها، ومرشداً تربوياً غائباً، وقانوناً لا يعترف بالمشكلة أصلاً.
الأكثر إيلاماً، مما رأيناه خلال خمسة أسابيع من إعداد هذه القصة الاستقصائية، أن هؤلاء الأطفال يعانون في صمت تام، في ظل غياب الحاضنة الأسرية والتربوية والاجتماعية، ما يعني أن التنمر مع الوقت سيأخذ مساراً نفسياً أكثر إيلاماً من ندوب الحرب الجسدية نفسها.