كانت "نوران عبد الرحمن" (*) من غزة تتابع مسلسلاً تاريخيًا عبر هاتفها بهدوء، قبل أن تنهال عليها إشعارات متتالية عبر تطبيق "واتساب" من أصدقاء ومعارف. بدت الرسائل غامضة ومتوجسة في البداية؛ فالجميع يسألها عن "شجار رقمي" حاد اتُهمت بـ "افتعاله" مع إحدى مشاهير منصات التواصل الاجتماعي. لم تستوعب نوران كيف يمكن لتعليق بسيط كتبته بعفوية على منصة "إنستغرام" أن يتحول في دقائق معدودة إلى مادة لهجوم جماعي شرس يُصوّرها كـ "مدانة" لا تفقه شيئًا.

حين تصفحت عبد الرحمن التعليقات الموجهة إليها، صُدمت بسيل من الشتائم والاتهامات القاسية بسبب رأي انتقدت فيه قضية عامة طرحتها تلك الناشطة التي يتابعها الآلاف. لم يتوقف الأمر عند الفضاء العلني، بل امتد إلى بريدها الخاص الذي امتلأ برسائل مهينة، مما دفعها فورًا إلى إزالة صورتها الشخصية؛ خشية أن تُسرق ويُعاد تركيبها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

تسترجع عبد الرحمن تلك اللحظات بمرارة قائلة: "لقد حددت تلك المشهورة تعليقي ونشرته في قصة خاصة (Story) لترد عليّ، محرضةً متابعيها ضدي. لم أتخيل يومًا أن أتعرض لإساءة رقمية منظمة لمجرد اختلاف في الرأي. كانت هذه المرة الأولى التي أكتب فيها تعليقاً عند حساب عام.. وحتماً ستكون الأخيرة".

عاشت الفتاة حالة من التوتر الشديد، فالخوف الأكبر بالنسبة لها كان يكمن في أن يكتشف شقيقها الأكبر ما يجري، حيث سيوبخها حتماً على مجرد التعبير عن رأيها في فضاء عام. آثرت الصمت وحذفت التعليق، وتضيف: "جاءني في بضع دقائق مئات طلبات المتابعة ورسائل الشتم، من يومها قررت أن أنأى بنفسي وأحافظ على سلامي النفسي بدلاً من التعبير عن رأيي في أي مكان؛ فلا طاقة لي على تحمل همجية بعض رواد العالم الافتراضي، ولا أوامر شقيقي في الواقع".

ما حدث مع نوران ليس حدثًا عابرًا، بل هي انعكاس لواقع باتت فيه النساء في قطاع غزة يتعرضن لـ "الاغتيال المعنوي" لمجرد نشر رأي شخصي أو محتوى لا يروق للجمهور. وفقاً لما أشارت إليه منظمات أممية حول المخاطر الرقمية التي تواجه النساء في بيئات النزاع والأزمات. ومع كل هجوم رقمي جديد، تتشكل موجات من التحريض الجماعي في مشهد يعكس هشاشة الحماية الرقمية وتراجع ثقافة احترام الاختلاف؛ لتتحول صور النساء وبياناتهن إلى مادة مستباحة للتداول في أبشع صور العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي.

وتُعرّف الأمم المتحدة العنف الرقمي ضد النساء بأنه السلوك المُتعمد الذي يقوم به فرد أو مجموعة عبر وسائل التواصل بهدف الإيذاء المادي أو المعنوي. وتكمن خطورة هذا العنف في قدرة المعتدي على إخفاء هويته خلف حسابات وهمية، وعبر حدود جغرافية مفتوحة، مستغلاً سهولة الانتشار والتطور المستمر للأدوات التقنية، وهو ما يترك تداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة على الضحايا.

وكانت دراسة أجراها المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية، وصدرت في أغسطس 2021، قد أظهرت أن 49% من النساء المستطلعة آراؤهن لا يشعرن بالأمان بسبب التحرش عبر الإنترنت، في حين تلقت 43% منهن صورًا خادشة للحياء، وتعرّضت 35% لرسائل مسيئة ومهينة، و22% للابتزاز الجنسي المباشر.

وتؤكد رصودات المراكز الحقوقية المعنية بالحقوق الرقمية الفلسطينية، أنه خلال أعوام الحرب المستعرة (2023-2025) وما تلاها وصولاً إلى عام 2026، قفزت وتيرة العنف الرقمي ضدّ النساء في غزة إلى مستويات غير مسبوقة. وفي ظل بيئة تفتقر إلى الاستقرار، تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة موازية للتهديد والتشهير، حيث صار مجرد تعبير المرأة عن رأيها كافياً لجرّها إلى مقاصل الشتم والملاحقة الإلكترونية.

