ترتدي رويدة الفيصل (45 عامًا) ترتدي إسدالًا داكنًا للصلاة وتتحرك بهدوء بين الأطفال، ترتب الأغطية وتجمع الأواني القليلة قرب مدخل الخيمة. كلماتها قليلة، لكن صمتها يبدو مثقلًا بحكايات ثقيلة، بينما تواصل انشغالها اليومي داخل خيمة صغيرة في أحد مخيمات النزوح وسط مدينة غزة.

فقدت الفيصل عددًا من أفراد عائلتها وعايشت مرات غير معدودة من النزوح والتشرّد خلال الحرب. تقول بصوت هادئ: "ليس كل شيء يمكن التعبير عنه بالكلام. هناك أمور داخلنا أكبر من أن تُقال. ما أصابنا كثير وصعب، لكن لا يوجد ما بيدنا فعله… نحاول الصمود بصمت".

منذ اندلاع الحرب تغيّرت حياتها بالكامل. لم تعد تميل إلى الحديث عن التفاصيل، بل تكتفي بما تراه واجبًا يوميًا: رعاية الأطفال، ترتيب الخيمة، ومساعدة النساء حولها عند الحاجة. وبينما تعيد ترتيب غطاء لطفل صغير تضيف: "أحيانًا يكون الصمت أهون… الكلام لا يغيّر الواقع، لذلك نحاول فقط أن نمضي في يومنا".

ثم تختصر عامين ثقيلين "عامي الحرب والتشرّد والنزوح وتبدّل الحال" بجملة واحدة قبل أن تعود لانشغالها: "نحن فقط نريد أن نعيش ونحافظ على ما تبقّى معنا".

في المخيم ذاته، تجلس مرح عجور (38 عامًا) بعد تناول العائلة الطعام، ترتب بعض الأواني البلاستيكية القليلة. تتحرك بهدوء بين مهامها اليومية، وكأنها تحاول إبقاء الحياة مستمرة رغم كل ما تغيّر حولها. حضورها واضح في تفاصيل المكان، من ترتيب الأغطية إلى متابعة الأطفال وهم يلعبون قرب الخيمة.

لكن خلف هذا الهدوء، تحمل عجور ذاكرة مثقلة بما رأته خلال النزوح المتكرر. فقد عايشت مشاهد قاسية، ورأت جثثًا متفحمة في الطرقات، ومضت شهور طويلة لم تفارق فيها رائحة الموت أنفها. حتى بعد أن هدأت بعض الأصوات حولها، ظلّت أصداء الانفجارات عالقة في سمعها، تلاحقها في اليقظة وتوقظها في كوابيس متكررة. تقول إنّ الفزع الذي عاشته آنذاك كان من شدته يبدو وكأنه لن يمضي أبدًا.

تقول عجور، وملامح التعب واضحة على وجهها؛ فالتجاعيد التي ظهرت مبكرًا حول عينيها، ويداها الخشنتان من إشعال النار يوميًا لطهي الطعام، توحيان بأنها أكبر من عمرها بكثير: "كنت ثرثارة، أتحدث كثيرًا وأشارك تفاصيل حياتي بالكامل. كنت أشعر بالفرح والطاقة، اليوم أجد أنّ الصمت أفضل. الواقع صعب، والكلام لا يغيّر شيئًا".

وتوضح أن الأحداث التي مرت بها خلال الحرب جاءت "بسرعة وثقل"، ما جعلها تميل إلى الاحتفاظ بمشاعرها لنفسها. ثم تنظر إلى أطفالها القريبين منها وتقول بهدوء: "عندما أراهم بخير، أشعر أن هذا أهم من أي كلام".

تتوقف لحظة، قبل أن ترتسم على وجهها ابتسامة خفيفة وتضيف: "نحن نتحدث بأفعالنا… ليس من الضروري أن يكون الكلام دائمًا".

