على مرمى بصر المزارع محمود المصري، تترامى أرضه الجرداء في بيت لاهيا شمالي القطاع، تلك المزرعة التي كانت عامرة بالخضروات وأشجار الحمضيات والتوت الأرضي، أصبحت الآن بفعل الهجمات الإسرائيلية محضّ أنقاض وذكرى.
"كانت خضراء طوال العام ورائحتها النفاذة الزكية تُرشد القادمين إلى المكان" يقول المصري بصوتٍ أجش وهو يستذكر أيامٍ خلّت في زراعته للفراولة المُعلّقة وأشتال من الزهور المستوردة النادرة عبر عقدٍ من الزمان.
تلك المزرعة التي أٌقيمت على مساحة خمس دونمات، كان يعيش على ريعها أكثر من ثلاثين فردًا ما بين عائلة المزارع المصري وعائلات العاملين معه فيها، أصبحوا جميعهم اليوم عاطلين عن العمل وانضموا إلى قافلة البطالة التي تتجاوز نسبتها 80%.
وعلى غرار خسارة المزارع المصري، تُشير تقديرات محليّة إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي جرّف ودمّر 35 ألف دونم، وأخرج الأراضي الزراعية في بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون وشرق جباليا شمالي قطاع غزة، من دائرة الإنتاج الزراعي.
بالإضافة إلى ذلك، خسِر آلاف المزارعين أراضيهم ومزارعهم، ورؤوس أموالهم في مهنةٍ عملوا عليها على مدار عقود جيلًا بعد جيل، بينما خسِر قطاع غزة مئات الآلاف من الأشجار والأراضي الخضراء التي تحوّلت إلى كتل رمادية، كواحدة من أقسى تدّاعيات الحرب.
ووفقًا لبلدية غزة، تعرّضت 300 ألف شجرة لأضرار كليّة في الحدائق العامة والميادين في مدينة غزة وحدها جرّاء الحرب الإسرائيلية المندّلعة منذ 2023، بما في ذلك أشجار الزيتون التي تشتهر بها غزة. وتسبب هذا الدمار في تأثيرات واسعة على المحاصيل التي كانت مصدر دخل للعديد من العائلات في غزة.
في حديثٍ مع خبير الزراعة والبيئة، نزار الوحيدي، رسم صورةً قاتمةً لواقع القطاع الزراعي، الذي تحوّل من مصدرٍ للغذاء إلى ساحةٍ للدمار. وقال: "الأرض الخصبة تضررت بشكلٍ بليغ"، مشيرًا إلى أنّ 90% من الأراضي الزراعية أصبحت خارج الخدمة وتحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة، بينما تعطّلت بالكامل الأنشطة الزراعية في المناطق المحاذية للحدود.
وأجمَلَ الوحيدي المناطق الزراعية التي تدمّرت كليًّا، بقوله: "جُرفت الأراضي الزراعية على امتداد الحدود الشرقية للقطاع بمساحة 30 ألف دونم، وكذلك في محور نتساريم وسط القطاع، اختفت مزارع العنب والتين وغيرها، كما شهدت رفح جنوب القطاع خرابًا واسعاً في الأراضي الخضرية بعد أن فرض الاحتلال سيطرته عليها".
أما البقية الباقية، فلا تتجاوز 10% من المساحات الخضراء السابقة، وتتركز في مناطق محدودة غرب الزوايدة وخانيونس، بمساحة إجمالية لا تصلّ حتى إلى 15 ألف دونم.
غزة التي كانت تُنتج أكثر من 25 نوعاً من الفواكه والخضروات، قبل الحرب، وتُوفِر قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي، بحسب الوحيدي، تمر اليوم بأزمة غذائية تُهدد حياة السكان، بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي للبنية الزراعية وإغلاق المعابر، في ظلّ سياسةٍ يصفها الوحيدي بـ "التجويف المنظم لمقومات الحياة الأساسية".

واحدة أهم أنواع المزروعات التي تدّمرت بشكلٍ بليغ بفعل الهجمات العسكرية، هي أشجار الزيتون التي تعد جزءًا لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية الزراعية في قطاع غزة، حيث تُشير تقدّيرات وزارة الزراعة إلى تدمير 75% من زيتون القطاع إما بالحرق أو التجريف أو التدمير المباشر.
