تقف الفنانة ندى رجب في قاعة أفراح واسعة يلفّها صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صدى الألوان التي بدأت تعود إلى الحياة على الجدران. في الخارج، يحيط الركام بالمكان وتبدو آثار الحرب واضحة، أما في الداخل فثمة محاولة حثيثة لاستعادة وجه الحياة البهي، ولو مؤقتًا، عبر ريشة تبحث عن مساحة للنجاة.
تستند ندى بظهرها إلى حائط أعادت تشكيله بيديها بعدما كان متشققًا ومحمّلًا بالشظايا وعلامات القصف. امتدت على سطحه خطوط متداخلة بألوان مبهجة، تتخللها ورود متناثرة، كأنها تحاول أن تنبت من بين الشقوق وتعلن بداية جديدة.
تتأمل عملها بابتسامة هادئة، كأنها ترى ما هو أبعد من مجرد رسم؛ ترى ذاكرة تُرمم، وبهجة تُستعاد تدريجيًا. تمرر يدها على الجدار، فتتلطخ أطراف أصابعها بالألوان، قبل أن تقطع صديقتها لحظة التأمل بإعجابها بما أنجزته.
تقول، وهي تضع ألوانها في حقيبتها الصغيرة وتمسح يديها: "إن الاعتماد على الرسامين الشغوفين لتزيين الأماكن أعتبره إضافة حياة للأماكن. الفن روح وحياة، وليس مجرد ألوان توضع على الجدران. أشعر بسعادة عارمة وأنا أرى الجدران ملونة بأيدٍ بشرية في المقاهي والمطاعم، وليس بمجرد ورق حائط أو غيره من الرسوم التي بلا روح".
لم تبدأ رجب، البالغة من العمر 22 عامًا، رحلتها مع الرسم على الجدران خلال النزاع فقط، بل تعود بدايتها إلى طفولتها، حين كانت في الثالثة عشرة من عمرها، ورسمت على جدار منزلهم لوحة فنية تضم أسماكًا وأخطبوطًا ومخلوقات بحرية. كانت تلك الجدارية أول ما خطته يداها، لكن المنزل والجدار دمرهما الاحتلال خلال الحرب الأخيرة.

برز الفن الجرافيتي في غزة بصورة أوضح بعد الحرب، خصوصًا في المقاهي والمطاعم وقاعات الأفراح، بعدما كان الاعتماد الأكبر على ورق الحائط ووسائل التزيين التقليدية الأخرى. لكن بفعل الحرب والحصار، توقفت مثل هذه المنتجات عن الدخول إلى غزة، فيما أصبح الموجود منها باهظ الثمن؛ ما دفع أصحاب الأماكن إلى اللجوء للفن الجرافيتي كبديل عملي وجمالي.
ويُعرف الفن الجرافيتي بأنه أسلوب فني يعتمد على الرسم والكتابة على الجدران، يعبّر من خلاله الفنان عن أفكار أو مشاعر أو رسائل معينة عبر اللوحات. وقد نشأ هذا الفن في الشوارع، لذلك يُعد جزءًا من "فن الشارع".
هذا التحول أضفى على الأماكن روحًا جديدة وحية؛ فلم تعد الزينة مجرد إضافة شكلية، بل تحولت إلى تجربة بصرية تحمل طابعًا إنسانيًا وتعكس قصصًا وهوية، لتغدو الجدران نفسها جزءًا من الحكاية، لا مجرد خلفية لها.

