يغرس المزارع قاسم فياض فأسه القديم في أرضه الزراعية في دير البلح وسط قطاع غزة، ويقلب بها التربة ويهوّيها، محاولًا تعريضها لأشعة الشمس للحد من الميكروبات وتحسين جاهزيتها للزراعة. منذ يوليو/تموز، يبدأ فياض تجهيز أرضه للموسم الزراعي الخريفي، ويستعين بما يتوفر حوله من مخلفات عضوية وروث الحيوانات، في محاولة لتعويض النقص في الأسمدة الزراعية.

لم يكن هذا الفأس أداته الأساسية قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (أكتوبر 2023- الآن). كان لدى فياض أراضٍ زراعية في القرارة بخان يونس جنوبي قطاع غزة، تضم أشجار زيتون معمرة يزيد عمر بعضها على 300 عام، لكن الاحتلال دمرها، ليبدأ من جديد في المحافظة الوسطى. ومع قلة الإمكانات، يفعل اليوم كل شيء بيديه لتجهيز أرضه للموسم الخريفي الذي يبدأ في 15 سبتمبر/أيلول.

يضع فياض فأسه جانبًا ويقول: "كنا قبل الحرب نحضر الأرض للزراعة الخريفية بالمحراث وبأدوات متطورة، وبأسمدة متاحة وسهل الحصول عليها. اليوم لو فكرت أن أجلب تراكتور للحراثة سأدفع أثمانًا مضاعفة عما قبل الحرب، لذلك أبدأ من الفجر حتى الساعة العاشرة بالحراثة بيدي، آخذ رماد النار كبديل للسماد، عدنا لكل شيء بدائي".

في الخريف، يزرع فياض محاصيل مثل السلق، والجرجير، والفول، والجرادة، والسبانخ، والملفوف، والزهرة، والفجل، والبقدونس، ليحصدها ويبيعها لاحقًا. وبينما يصنع سماده بطرق بدائية، يستعيد أيضًا تجربة الزيتون التي لم تعد كما كانت، مضيفًا: "كنت أزرع الزيتون لكني في ثلاث مواسم لم أحصد كما قبل الحرب، 20% من الإنتاج فقط، وهذا يشكل خسارة لي".

أرض تتقلص

قصة فياض جزء من واقع زراعي تقلصت فيه المساحات المتاحة للزراعة بشدة. ووفق أحدث تقييم للفاو وUNOSAT، لم تعد سوى 3% من الأراضي الزراعية في غزة متاحة وغير متضررة، فيما كانت 4091 هكتارًا، أي 27% من إجمالي الأراضي، متاحة للوصول حتى 24 يونيو/حزيران 2026، منها 448 هكتارًا فقط غير متضررة، بينما تحتاج 3643 هكتارًا إلى إعادة تأهيل. وانخفضت المساحة المتاحة وغير المتضررة بنسبة 25.5% منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، مع تسجيل دير البلح وخان يونس أكبر تراجع.

ولا تتوقف الأزمة عند الأرض؛ إذ يواجه المزارعون نقصًا في البذور والأسمدة ومعدات الري والوقود وسائر مستلزمات الإنتاج، فيما تضررت مساحات واسعة من الدفيئات الزراعية وأصبحت خارج الإنتاج. ورغم تأهيل نحو 24 هكتارًا من الدفيئات وإنشاء 22 هكتارًا جديدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 وأبريل/نيسان 2026، تظل قدرة القطاع الزراعي محدودة.

ومع بدء الموسم الخريفي، يهيئ المزارعون ما يستطيعون الوصول إليه لزراعة البطاطا والبصل والجزر والخضروات الورقية، مستعينين بوسائل بدائية وأسمدة طبيعية في ظل شح الموارد. ويشير تقييم الفاو وUNOSAT إلى أن تراجع إمكانية الوصول إلى الأراضي، المرتبط أساسًا بتوسع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، أصبح العامل الرئيسي في تقلص المساحات المتاحة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، فيما سجلت دير البلح أكبر تراجع في مساحة الدفيئات المتاحة وغير المتضررة. وفي رفح، يتعذر الوصول إلى 97.2% من الأراضي الزراعية و98.4% من مساحة الدفيئات. ويمكن الاطلاع على التقييم الجغرافي المكاني الكامل للفاو وUNOSAT.