شرق دير البلح وسط قطاع غزة، يجلس المزارع محمود بركة على حجرٍ متهالك من ركام منزلٍ مجاور تهاوى على مزرعته إثر قصفٍ إسرائيلي فحوّلها إلى خرابة، بعدما كانت عامرة بأشجار الزيتون المثمرة لسنواتٍ طويلة.
في أغسطس 2024، خسِر بركة جميع مزروعات أرضه بما فيهم خمسون شجرة زيتون ورث زراعتهم عن أبيه وأجداده. يقول: "لم ينجُ من مزرعتي سوى شجرة زيتون واحدة من بين 50 شجرة. الأكثر قسوة هو فقدان 42 فردًا من عائلتي في الحرب"، فيما يُواجه اليوم الناجون الأربعة تحدّيات تأمين الغذاء والدواء في ظلّ انهيار القطاع الزراعي.

يُردف بعد تنهيدةٍ طويلة وهو ينظر إلى الأرض التي كانت تحقق له الاكتفاء الذاتي من الزيتون والزيت الفلسطيني الأصيل فتكفي 46 فرداً من عائلته طوال العام. "لقد فقدنا كل شيء، كل شجرة كانت تمثل جزءًا من حياتي، والآن أصبحت مجرد حطام".
المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة محمد أبو عودة، أفاد أنّ آليات الاحتلال الإسرائيلي دمّرت آلاف الأشجار من الزيتون التي تُمثل إرثًا ثقافيًا وزراعيًا عميقًا بالنسبة للغزيين، وقال: "إلى جانب الخسارة الاقتصادية الفادحة لمزارع الزيتون فإنّ خسارتها تعني فقدان جزء كبير من الهوية الزراعية للمنطقة."
وأشار أبو عودة إلى أنّ التدمير الإسرائيلي للأراضي التي كانت مزروعة بأشجار الزيتون في كافة محافظات القطاع قضى على أكثر من ثلثي المساحة الأصلية وعرّضها للهلاك والتجريف، إذ لم تعد صالحة للزراعة، بسبب كمية المتفجرات المُلقاة عليها.
فيما يخص الثُلث المتبقي من أشجار الزيتون الناجية -حتى اللحظة- من التدمير، إلى جانب المساحات الخضراء المتبقية بما نسبته 10%، تعاني مُعضلة البقاء في ظلّ تدمير هائل لشبكات الريّ التي عدّها مزارعين، ضربة قاتلة للزراعة في القطاع المحاصر.
يقول المزارع حسن سمارة: "تدمير الشبكات حوّل عملنا من نظام الريّ بالتنقيط إلى استخدام الدلاء، نحن نحتاج إلى الماء لاستعادة بعض المحاصيل، لكننا أصبحنا لا نملك مقومات تقنية تُساعدنا على إنتاج القليل من المزروعات."
ويحاول سمارة ريّ أحواض من الريحان والكوسا والباذنجان بالطرق البدائية التقليدية كاستخدام زجاجة بلاستيكية مثقوبة، والتي عكف على زراعتها في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار أمام منزله، بعدما تدّمرت مزرعته في حي الزيتون شرق مدينة غزة.
وكانت شبكات الريّ والأنابيب تساعد المزارعين، بحسب سمارة، على ريّ منتظم وسريع لمساحات كبيرة من المزروعات خاصة للمساحات الشجرية؛ يُعقب بينما يتفقد محصول الطماطم: "أصبحنا اليوم نبتكر طرق بدائية تعود للعصر الحجري".
المهندس الزراعي، مصطفى الفيومي، يوضح: "شبكات الريّ هي أساس في عملية الإنتاج الزراعي في غزة. من دونها، لا يمكن الحفاظ على ذات الكم والنوع من المحاصيل الزراعية كالسابق"، ويُضطر المزارعون إلى استخدام طرق بديلة بدائية ومكلفة وغير فعالة، مثل استخدام المياه الجوفية الملوثة أو الاعتماد على مياه الأمطار، مما يزيد من التكاليف ويقلل من جودة المحاصيل.
