في زقاق ضيق بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، يجلس الدكتور محمد منصور أمام طاولة خشبية مهترئة، عليها بضعة علب دواء مغبرة. كانت هذه الطاولة، ذات يوم، صيدلية "الرحمة" التي افتتحها قبل عقدين، لكنّها تحوّلت اليوم إلى "بسطة" وسط الخراب. 

يقول منصور، وهو يمسح غبارًا عن علبة مضاد حيوي منتهي الصلاحية: "كنت في صيدليتي أقدم للمرضى الأدوية التي يحتاجونها وفق وصفاتٍ طبيّة. كان لدي إدارة مخزون منتظمة وتخزين سليم للأدوية. اليوم، هذه الطاولة هي كل ما تبقى. فرغت الصيدلية من 95% من أصنافها بسبب منع دخول الإمدادات". 

مشهد منصور ليس معزولاً عن واقع قطاع غزة، بل هو تجسيد حي لمسار طويل أدى إلى اختفاء صناعة الدواء المحلية في هذه البقعة التي يقطنها أكثر من 2.3 مليون انسان، والتي كانت هشة حتى قبل الحرب.

قبل أكتوبر 2023، كان قطاع غزة يعتمد على إنتاج محلي محدود للأدوية واستيراد خارجي متقطع. كان هناك مصنّعان رئيسيان فقط، يعملان بأقلّ من 20-30% من طاقتهما بسبب شُح المواد الخام والقيود على دخول المعدات. فيما اقتصر إنتاجهما على أصناف عامة، بينما غابت أدوية الأمراض المزمنة والسرطان والعلاجات البيولوجية. 

يقول حسن محمد وهو صيدلاني سابق في المصنع: "كنا نطلق على خطوط الإنتاج اسم "خطوط الإسعاف الأولي". ننتج ما يخفف الألم، لكننا عاجزون عن صنع ما يعالج السبب، فالمواد الفعالة المتخصصة كانت ممنوعة من الدخول".

في داخل أحد المصانع، يجلس الصيدلاني ماجد فؤاد خلف مكتبٍ بالٍ ومُغبر. كان هذا المكتب مركز إدارة الإنتاج، الذي توقف مع أول ضربة. يقول: "كنا نعيش على أمل أن تتحسن الأوضاع، لكن حتى قبل الحرب كانت المواد الخام تأتي متأخرة، كنا نعمل بنظام "القطعة المفقودة، إذا وصلت مادة واحدة فقط من 10، نوقف الخط كله".

ويضيف: "كنا نُعيد جدولة الإنتاج ونخفض الكميات، ونُحاول حفظ المواد في مخازن غير مناسبة. كان هناك خوف دائم من أن تتوقف خطوط التعبئة بسبب قطعة بلاستيك أو غطاء زجاجة."

قبل الحرب، لم تكن صناعة الدواء في غزة قادرة على تلبية سوى جزء محدود من احتياجات السوق المحلية، وفق تقديرات خبراء في القطاع الصحي، فيما كان الاعتماد شبه كامل على الأدوية الواردة عبر معبر كرم أبو سالم، أو تلك التي تصل بطرق غير منتظمة، بما في ذلك الأنفاق سابقًا، أو عبر الضفة الغربية بإجراءات معقدة وبطيئة. 

هذا النموذج الهش من التوريد خلق سوقًا دوائيًا يعاني نقصًا مزمنًا وتقلبات حادة في توفر الأصناف وأسعارها، حتى في الفترات التي سبقت الحرب.

مع الضربة الأولى، انكسرت الحلقة الأضعف: مصانع الأدوية لم تكن أهدافًا مباشرة، لكنها وقعت في قلب العاصفة. لم يعد الحديث عن استهداف مباشر للمصانع، بل عن تدمير شامل للبنية التحتية جعل أي نشاط صناعي مستحيلاً.

مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، يقول: "التهديد هو الحصار الذي يمنع دخول الوقود لتشغيل المولدات. عندما تحرم مليوني إنسان من الكهرباء والماء والدواء، فأنت تحرمهم من حقهم في الحياة".

في هذه البيئة، لم تعد المصانع قادرة على تشغيل خطوط الإنتاج أو الحفاظ على المواد الخام أو المنتجات المخزنة، فحتى إذا لم تُدمَّر مباشرة، فإنها سقطت مع انهيار النظام الكهربائي وتوقف الخدمات الأساسية.

الانهيار كان عبر ثلاث حلقات: المواد الخام، الطاقة والتخزين، والتوزيع. يقول مدير الرعاية الصيدلانية في وزارة الصحة الفلسطينية بقطاع غزة، علاء حلس: "منذ نوفمبر 2023، لم يدخل أي مواد خام. الخطوط توقفت لأنها ببساطة لم تعد تملك ما تعالجه."

في مستودع تابع للأونروا في غزة، شهد العاملون ارتفاعًا حادًا في درجة حرارة الثلاجات، من 2 إلى 25 درجة مئوية، ما اضطرهم إلى إخراج كميات كبيرة من الأنسولين واللقاحات واعتبارها ملوثة وغير صالحة للاستخدام.

