تستيقظ أمل نصر على ألمٍ يسبق وعيها الكامل باليوم، كأن جسدها يترجم ضغطًا نفسيًا متراكمًا قبل أن تلتقطه الذاكرة. تفتح عينيها ببطء لكنها تبقى في مكانها، تمسك وجهها كأنها تحاول مقاومة الألم. فكها العلوي يضغط على السفلي بصريرٍ خافت يمتد إلى الرأس، فيتحول إلى صداع حادّ يطرق جبهتها، فيما ترتجف اليدان ويتقطع التنفس حتى يقترب من اختناق مفاجئ.

يبدو جسدها في تلك اللحظة كمنظومة منهكة تعمل ضد نفسها، عضلات مشدودة، عظام مثقلة، وإرهاق لا يغادر حتى بعد النوم، فيما تتبدل حرارة العيون بين السخونة المفاجئة وبرودة تمتد داخل العظام كأنها موجات تتحرك تحت الجلد.

تقول نصر وهي تمسك جبينها: "عانيت شهور طويلة من ألم بالفك العلوي، كان يضرب في رأسي مسببًا ألم شديد، أستيقظ من النوم مرهقة وكأني لم أنم لأكثر من ست ساعات، وفي ليالي أخرى يصيبني الأرق، ذهبت لطبيب عام وبعد عدة فحوصات أخبرني أن لا سبب عضوي لآلامي المبرحة، فربما يكون الأمر مجرد ضغط نفسي".

تتراكم الأخبار الثقيلة على رأس نصر خلال الحرب التي امتدت لأكثر عامين (2023-2025)، ومع كل خبر جديد يشتد التوتر داخل جسدها، فلا يعود الألم مجرد عرض عابر، انما يتحول إلى نمط حياة: أرق، أو نوم مفرط، صداع متكرر، آلام عضلية، وثقل دائم لا تجد له تفسيرًا واضحًا في الفحوصات الطبية.

يشير مختصون إلى أنّه مع مرور الوقت يبهت الخط الفاصل بين النفس والجسد، فالعقل والجسد يتحركان ضمن منظومة واحدة، وعندما لا يجد الضغط النفسي منفذًا، يبدأ في اتخاذ شكلٍ آخر؛ لذلك تتحول المشاعر غير المُعالجة إلى تغيّرات فيزيولوجية، وإشارات عصبية مضطربة، تتجسد في صورة ألم محسوس، كأن الجسد يتكلم حين تعجز اللغة.

يعيش سكان قطاع غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية عام 2023 حالة ضغط متواصل تتداخل فيها الحرب، الفقد، النزوح، وتراكم الخسارات اليومية، في وضع صحي نفسي شديد التدهور يضع الجسد في حالة إنذار دائم لا يهدأ. 

وتُظهِر دراسات حديثة إلى أن نحو 67% من النازحين في غزة أظهروا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة خلال 2024، فيما بلغت معدلات القلق والاكتئاب مستويات شديدة لدى ما بين 65% و84% من المشاركين في عينات بحثية، مع تسجيل ارتفاع في مؤشرات الإجهاد النفسي العام من نحو 19% قبل الحرب إلى أكثر من 67% بحلول 2025.

عبد الله علي يعيش داخل هذه الحالة منذ نجاته من تحت الرصاص في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، واحتجازه لساعات على يد قوات الجيش الإسرائيلي قبل نحو عامين. تلك اللحظة لم تبقَ في الماضي؛ عادت لتستقر في الليل على هيئة كوابيس، تكرر المشهد ذاته كلما أغمض عينيه. ومع الوقت صار يهرب من النوم نفسه، يقلل ساعاته لتفادي ما ينتظره داخله.

الجسد بدوره بدأ يترجم التجربة، فمع كل توتر يظهر صداع نابض، أرق متواصل، وآلام في العظام. أُبلغت الحالة من قبل بعض الصيادلة بأن هذه الأعراض قد ترتبط بنقصٍ محتمل في الفيتامينات الأساسية في الجسم، وهو ما دفعه لشراء مكملات غذائية تكفي لشهرين، لكنه لم يلمس أي تحسن، فتوقف عن تناولها بعدما أصبحت كلفتها عبئًا إضافيًا عليه.

يقول علي بعينين حمراوين تحتهما هالات داكنة: "مشكلتي أنني عاطفي جدًا، وكثير التفكير، أقلق بشدة على كل شيء، وما يخيفني عودة الحرب وفكرة الفقد نفسها قاسية، والإصابة وتحديدًا أن أفقد جزء من جسدي، فلا أتوقف عن نسج السيناريوهات الصعبة، وذلك انعكس على جسدي".

على نحوٍ مشابه، تقف فاطمة عبود على باب خيمتها تودع أطفالها في طريقهم إلى المدرسة، لكن جسدها لا يسمح لها بالوقوف طويلًا، إذ تعاني من نوبات دوخة متكررة، مغص دائم، آلام في المعدة والقولون، ويرافقها شدّ عضلي في معظم الأيام. أجرت عدة فحوصات لكن لم يظهر سبب عضوي واضح، فنصحها طبيب الباطنة بمراجعة مختص في الصحة النفسية إلى جانب المتابعة الطبية.