بعيدًا عن ضجيج المخيمات وأحاديث النساء، تقف سمر الكحلوت (32 عامًا) قرب نافذة نصف مفتوحة في شقة سكنية قديمة شبه فارغة في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة. انتقلت إليها بعد أن فقدت منزلها، لكنها شقة متعبة مثل ساكنتها؛ جدرانها متشققة، وسقفها يسمح لمياه المطر بالتسلل إلى الداخل كلما هطل المطر. عندها تضع دلاءً في الزوايا وتحت النوافذ لتجمع الماء المتسرب.

الغرف الخالية من العفش حولها تعكس فراغًا يشبه ما خلفته الحرب في حياتها. تعيش هنا ما تسميه "حياة الخيام داخل البيت": ملابسها ما تزال محفوظة في حقائب، وأدواتها المنزلية قليلة ومحدودة، ولا يكاد المكان يحتوي إلا على الضروري للبقاء. تقول إن الحياة تمضي بصعوبة، بين تدبير أبسط الاحتياجات اليومية ومحاولة التأقلم مع واقعٍ ثقيل من الشقاء وعدم الاستقرار.

تقول بصوت منخفض: "هناك أمور، لو تحدثنا عنها، قد نتعب أكثر… لذلك نصمت". فقد أجبرتها الحرب على ترك منزلها والانتقال إلى هذه الشقة، لكنها تحاول التعامل مع الواقع بهدوء، دون التوقف طويلًا عند خسارات حياتها، إذ ترى أن الصمت ليس ضعفًا فهو أحيانًا الطريقة الوحيدة للاستمرار.

لكن الصمت في غزة اليوم لا ينبع دائمًا من طبيعة هادئة. فبعض النساء عرفن يومًا بالحضور الصاخب والروح الاجتماعية، قبل أن تغيّر الحرب إيقاع حياتهن بالكامل.

من هؤلاء، سلوى المناعمة (41 عامًا)، التي كانت معروفة بين جاراتها بحضورها الدائم في المناسبات والزيارات العائلية. امرأة اجتماعية بامتياز، تحب الحديث والضحك وتحافظ على التواصل مع الجميع في محيطها العائلي والمهني. 

لكن عامي النزاع غيّرا الكثير؛ فقد كانت يومًا شعلة من النشاط والحيوية، لكنها تبدو اليوم وكأن تلك الشعلة قد انطفأت تحت وطأة ما مرّت به. تقول: "كنت أحب الكلام واللمة… اليوم أشعر أنني لا أستطيع استيعاب كل ما مررنا به من نزوح وفقد وخسارات".

وتوضح أن حياتها تغيّرت بالكامل، قائلة إن نمط حياتها انقلب "180 درجة"، من حياة مريحة إلى واقعٍ مليء بالمشقة. تردف: "كنت أعيش في نعيم نسبي، لم أتخيل يومًا أن أضطر لإشعال النار للطهي ولو مرة واحدة… فإذا بي أفعل ذلك لعامين وأكثر".

وتتابع أن تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو بسيطة سابقًا تحولت إلى عبءٍ ثقيل: إشعال النار لطهي الطعام، نقل المياه يدويًا، والعيش في ظروف مضنية في حياة الخيام، إلى جانب سلسلة طويلة من الصعوبات التي لا تنتهي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ كثافة الأحداث خلال العامين الماضيين جعلتها تميل أكثر إلى الصمت، وكأن الكلمات لم تعد قادرة على ملاحقة ما يجري: "ليس لأنه لا يوجد كلام… لكن ما حدث أكبر من أن يُقال".

رنا حسان (35 عامًا) أيضًا تعيش تجربة مشابهة. تقف في المخيم الذي نزحت إليه وسط مجموعة من الأطفال، ترتب الألعاب واللوازم التي ستستخدمها في نشاط تعليمي وترفيهي. كانت معروفة بين جاراتها بحضورها الدائم في النشاطات المجتمعية، واليوم أصبح الصمت جزءًا من أسلوبها، لكنها لم تتوقف عن العمل مع الأطفال.

تروي بابتسامة خفيفة: "أحب أن أرى الأطفال يضحكون ويلعبون. حتى وإن لم أتكلم كثيرًا، نشاطنا معًا يجعلهم ينسون قليلًا صعوبة الحياة".

