بعد السابعة مساءً، يخفّ ضجيج شوارع غزة تدريجيًا، وتبدأ المقاهي بالامتلاء. لا يأتي الجميع بحثًا عن فنجان قهوة إضافي، بل عن مساحة للتنفّس بعد يوم مُثقل بالخوف والفقدان. على الطاولات المتقاربة، تتكدّس الحكايات: راتب لم يصل، مشروع توقّف، معبر أُغلق، فكرة هجرة تُقال همسًا ثم تُناقش بصوتٍ عالٍ، فحين يصمت الليل، تتكلم غزة في المقاهي.

الليل في غزة ليس مجرد وقت من اليوم، بل حالة نفسية جماعية. في غياب الكهرباء، ومع هدوءٍ نسبي يلي فترات التصعيد، وانتهاء يوم طويل من العمل أو البحث عن الماء والغذاء، يتصاعد القلق وتطفو الأسئلة الوجودية المؤجّلة. هنا، تتراجع أعباء النهار ورقابته الاجتماعية، ويجد الناس متنفسًا نادرًا للكلام.

وقد تركت الحرب غزة في أوضاع مزرية، منازل مدمرة، نزوح متواصل، اكتظاظ في شقق أو خيام، وارتفاع الأسعار، بنى تحتية متهالكة مع صعوبة تأمين الماء والغذاء والطاقة اليومية. هذه الضغوط اليومية تزيد من القلق النفسي وتجعل المقاهي الليلية متنفسًا نادرًا للهروب ولو لساعات قصيرة من الواقع القاسي.

في هذا السياق، تتحول المقاهي الليلية إلى مساحات كلام جماعي؛ بديل غير رسمي عن السياسة الغائبة، ومنبر شعبي لتحليل الواقع وتفريغ الخوف والبحث عن معنى الاستمرار. لا يجتمع الناس للترفيه بقدر ما يأتون لالتقاط أنفاسهم، وتبادل الأخبار غير المؤكدة، والسخرية السوداء، والأسئلة التي لا تجد لها مكانًا خارج هذه الطاولات الصغيرة.

تجلس هبة العويني، مهندسة مدنية في الثلاثين من عمرها، في زاوية أحد المقاهي، وتقول: "قبل الحرب كنت أشعر بالاستقرار ولو نسبيًا، عمل وروتين وخطط مستقبلية… لكن كلّه راح. الليل هنا يشعرنا بالراحة، نستطيع التكلم دون قيود عن الخوف من المستقبل وضغط العمل. الصمت صار أثقل من الكلام".

تضيف: "نحكي عن المشاريع التي توقفت، عن الرواتب التي لم تصل، عن كل شيء صعب نعيشه. حتى لو لساعات قليلة، نشعر أننا لسنا وحدنا. هل في إعمار؟ هل في فرص عمل؟".

يأتي حديثها في سياق ما تُشير إليه الأرقام، إذ ارتفع معدل البطالة في قطاع غزة إلى نحو 80٪، ما يعني أن أربعة من كل خمسة قادرين على العمل بلا وظيفة، بينما تعتمد غالبية الأسر على المساعدات الإنسانية لتأمين الحدّ الأدنى من الاحتياجات اليومية.

تأتي العويني صحبة شقيقتها سها (25 عامًا) التي تبحث عن لحظة هدوء: "جاءتني فكرة القدوم هنا؛ لأننا بحاجة ننسى قليلا، ننسى الذي أصابنا، البيت الذي قُصف، النزوح، الدمار، الخوف، الترويع، عدم الاستقرار. الجو هنا يمنحنا فرصة للنسيان، التجاهل، الضحك، الفضفضة، ونبتعد عن كل الضغوط".

وتعكس تجربتهما واقعًا أكبر لمئات الآلاف من الأسر، إذ تشير تقديرات إعادة الإعمار إلى أن قطاع غزة يحتاج إلى أكثر من 50 مليار دولار لإعادة التعافي الاقتصادي والبنية التحتية على مدى العقد القادم، من مساكن ومستشفيات ومدارس ومرافق حيوية. هذا الحجم الهائل من الدمار يزيد من الضغوط النفسية اليومية، ويجعل المقاهي الليلية متنفسًا ضروريًا ولو لساعات قصيرة للهروب من الواقع القاسي.