أما الفنان عدنان أبو يوسف، فتوقف عن الرسم خلال فترة الحرب نتيجة نقص الأدوات وارتفاع أسعارها بشكل كبير، ما دفعه للابتعاد مؤقتًا عن فنه، لكنه لم يتخلّ يومًا عن شغفه. عاد لاحقًا حين تمكن من تأمين أدوات محدودة تساعده على الاستمرار، إذ يرى أن الفن الجرافيتي له خصوصيته وقدسيته، ويتميز بجماله الفريد كوسيلة تعبير قادرة على نقل المشاعر والواقع على الجدران.
يقول، وهو يقف قبالة جدار بيته المحترق والمتشقق الذي أصرّ على أن يرسم عليه: "رسمت على جدار بيتي لوحة فرغت فيها مشاعري، جسدت فيها تمسك الفلسطيني بأرضه في مواجهة الاحتلال، وكانت رسالة بأننا أصحاب الأرض والزيتون يشهد. ولم تكن تلك الجدارية الوحيدة، بل دُعيت أيضًا لرسم لوحة على جدار روضة أطفال فأسميناها: هنعمرها".
ويرى أبو يوسف أن "الحاجة أم الاختراع"، وأن الفنان يبدع ضمن الإمكانيات المتاحة في عملية التزيين، حيث حدثت نقلة نوعية عبر الاعتماد على الجهد البشري في بث روح جديدة في الأماكن العامة. كما ساهم هذا التوجه في توفير مصدر دخل مادي للفنانين، من خلال دعوتهم للرسم في المقاهي وأماكن مختلفة، ليصبح هذا العمل وسيلة دعم اقتصادي تساعدهم على الاستمرار في ممارسة فنهم.
ويؤكد أن انتشار الفن الجرافيتي حاليًا ليس وليد الحرب، بل هو معروف منذ سنوات طويلة، إذ سبق له أن رسم جداريات فنية على جدران المدارس، ويعتز بشكل خاص بجداريته المسماة بـ "الشمس لا تُغطى بغربال"، لكن معظم الجداريات التي شارك فيها دُمرت خلال الحرب.
أما شريف سرحان، وهو فنان من الجيل الذي عاش طفولته خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، فقد تركت تلك المرحلة أثرًا عميقًا في تجربته الفنية. وانضم إلى الفن الجرافيتي، إذ يرى أن الناس تتفاعل معه أكثر لأنه يحمل روحًا أكبر، فيما يفضل البعض الرسوم التي تحكي فكرة محددة، وآخرون يميلون إلى الجمالية بحسب المكان.
يقول: "كانت أول مشاركة لي في جدارية ضمن فعالية لإحياء ذكرى النكبة، على جدارٍ محيط مربع السرايا وسط غزة. وأرى أن تطور الرسم على الجدران بدأ مع الانتفاضة الأولى، حين استخدم الفنانون والخطاطون الجدران لنقل رسائلها، ومن هنا انطلق كأداة للتعبير عن الذاكرة الوطنية والقضايا الاجتماعية والمناسبات".
يردف: "الجداريات في غزة غالبًا أعمال جماعية تمنحها قوة أكبر. كنت أميل لمشاريع كبيرة في الفضاء العام، لكن دُمّر كثير منها، مثل عمل "المنارة" في ميناء غزة. ومن أحب الأعمال إلى قلبي جدارية "أنقذوا غزة" عام 2015، بطول نحو 40 مترًا وارتفاع خمسة أمتار".

على نحو مشابه، يرى الفنان أيمن الحصري أن الفن ليس للربح فقط، بل شغف يُمارس بحب. اضطر مع بداية الحرب إلى التوقف، قبل أن يعود بوسائل بسيطة، مستعينًا بأقلام مستعارة للرسم على الخيام كمساحة للتفريغ عن مشاعره.
وعن دور الجرافيتي اليوم، يقول: "كل جدارية تحمل رسالة وتوثق واقعًا، لكن في المقاهي أكون مقيدًا بطلبات صاحب المكان؛ بين رسومات وطنية أو جمالية. ومع غياب اللوحات وورق الحائط، تصدّر الجرافيتي كفن جمالي وتوثيقي".
ويشير إلى أن الرسم في المقاهي بات أقرب لعمل تجاري بعائد مجزٍ وأقل كلفة من البدائل، بعدما كان قبل الحرب يقتصر على لوحات صغيرة لا جداريات كاملة. ويضيف: "نواجه صعوبة في توفير الأدوات، فنعمل بالمتاح، حتى أنني رسمت من فحم الحطب المستخدم للطهي، وكثيرون اتجهوا للرسم في المقاهي".
وقبل الحرب، ترك الحصري بصمته في "الحارة الملونة" بحي الزيتون، التي دُمرت لاحقًا، إلى جانب جدارية على الممشى الغربي عند دوار النابلسي جنوب غرب مدينة غزة.

ويُعد الرسم على الجداريات شكلًا من التعبير البصري الذي يحوّل الجدران إلى لوحات نابضة، لا تزيّن المكان فقط، بل تحمل أبعادًا نفسية تساهم في تخفيف التوتر وتتيح للفنانين التعبير عن تجاربهم مباشرة.
فلماذا يلجأ الناس بعد الحروب إلى إعادة تشكيل الأماكن بصريًا وفنيًا؟ تجيب المختصة النفسية نورا أبو عيطة: "لأن الحروب تترك فراغًا نفسيًا ودمارًا بصريًا، فيلجأ الناس إلى الفن لاستعادة الشعور بالسيطرة والأمان. الألوان تمنحهم إحساسًا بأن الحياة مستمرة وأنهم قادرون على خلق واقع أفضل من الركام".
وتوضح أن الفن التشكيلي وسيلة علاجية لتفريغ المشاعر وتخفيف الضغط النفسي، كما تمنح الجداريات المجتمع سردية مشتركة ورموزًا توحده، وتعيد له الإحساس بامتلاك المكان، ما يدعم التعافي الجماعي.
وتشير إلى أن الألوان تعزز الشعور بالراحة وتقلل التوتر، مؤكدة أن الفن بعد الحروب يتحول من زينة إلى لغة مقاومة تحفظ الذاكرة والهوية. وعن تراجع الديكور التقليدي، تقول: "لأن الناس باتوا يبحثون عمّا يمثلهم ويعبر عن واقعهم، لا عن أشكال جاهزة".
وتضيف أن ذلك يعكس تحولًا ثقافيًا، حيث يصبح الفن لغة يومية لبناء الوعي الجماعي، ويمكن دعمه عبر تمويل مبادرات الجداريات وإدخال الفن العلاجي وتدريب الشباب.