لم تنجُ "سجى أحمد" (*) من هذا الواقع؛ إذ كان حسابها على "إنستغرام" عامًا ومتاحًا للجميع، لكنها اضطرت لإغلاقه كليًا بعد تعرضها لقذف صريح إثر مشاركتها مقطع فيديو تعبر فيه عن وجهة نظرها في موضوع مجتمعي. 

تقول سجى: "وصلني تعليق يحمل شتيمة مجتمعية قاسية لم أكن أعرف معناها حتى سألت عنها. كنت أحذف التعليقات المسيئة مستغربة من غياب حدود الاحترام، لكن بضغط وإصرار من والدتي التي خافت من تعرضي للتشهير أو سرقة صوري بالذكاء الاصطناعي، أغلقت الحساب وافتتحت آخر مغلقاً بأسماء وهمية بعيداً عن عيون الجمهور".

على النحو ذاته، دفعت "فاطمة محمد" (*) ثمن تفاعلها الرقمي توبيخًا شديدًا من شقيقها، الذي أجبرها على حظر حسابات لفتيات تتابعهن والتوقف التام عن التعليق لدى النشطاء. جاء موقف الشقيق المتشدد عقب شجار جسدي حقيقي خاضه في الشارع مع أحد الشبان الذي وجّه شتيمة مسيئة لشقيقته بناءً على تعليق رقمي لها.

توضح فاطمة وهي تتصفح هاتفها بحذر: "أنا بطبعي لا أستطيع الصمت إزاء ما لا يقنعني؛ أكتب وأعلّق دائمًا، ولم تكن تلك المرة الأولى التي أتعرض فيها للقذف الصريح، وكثير من الحسابات التي شتمتني كانت وهمية. لكن بعد حادثة شقيقي توقفت مجبرة. في الحقيقة كنت أنوي التوقف طواعية؛ لأنني كلما تعرضت لشتيمة أفقد ثقتي وصحتي النفسية.. لا أستوعب كيف يمكن للبشر أن يكونوا بهذا السوء!".

وتتساءل فاطمة بحرقة: "من يحاسب من يقذفون النساء؟ هل توجد رقابة أو بنود قانونية تحفظ حقنا إن أردنا اتخاذ إجراءات قانونية؟ ولماذا تتحول هذه المنصات إلى غابة للتنمر على المرأة؟".

إجابة على تساؤلات فاطمة، قال أحمد القاضي، مسؤول الرصد والتوثيق في مركز "حملة"، لـ "آخر قصة" إن العنف الرقمي الجندري تصاعد بشكل حاد خلال فترة الحرب مستغلاً غياب القانون وحالة الفوضى كغطاء للاعتداءات.

ويوضح القاضي أن هذا العنف ليس ظاهرة فردية معزولة، بل هو نتيجة مركبة لأثر بنية مجتمعية سلطوية توظف أساليب الرقابة والعقاب الافتراضي لإقصاء النساء عن العالم الرقمي والسيطرة على أصواتهن. ويشدد على ضرورة تطوير آليات استجابة فعالة وبناء شبكات دعم أمان في المناطق المهمشة، مؤكدًا أن معالجة العنف الرقمي هو شرط أساسي لبناء مجتمع أكثر عدلاً.

وتترجم الأرقام الصادرة عن المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي "حملة" هذا المشهد الرقمي المعقد بوضوح؛ فبعد أن أظهرت دراسة شملت (ألف مشاركة) أصدرها المركز عام 2022 بعنوان "العنف الجندري في الفضاء الرقمي الفلسطيني" أن نحو 25% من المشاركات يتعرضن لتعليقات ومضايقات مهينة بصفة مستمرة، كشفت المؤشرات الأحدث التي جاءت في دراسة صدرت عام 2024 بعنوان "حرب وظلال رقمية: الفلسطينيات بين مصادرة الصوت وانكشاف الجسد" عن قفزة خطيرة.

وخلصت الدراسة الأخيرة إلى أن الفضاء الافتراضي تحول من مساحة للتعبير إلى بيئة طاردة تفتقر لأدنى مقومات الأمان الرقمي للنساء، وسط تصاعد حاد في الاعتداءات المباشرة المبنية على النوع الاجتماعي.