وتضيف أن اللعب مع الأطفال يخفف عنها أيضًا وطأة ما تشعر به ولا تستطيع البوح به: "الصمت ليس ضعفًا. أفعالنا أحيانًا أبلغ من الكلام، خصوصًا مع الأطفال. عندما نلعب ونعلمهم نشعر أننا نزرع أملًا… حتى بصمت".

تشير تقديرات أممية إلى أنّ نحو مليون امرأة وفتاة نزحن قسرًا داخل قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، فيما فقدت الغالبية منهن الخصوصية في أماكن النزوح بسبب الاكتظاظ وغياب الخدمات الأساسية. وتشير دراسة ميدانية أُنجزت بدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 94% من النساء النازحات أفدن بأنهن لا يشعرن بالأمان أو الخصوصية في أماكن النزوح.

ووفق معطيات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تشكّل النساء نحو 49% من سكان فلسطين، أي ما يقارب 2.74  مليون امرأة حتى نهاية عام 2025، منهن نحو 1.06 مليون في قطاع غزة. وتؤدي النساء دورًا أساسيًا في الحفاظ على تماسك الأسرة وإدارة تفاصيل الحياة اليومية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.

ومع تحوّل آلاف النساء إلى معيلات وحيدات لأسرهن، في ظلّ تراجع حاد في خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، بعد تعطّل عشرات المساحات المخصصة لتقديم هذا الدعم في غزة، أصبح الصمت والعمل اليومي الصامت إحدى الوسائل التي تلجأ إليها النساء لحماية استقرار أسرهن ومواصلة الحياة رغم الضغوط.

خلف هذا الصمت الذي يخيّم على حياة كثير من النساء في غزة تقف ضغوط نفسية واجتماعية عميقة خلّفتها الحرب، وهو ما يفسّره مختصون باعتباره استجابة إنسانية لمحاولة التكيّف مع واقع مليء بالفقد والخسارة.

توضح الأخصائية النفسية عطاف العبسي أن الصمت لدى كثير من النساء في غزة تحوّل خلال عامين من الحرب إلى ما يشبه "آلية دفاعية" نفسية. وتقول إن هذا الصمت لم يعد مجرد غياب للكلام، بل وسيلة لحماية ما تبقّى من التوازن الداخلي في ظلّ الخسارات والضغوط المتواصلة.

وتشير العبسي إلى أن هذا الصمت قد يأخذ شكلين. الأول هو "صمت التكيّف"، وهو صمت اختياري نابع من محاولة إدارة الواقع بهدوء عبر التركيز على الأفعال اليومية، مثل رعاية الأطفال وتنظيم الحياة داخل الخيمة أو المنزل. 

أما الثاني فهو "صمت الاحتراق النفسي"، الذي يظهر عندما تصل المرأة إلى مرحلة من الإرهاق العاطفي بعد تراكم الصدمات، فتفقد الكلمات قدرتها على التعبير ويصبح الصمت وسيلة لحماية النفس من الانهيار.

ومن منظور جندري، تؤكد الناشطة في العمل المجتمعي والجندري أمال أبو صفية أن الصمت الذي تعيشه كثير من النساء في غزة لا يعني الغياب أو الاستسلام، بل يعكس حجم الضغوط التي تتحملها النساء في ظل النزوح والحرب وفقدان الأمان.

وتشير إلى أن النساء يواصلن أداء أدوار أساسية داخل الأسر والمجتمع رغم الظروف الصعبة، من رعاية الأطفال إلى تنظيم تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات والبيوت المتضررة، مؤكدة أن ما تقوم به النساء يوميًا يسهم في إبقاء الحياة ممكنة رغم الظروف القاسية.

لكن في غزة اليوم، يتجلّى حضور النساء في تفاصيل يومية صغيرة، يد ترتب خيمة، امرأة تنظّم حياة عائلة داخل دورة نزوح لا تنتهي، وأخرى تبتسم للأطفال رغم كل شيء. هنا، يصبح الصمت نفسه حكاية، حكاية نساء يواصلن الحياة، لا بالكلمات، بل بالفعل اليومي الذي يقاوم الخسارة ويحاول، بصبرٍ هادئ، إعادة ترتيب العالم من حولهن.