في هذا الفضاء، تتحول المقاهي إلى ما يشبه "غرفة أخبار شعبية: "حيث تختلط السخرية بالتحليل اليومي للواقع. يجلس يزن عزام (29 عامًا) أمام جهاز اللابتوب، يدخن الأرجيلة ويضحك بصوت عالٍ، لكنه يحمل سخرية سوداء تحميه من الواقع: "كل شيء صار مضحك: الأسعار، والحياة بغزة كلها، حتى الزواج صار حلم بعيد. بس نضحك شوي، لأن لو صرنا جديين يمكن ما نتحمل فظاعة الواقع وبشاعته."

في الطاولة المجاورة، يتبادل الزبائن الأخبار غير المؤكدة: حديث عن هدنة، أسعار جديدة للغاز، إشاعات عن المعابر، أو أخبار عن مصير الحرب. المعلومة تُصنع هنا من خلال واتساب، روايات شخصية وتجارب مباشرة، ليصبح كل حديث انعكاسًا للواقع المتقلب.

يعكس أبو محمد العف (40 عامًا)، عامل في السوق، القلق الاقتصادي: "اليوم سعر الغاز ارتفع، والإيجار صار صعب، السوق ما فيه استقرار… كل شيء صار حسابات، حتى الأنفاس صارت محسوبة".

وتفيد تقارير رسمية أن الأسعار ارتفعت بشكل حاد منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، حيث تضاعفت تكاليف السلع والخدمات أكثر من خمسة أضعاف مقارنة بما قبل العدوان، مع ارتفاع ملحوظ في المواد الغذائية الأساسية مثل الدقيق والسكر. هذا الارتفاع المباشر في الأسعار يزيد من ضغوط العيش اليومي على الأسر، ويجعل حتى أبسط الأنشطة، كالخروج من المنزل أو شراء حاجيات يومية، تجربة مرهقة ومثقلة بالقلق.

العائلات، مثل مرح ضاهر وزوجها وبناتها، تراقب أكثر مما تتكلم، تقول: "جينا نغير جو… بس حتى التغيير صار صعب. لما بطلع من البيت قلبي بيخاف، بس ما في مجال، لازم نعيش طقوس طبيعية شوي، حتى لو الخوف معنا."

ما لا يُقال في الدوائر الضيقة يُقال في المقاهي، انتقاد القيادات، التعب من الصمود، الخوف من المستقبل. كل حضور، من الشباب العاطل، العمال، النازحين، إلى كبار السن الذين يروون "حروبًا سابقة"، يعكس طبقة مركبة من المجتمع تبحث عن توازن نفسي مؤقت.

تفسّر الأخصائية الاجتماعية عروب الجملة تواجد الناس في المقاهي ليلاً في غزة ليس كعادة اجتماعية، بل كاستجابة جماعية للصدمة المستمرة. يُستخدم الحديث عن الهموم والسخرية السوداء كآلية دفاع لتخفيف الألم والتعايش مع الواقع الصعب.

هذا السلوك يرتبط بتدهور الصحة النفسية في القطاع، حيث تنتشر القلق المزمن والاكتئاب واضطرابات النوم بين السكان، وسط شُح الخدمات النفسية المتخصصة. لذلك، يلجأ الناس إلى الحديث الجماعي في المقاهي كشكل من أشكال الدعم غير الرسمي.

تتحوّل هذه المقاهي إلى مساحات شبه علاجية، حيث يُفرغ الناس مشاعرهم ويتشاركون الخوف. اليقظة المفرطة والاستعداد للفرار عند أي طارئ تعكس قلقًا أمنيًا عميقًا، لكنها أيضًا تُظهر محاولة جماعية للتماسك النفسي.

بهذا المعنى، يصبح الضحك وتكرار سرد القصص أدوات مقاومة نفسية، وليست إنكارًا للواقع، فهي تُساعد في تنظيم الفوضى الداخلية والتأكد أن الخوف مشترك. في ظلّ غياب التعافي الحقيقي، تبقى هذه المساحات خط دفاع أخير ضدّ الانهيار الكامل، حيث يجد الناس لحظات من الإحساس بالحياة.

مع اقتراب منتصف الليل، يبدأ الضجيج في المقاهي بالتلاشي. يغلق يزن جهازه، ويلملم ما تبقى من دخان أرجيلته بضحكة أخيرة، مودعًا أصدقاءه: "بكرة بنرجع نضحك على نفس الهموم… المهم نضل نقدر نضحك."

صوت مولد الكهرباء البعيد يصبح سيد الموقف من جديد، معلنًا أن الهدوء في قطاع غزة ليس سكينة حقيقية، بل استراحة قصيرة للمرهقين قبل نهار مثقل بحسابات وهموم جديدة.

في مقاهي غزة الليلية، لا تُشرب القهوة فقط، بل يُتداول الخوف، الأمل، والسياسة على طاولات صغيرة.