في بيوت الطوب- النسخة المحدثة من شتات خيام- وفي ليالي الشتاء القارسة، حيث تخرق لسعة البرد العظم، وتقرص القلب، كنا نتحلق حول الكانون، كتحلق الأكلة على قصعتها، يحاول كل منا نيل نصيبه من الدفء بالاقتراب إلى المسافة صفر من تلك النار الموقدة حتى تتورد خدودنا ويتدفق الدم في أطراف أصابعنا المتجمدة، فنخلد إلى النوم تحت دفء البطاطين ورائحة الدخان الذي يزكم أنوفنا.

كانت “البكجة”، معقد آمالنا، ومهوى أفئدتنا، ننتظرها على شوق، رغم أنها لا تأتي دائما ملبية لرغباتنا، بأحجامها وألوانها العجيبة وزركشاتها الغريبة، وما يكتب عليها من تحذيرات صارمة بأنها ليست للبيع ولا للمبادلة.

فكانت أمي طيب الله ثراها تُكرهنا على ارتداء تلك الأسمال الثقيلة المتراكمة فوق أجسادنا الغضة وهي تردد حكمتها- تعليماتها- "اتقوا البرد بالجرد".

أمس أرسل لي صديق في إحدى خيام اللجوء بغزة رسالة يصف فيها الفزع الذي عاشه وعائلته في تلك الخيمة التي ترتجف فيها الأجساد العارية: "صديقي: الجو في غزة ليس طقساً، بل فزعٌ يخلع قلب الخيمة. رياحٌ تعصف بالأرواح المرتجفة، ومطرٌ يهطل يزيد الارتعاشات، يغرق الخيام ويُرجِف الأجساد العارية من الدفء. في الخيام، يرتجف الناس من البرد، وتغرق أحلامهم مع كل قطرة مطر.

هنا تُعاش حياة الجحيم كاملة: منزلٌ ينهار فوق ساكنيه، وخيمةٌ تطير عن سطح مبنى، وساكنوها معلّقون بين السماء والسقوط، بين الخوف والموت. هذا ليس خبرًا عابرًا.

هذا هو مختصر حياة أهل غزة هذا الصباح:

نجاةٌ مؤقتة، ورعبٌ دائم، وانتظارٌ طويل لرحمةٍ منتظرة."

 

ملاحظة/ هذا المقال يُعبر عن رأي كاتبه.