كما أظهرت أن نحو 40% من المستطلعة آراؤهن واجهن اعتداءات رقمية مباشرة على خلفية مواقفهن والمحتوى الذي ينشرنه. هذا الاستهداف الممنهج أنتج مخاوف حقيقية، أبلغت فيها نسبة تتراوح بين 45% إلى 56% من النساء عن شعور منخفض جداً بالأمان الرقمي، لا سيما في ظل غياب سلطة القانون الفعالة وتوقف دوائر ملاحقة الجرائم الإلكترونية، الأمر الذي ضاعف من ظاهرة الإفلات من العقاب ومنح المعتدين الضوء الأخضر للاستمرار في انتهاكاتهم.

من الناحية القانونية، يؤكد الحقوقي حماد ضهير أن منصات التواصل الاجتماعي في غزة شهدت بالفعل تزايداً ملحوظاً في حالات التشهير والقذف والابتزاز. ورغم أن القانون الأساسي الفلسطيني يكفل حماية الكرامة الإنسانية والحياة الخاصة، إلا أن التطبيق يصطدم بمعوقات حقيقية على الأرض.

ويوضح ضهير أن قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936 المطبق في قطاع غزة يخصص في فصله العشرين مواداً تجرم الذم والقدح والتشهير (المواد 201-204) سواء بالقول أو الكتابة. ومع التطور التكنولوجي، جرى تنظيم هذه الجرائم عبر قانون الجرائم الإلكترونية رقم 10 لسنة 2018 في المحافظات الشمالية، بينما في قطاع غزة يعترف قانون المعاملات الإلكترونية رقم 6 لسنة 2013 بحجية الرسائل والبيانات الرقمية، مما يتيح للضحايا الاستناد إلى لقطات الشاشة (Screenshots) كأدلة إثبات أمام النيابة العامة.

لكن المفارقة الصادمة تكمن في الواقع العملي؛ إذ يشير ظهير إلى أنه "على الرغم من وجود هذه النصوص القانونية، إلا أن إنفاذها في قطاع غزة يصطدم بواقع استثنائي فرضته الحرب الاسرائيلية (2023-2025) وتدهور المنظومة الأمنية، وعدم وجود دوائر شرطية مفعّلة ومختصة بالجرائم الإلكترونية، مما يمنع الوصول إلى العدالة ويجعل هذه النصوص مجرد حبر على ورق، لتجد النساء أنفسهن يدُرن في حلقة مفرغة من الابتزاز دون سند حقيقي متاح".

هذا العجز القانوني والضغط المجتمعي يتركان ندوباً نفسية غائرة. ويرى الأخصائي الاجتماعي عرفات حلس، أن الابتزاز والشتم الإلكتروني تحولا إلى ظاهرة في غزة تدفع الكثيرات نحو خيار "الرقابة الذاتية المشددة" والتراجع عن التعبير عن آرائهن خوفاً من الأذى.

ويشير حلس من واقع ممارسته المهنية إلى أن العديد من أولياء الأمور باتوا يشتكون من هذه السلوكيات الافتراضية لما تسببه من تصدعات وخلافات حادة داخل العائلة الواحدة عند تعرض بناتهم للتنمر. ويوضح حلس الآثار النفسية المترتبة على ذلك قائلاً: "يتسبب العنف الرقمي في قلق مستمر، وتوتر، وانخفاض حاد في الثقة بالنفس، فضلاً عن الشعور بالعزلة وفقدان الأمان الافتراضي والواقعي على حد سواء. ومع تكرار هذه الإساءات، يتسلل إلى الضحايا شعور بالعجز وقلة القيمة، مما ينتهي بهن بالانسحاب الكامل من الحياة العامة".

بين المنظومة الرقمية المنفلتة والقيود المجتمعية، تجد العديد من النساء في قطاع غزة أنفسهن عُرضة لرقابة وتتبع مستمرين من قبل أفراد جعلوا من رصد حسابات النساء مادة لإثارة حملات التنمر. وأمام هذا الواقع المأزوم وغياب أدوات المحاسبة والقانون، غدا الصمت أو اللجوء إلى "الهويات المستعارة" هو وسيلة الدفاع الوحيدة المتاحة؛ لتضيق المساحات الآمنة أمام المرأة الغزية، وتتحول شاشات هواتفهن من نافذة للتنفس والتعبير إلى جدران صماء تفرض عليهن غياباً قسريًا جديدًا.

(*) أسماء مستعارة حفاظًا على خصوصية الحالات.