بين شارع جلال غرب خان يونس ومخيمات النزوح العشوائية جنوب قطاع غزة، تروي نساء غزة فصلاً جديداً من فصول الصمود اليومي.
في مشهد متكرر، تجلس المسنة نغين بن عيسى، خلف ماكينة خياطة متهالكة لا تمثل حرفة بقدر ما تمثل فرصة أخيرة أمام انهيار المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة التي تضرب قطاعاً يعاني من واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
لم تكن الحرب التي اجتاحت القطاع مجرد موجة عنف عابرة، بل أعادت تشكيل بنية الأسرة الفلسطينية من جذورها. ومع تصاعد وتيرة القصف وفقدان العائل، تحولت آلاف النساء بين ليلة وضحاها من ربات بيوت إلى معيلات وحيدات، يواجهن واقعاً لا يرحم يقوده الغلاء وشح المياه وتداعي شبكات الحماية والأمان الاجتماعي.
في ورشة صغيرة بشارع جلال، تبدو يدا نغين بن عيسى، السيدة المسنة، متعبتين وهما تتحركان بدقة فوق قماش بالٍ. تقول بن عيسى لـ"آخر قصة": "هذه المهنة متعبة للغاية، ولكن من سيطعمنا؟ لولا جارنا الذي سمح لي بالجلوس في متجره، لكان الوضع كارثياً. أُجبرت على العودة للخياطة بعدما توقفت مساعدات الشؤون الاجتماعية فجأة".

هذه العودة لم تكن سهلة. تواجه بن عيسى، كغيرها من أصحاب المهن الصغيرة، قفزات جنونية في الأسعار نتيجة القيود المشددة على إدخال البضائع والاحتكار الذي يشهده السوق بفعل استغلال التجار وسط انعدام كامل لوسائل الرقابة وانهيار أدوات إنفاذ القانون.
توضح السيدة المسنة: "المقص كان بخمسة شواكل، وأصبح بخمسة عشر، الخيوط ارتفعت من ثلاثة شواكل إلى خمسة عشر، وحتى متر القماش تضاعف سعره ست مرات، في كثير من الأحيان لا نجد حتى الخيوط في السوق".
لا تعكس هذه الحالة وحدها حجم الكارثة، فعلى مقربة من مستشفى ناصر، تدير السيدة "جود كوارع" بسطة صغيرة لبيع الملابس الجاهزة، في سباق مرير مع الزمن يمتد من السادسة صباحاً حتى الخامسة مساءً. لم تكن الخياطة أو التجارة خياراً بقدر ما كان استجابةً إجبارية لفقدان العائل بالنسبة لتلك السيدتين.
تقول كوارع، التي فقدت زوجها ووالديها في الحرب: "بعتُ الملابس لأطعم أولادي. لكن بعد العمل، أعود لأطبخ وأخبز وأغسل، لا يوجد وقت للراحة إطلاقاً".
ما تعيشه بن عيسى وكوارع، أصبح القاعدة في قطاع غزة بعد أن كان استثناء. تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن أن النساء يدفعن أثمن باهظة في هذه الحرب، حيث ارتفع عدد الأرامل إلى 22,057 امرأة، بينما قفزت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 12% قبل الحرب إلى نحو 18% في أواخر عام 2025.

من جانبها، تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) أن أسرة من بين كل سبع أسر في غزة تديرها امرأة الآن، مما يعني وجود أكثر من 16 ألف امرأة فقدن أزواجهن ويتحملن عبئاً مضاعفاً في اتخاذ قرارات مصيرية وسط المجاعة والنزوح.
لم تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي فقط؛ فالحرب تركت ندوباً عميقة في البنية الجسدية والاجتماعية. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن في غزة منذ أكتوبر 2023، بينما تعيش أخريات مع إعاقات دائمة نتيجة القصف العشوائي للمنازل والبنية التحتية.
لا تقتصر المعاناة على توفير الدخل، بل تمتد لتفاصيل الحياة اليومية التي تحولت إلى كابوس. في مخيمات النزوح الممتدة على طول القطاع، بات مشهد الطوابير الطويلة من النساء والأطفال الذين ينتظرون لساعات تحت الشمس للحصول على جالونات مياه شرب هو "الروتين الجديد".
المتحدثة باسم هيئة الأمم المتحدة للمرأة في جنيف، صوفيا كالتورب، وصفت خلال إفادة صحفية عقدت في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 المشهد الذي رأته بأم عينيها: "النساء في غزة يحاولن حماية أطفالهن من الجوع والبرد. العيش في وقف إطلاق النار لا يعني العيش بسلام. الطعام لا يزال شحيحاً وأسعاره أغلى بأربع مرات مما كانت عليه قبل الحرب. حتى البيضة الواحدة قد تصل تكلفتها إلى دولارين أمريكيين".
وتضيف التقارير الحقوقية أن نحو مليون امرأة وفتاة في غزة يعشن تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الصحية، حيث تفتقر واحدة من بين كل أربع نساء إلى الرعاية الصحية الإنجابية، وتكافح 700 ألف فتاة لإدارة محيط الدورة الشهرية في ظروف تفتقر لأبسط مقومات النظافة والخصوصية.
برغم هذا المشهد القاتم، تواصل النساء في غزة الابتكار والكفاح في سوق عمل غير مستقر، محاولات العيش في ظل ظروف قاسية حيث انهارت شبكات الدعم الاجتماعي تماماً.
وتطالب المنظمات الدولية المجتمع الدولي بعدم النظر بعيداً، مؤكدة ضرورة إيصال المساعدات بشكل آمن ومستدام، وإشراك النساء في خطط الإغاثة وإعادة الإعمار، لأنه كما قالت إحدى العاملات في المجال الإنساني: "لا ينبغي لأي امرأة أو فتاة أن تكافح بهذه القسوة فقط من أجل البقاء على قيد الحياة".