تقول وهي تضع يدها معدتها: "منذ أعوام وأنا أعاني من التوتر، لكن لم يخطر في بالي أن آلام القولون الشديدة سببها ألم نفسي، ومنذ بدء الحرب زادت الآلام لدي، وكلما تأثرت نفسيًا بحدث عابر أزعجني، يبدو ذلك على ملامحي على هيئة إرهاق وارتجاف في اليد، وكلما تعصبت على أطفالي يرتجف جسدي كله ويختفي صوتي".

بعد فقد زوجها أصبحت فاطمة المعيل الوحيد لأطفالها الأربعة. فأصبحت تعاني من التفكير المفرط حتى أنّه لا يفارقها حتى أثناء النوم. تستيقظ منهكة كأنها لم تنم، الخوف يرافقها داخل الخيمة، والحزن على ما فقدت من زوجٍ وبيت وحياة وأقارب، والنزوح المتكرر، كلها أسباب أبقت جسدها في حالة ترقب دائم، ونتيجة لذلك فقدت خلال أقل من شهر عشرة كيلوغرامات من وزنها.

رغد محمد تحمل شكلًا آخر من التوتر، مرتبطًا بتعطل الحياة نفسها. كان يفترض أن يكون عام الحرب هو عام تخرجها من الجامعة، لكن الحرب أعادت ترتيب كل شيء، وأنهت دراستها على أمل أن تنتهي الأزمة سريعًا لكنها لم تنتهِ. تخرجت، وبقيت بلا عمل في ظل غياب الفرص وتفاقم البطالة لمستوياتٍ غير مسبوقة.

تقول: "أشعر أنني على وشك الجنون، أعوام من عمري تذهب سدى، كلما أردت أن أبدأ تعلم شيء يخص تصميم الجرافيك على الإنترنت، أفقد الشغف بسرعة، أشعر بإرهاق دائم ورغبة بالنوم شديدة، ولا طاقة لدي حتى لممارسة مهامي اليومية العادية".

قرأت من خلال بحثها عن الأعراض عبر الإنترنت أن ما تعانيه هو اكتئاب ويجب عليها مراجعة مختص نفسي، تردف: "لكني أيضًا لا أجد جدوى من الحديث طالما مشاكلي لم تحل، وكل ما يجري أنني أشعر بآلامي النفسية في جسدي ما بين صداع، وصرير أسنان، وإرهاق متواصل، وألم في الرقبة".

كيف تتحول الأزمات النفسية إلى أعراض جسدية واضحة؟ ولماذا تظهر هذه الآلام رغم سلامة الفحوصات الطبية؟ وإلى أي مدى يمكن أن يضغط الحزن والتوتر على وظائف المناعة والقلب والهضم؟

في هذا السياق، يشرح الطبيب النفسي عايش سمور أن الدماغ يقف في مركز هذا التحول، خصوصًا في المناطق المسؤولة عن الوظائف اللاإرادية. مع استمرار الضغط النفسي، تتغير الكيمياء العصبية داخل الدماغ، وتضطرب الإشارات الموجهة إلى أجهزة الجسم، ما ينعكس على الأداء الجسدي العام.

ويضيف أن التوتر المزمن ينشّط الجهاز العصبي بشكل مستمر، ويرفع مستويات الكورتيزول والأدرينالين، ما ينعكس على القلب والتنفس والعضلات. يرتفع معدل ضربات القلب، ويصبح التنفس أسرع وأقصر، فيما تبقى العضلات في حالة شد دائم.

هذا الضغط يمتد إلى الدورة الدموية، ويظهر في صورة صداع، دوخة، إحساس بالاختناق، وآلام في المعدة. ومع استمرار الحالة، يصبح الجسم أكثر هشاشة أمام الأمراض والالتهابات.

ويشير سمور إلى أن استمرار التوتر يضع الجهاز العصبي في حالة “استنفار دائم”، ما يقلل القدرة على التحمل ويزيد الحساسية الانفعالية، وقد ينعكس أحيانًا على شكل سلوكيات حادة أو عدوانية.

وفي مستوى أعمق، يتداخل الضغط النفسي مع الجهاز المناعي والهرموني، ليبقي الجسد في حالة إنهاك مستمر حتى دون وجود مرض عضوي مباشر، ما يفسر إحالة كثير من المرضى إلى الطب النفسي عند غياب التفسير الطبي.

المختصة الاجتماعية والنفسية أنوار أبو زايدة ترى أن مسار التعافي يبدأ من مساحة آمنة للتعبير. الحديث مع شخص موثوق يخفف من تراكم الضغط الداخلي ويمنح المشاعر منفذًا بدل احتجازها داخل الجسد.

وتشير أبو زايدة إلى أن أنشطة بسيطة قد تساعد في تخفيف الأعراض، مثل المشي، أو ممارسة رياضة خفيفة، أو تعلم مهارة جديدة تُعيد تنظيم التفكير وتخفف من دائرة الانشغال السلبي.

بين التجربة الفردية والتفسير الطبي، يبقى الجسد في موقع الشاهد. ما لا يُقال بالكلمات يظهر على هيئة ألم، وما لا يجد مساحة للتفريغ يتحول إلى أعراض تسكن العضلات والأعصاب والتنفس، كأن الجسد يكتب ما تعجز النفس عن قوله.