ويضيف حلس: "أكثر من 37% من الأدوية الأساسية غير متوفرة، وأكثر من 59% من المستهلكات الطبية غير متاحة. نحن نتعامل بمنطق الإسعاف في ساحة معركة."

لم يكن الخطر فقط في ندرة الدواء، بل في كمية الإمدادات التي تصل إلى القطاع. فحتى عندما تصل الشحنات، فإنها غالبًا لا تكفي لأكثر من أسبوع، بسبب تقطع المعابر ونقص التخزين المناسب. وبسبب ذلك، يتلف جزء كبير من الدواء قبل أن يصل إلى المرضى، ما يجعل الأزمة ليست مجرد نقص في الأدوية، بل نقص في القدرة على حفظها وتوزيعها بشكل آمن وفعّال.

وراء كل مصنع مدمّر، هناك عائلات فقدت مصدر رزقها. في ردهة خلف أحد المصانع، كان أحمد جبر (32 عامًا) يعمل قبل الحرب.

يقول: "كنت أعرف كل مسمار في الآلات. الآن، مهارتي الوحيدة هي كيف أكسر جدارًا خرسانيًا دون أن يقع عليّ. الحرب دمرت حرفتي وكبريائي."

وتتسع ملامح الحزن في كلامه حين يضيف: "كنت أعمل 12 ساعة عندما يتوفر الوقود. بعد الحرب، لم أعد أعرف ماذا يعني "خط إنتاج"، أصبحت أجمع خردة لأطعم عائلتي."

وفي ظلّ انهيار منظومة التوزيع الرسمية، لم يعد الصيادلة قادرين على العمل ضمن صيدليات مركزية أو مخازن منظمة، بل انتقلوا إلى دور أشبه بالمسعفين والبائعين المتجولين، يبحثون عن أي جرعة يمكن إنقاذها.

يقول صيدلاني شاب: "في الحرب، لم يعد هناك مفهوم الصيدلية المركزية. نبحث عن الأدوية في الشوارع. مهنتنا تحولت من علم إلى غريزة بقاء."

ويضيف، بعد توقف الإنتاج، أن المخزون المتبقي يُستنزف بسرعة: "ما أصبحنا نقدمه هو ما أنقذناه من تحت الأنقاض، لكن الإبر الحساسة تُتلف فور انتهاء صلاحيتها، ولا يجوز استخدامه".

رامي نوفل أصيب بمرض السكري بعد استشهاد ابنه، يقول: "ابني استُشهد قبل عام، ومنذ ذلك الحين باتت معاناة السكري تتضاعف. لم أعد أجد الإنسولين بانتظام، وأصبحت أعيش على حافة الوعي."

يردف: "أحتفظ بحقن الإنسولين في مظروف داخل حقيبتي، وأضطر لإعادة استخدام الإبر أكثر من مرة. لا أعلم إن كان ما أحقنه ينفع أو يضر."

بالإضافة إلى ذلك، انتشرت السوق السوداء. تقول أمل مفيد (35 عامًا) لديها طفل مريض بالصدفية: "كان ثمن العلاج 35 شيكلاً، وفي الحرب تضاعف خمس مرات وأكثر، فأصبحت أبيع طعام المساعدات لأشتري الدواء. وكثيرا اضطررت لإعطائه نصف الجرعة."

أما إلهام السكافي، وهي مريضة سرطان المستقيم. تقول: "في 1 يونيو 2024 خضعت لأول جلسة كيماوي، وكان الألم قد أنهكني، لكن الجرعات لم تكن كافية لحالتي. مؤخرًا انقطعت تمامًا عن الجلسات بسبب نفاد العلاج الكيماوي من مشافي غزة، ما تسبب في تدهور صحتي."

الواقع الأكثر ايلامًا ليس فقط فقدان العلاج، بل فقدان منظومة كاملة كانت تدعم حياة الناس. فحين تتوقف المصانع، لا تتوقف الآلات فحسب، بل يتوقف معها الاقتصاد والمعرفة والفرص.

يشير خبراء اقتصاديين إلى أن انهيار الصناعة الدوائية في غزة لا يقتصر على تدمير آلات الإنتاج فحسب، بل يمتد ليصيب اقتصاد المعرفة نفسه، مستهدفًا الكوادر الفنية والصيدلانية التي تقوم عليها هذه الصناعة، ومقوضًا قدرة القطاع على التعافي بعد الحرب. 

مع توقف الإنتاج، شُلّت أيضًا النشاطات التجارية الصغيرة المرتبطة بتوزيع الأدوية المحلية، وتحوّل السوق إلى حالة من الفوضى، حيث لم يعد تحكمه منظومة صحية أو اقتصادية واضحة، بل منطق الندرة والبقاء.

التساؤل عن عودة مصانع الأدوية يعني سؤالًا أكبر عن إعادة بناء غزة. الخبراء يشترطون وقف الحرب ورفع الحصار وإعادة بناء الكهرباء والمياه وتمويل ضخم وشراكات دولية. ومع ذلك يبقى الأمل، لكن القرار النهائي يعود للعالم: هل يريد لغزة أن تعيش بكرامة أم أن تبقى متلقية للمساعدات؟