وبحسب الفيومي فإنّ هذه التحدّيات تُظهِر الحاجة المُلِّحة لإعادة تأهيل شبكات الري وتوفير الدعم الفني والمالي للمزارعين لضمان استدامة الإنتاج الزراعي في قطاع غزة.
وبينما تُشير البيانات الرسمية إلى أنّ 48 ألف متر من شبكة الريّ في أراضي قطاع غزة دُمِرت، يقول الفيومي إنّ حوالي 78% من الأراضي الزراعية في غزة كانت تُروى باستخدام أنظمة الري، وهو ما يعكس أهمية هذه الشبكات في القطاع الزراعي التي أصبحت اليوم عطشى بفعل ممارسات الاحتلال.
بالتوازي مع ذلك، أفادت تقارير الأمم المتحدة إلى أن 97% من المياه في قطاع غزة غير صالحة للاستهلاك الآدمي بسبب تدمير شبكات الري وتلوث المياه الجوفية، مما يفاقم أزمة الزراعة.
ولم يقتصر التدمير في القطاع الزراعي على الأراضي المزروعة بالمحاصيل الزراعية على اختلافها؛ بل امتد ليصل إلى الحدائق العامة التي كانت متنفس للسكان في مدينة تصل فيها الكثافة السُكانية إلى 5,453 فرداً لكل كيلومتر مربع، ضمن مساحة لا تتجاوز 365 كم².
"كنت آتي إلى هنا دائمًا مع عائلتي وأبنائي، يلعبون الكرة ونحتفل بأعياد ميلادهم"، تقول أم مجد، وهي أمٌ لأربعة أطفال من سكان خانيونس جنوب قطاع غزة، بينما تُشير بيدها إلى الكثير من الخيام في موقع المنتزه الإقليمي- خانيونس الذي اعتادت ارتياده. "الآن لم يعد هناك مكانٌ آمن لهم، حتى هذه البقعة الخضراء لم تسلم".
قبل الحرب، لعبت حدائق مثل "الجندي المجهول" وسط مدينة غزة و"البرازيل" في رفح جنوب القطاع دوراً محورياً في حياة السكان، وخصوصاً للأطفال الذين يفتقرون إلى مساحات آمنة للعب في هذه البيئة الحضرية المكتظة. كانت هذه الواحات الخضراء نقاط تجمع للعائلات، تمنحهم لحظات من الحياة الطبيعية وسط ظروف الحصار الصعبة.
يفتقد القطاع الآن لمساحاتٍ خضراء للعب الأطفال الذين يرزحون تحت الحرب منذ أكثر من 18 شهراً، وأصبحت فكرة اللهو بين كتل الركام وتحت تهديد القصف، ضرباً من الوهم.
ويُشكِّل انتزاع الأشجار وتدميرها انتهاكا للقانون، سواء تعلق ذلك بالمساحات الخضراء اللازمة لنمو الطفل في بيئة صحية، أو حتى المتعلقة بسحق السلة الزراعية وحرمان السكان من الطعام.
بحسب توثيق لمؤسسة الدراسات الفلسطينية فإن من بين 16 حديقة عامة رئيسية في القطاع، تحوّلت العديد إلى ساحات خراب. تدمّرت ستة حدائق بالكامل، وتعرّضت تسعة إلى ضررٍ بالغ، فيما تضرّرت حديقتين جزئيًا. وبعض الحدائق أصبحت أماكن مهجورة تغطيها الأنقاض، فيما تحوّلت أخرى إلى ملاجئ مؤقتة للنازحين الذين فقدوا منازلهم.
على نحوٍ آخر، من ضمن هذه المساحات، تعرّضت حدائق للحيوان، للاستهداف والتدمير، وعلى إثرها قُتِلت الكثير من الحيوانات نتيجة القصف أو التجويع، وحيوانات أخرى استطاع القائمون على تلك الحدائق تهجيرها معهم في عمليات نزوحهم شمالي وجنوبي القطاع.
وقالت عبير بطمة، منسقة شبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية وأصدقاء الأرض فلسطين إن إعادة تأهيل هذه الحدائق قد يستغرق سنوات، في وقتٍ تعاني فيه غزة من نقصٍ حاد في الموارد الأساسية، بما في ذلك المياه النظيفة والكهرباء، ناهيك عن مواد البناء.