وقال مدير مكتب الطوارئ والقدرة على الصمود لدى الفاو، رين بولسن: "إن مزارعي غزة يثبتون في كل مرة أنه متى توفرت الأرض والمستلزمات الزراعية، يصبح الإنتاج ممكنًا، ولكن بدون اتخاذ إجراءات عاجلة لاستعادة الوصول الآمن وتوفير الدعم اللازم للمزارعين، ستقل فرص عودة الإنتاج الغذائي المحلي".

زراعة بإمكانات بدائية

أما المزارع ناهض الأسطل، فلا يختلف كثيرًا عن فياض؛ إذ بدأ حديثه بالقول: "نحن كمزارعين عدنا 100 عام للوراء في الزراعة، بعدما تطور القطاع الزراعي قبل الحرب كثيرًا". يمتلك الأسطل 50 دونمًا يحاول تهيئتها للخريف قدر المستطاع، بإمكانات بدائية محدودة.

ويشدد على ضرورة تدخل المؤسسات الدولية لدعم المزارع المحلي، قائلًا: "اليوم بالكاد نواصل زراعة المحاصيل الخريفية، نوفر البذور بأسعار مضاعفة، ويوجد منا من جلب كباشات ورفع 30 سنتيمترًا من الأرض لتهيئتها للزراعة، وبدأ العمل. في المقابل، التسميد صعب للغاية، لا يوجد إلا القليل من بقايا روث الحيوانات، ولا مخلفات بالعموم لاستخدامها، لكننا نواصل تهيئة أراضينا بأيدينا".

ولا ترتبط المشكلات الزراعية في غزة بموسم الخريف وحده، وفق المهندس الزراعي محمد الفرا، إذ إن التربة نفسها أصبحت منهكة ومستهلكة نتيجة الزراعة المكثفة من قبل المزارعين، بفعل تضاؤل حجم الأراضي الزراعية، إلى جانب مشكلة النيماتودا والأمراض الفطرية، في ظل نقص المبيدات اللازمة والممنوعة من دخول القطاع.

ويقول الفرا إن المزارع يهيئ أرضه الآن لزراعة الخريف، موضحًا أن الأمطار الخريفية تؤدي إلى زيادة الرطوبة في التربة، وبالتالي زيادة النشاط الميكروبيولوجي والماكروبيولوجي، إضافة إلى غسل أملاح التربة وتقليل درجة التوصيل الكهربائي. لكن زيادة الأمطار في بعض الحالات قد تتسبب في انجراف التربة وتخريب المزروعات، من دون قدرة على حمايتها بطرق متقدمة جراء انعدام المستلزمات.

ويشرح أن الطريقة المثلى لتهيئة الأرض قبل الزراعة تبدأ بعد عملية التعقيم الشمسي والتعقيم الكيميائي للتربة، ومع بداية أولى الهطولات المطرية تبدأ عملية الحراثة بأعماق مختلفة، بحسب نوع الزراعة والمحصول.

وفي ظل النقص الحاد في مدخلات الإنتاج الزراعية، يلجأ المزارع إلى صناعة الكومبوست العضوي المحلي باستخدام المخلفات النباتية وبقايا الطعام، وتدعيمها بالقليل من السماد العضوي الحيواني، إلى جانب استخدام طرق المكافحة القديمة عبر خلط مركبات كيميائية منفرة للحشرات، لا تؤدي الغرض بنسبة كبيرة، لكنها تقلل من الآفات.

المطر واختبار التربة

وينصح الفرا المزارعين بإنشاء منظومة للحصاد المائي للاستفادة من مياه الأمطار، وتدعيم محيط المزرعة بمصدات رياح، خصوصًا من جريد النخيل، لأن الخريف هو موسم بداية اشتداد الرياح، إضافة إلى تدعيم الدفيئات الزراعية.

ومن الناحية البيئية، يرى المختص البيئي نزار الوحيدي أن الأمطار الأولى في الخريف أصبحت اختبارًا لقدرة الأرض على استقبال المياه، لا مجرد بداية لموسم زراعي.

يقول الوحيدي: "في موسم الخريف تصبح الأمطار الأولى اختبارًا لبقاء الأرض لا موسمًا للزراعة، حيث في الظروف الطبيعية، يشكل انخفاض درجات الحرارة وارتفاع الرطوبة مع هطول الأمطار فرصة للتربة، إذ يجدد رطوبتها، وينشط كائناتها الدقيقة، ويغسل الأملاح المتراكمة. لكن في غزة اليوم، الأرض تعرضت للركام والآليات العسكرية، فطورت قشرة سطحية متماسكة تمنع تسرب المياه، وتدفعها للتحول إلى سيول وجريان سطحي جارح يغسل معها ما تبقى من عناصر غذائية ودقائق عضوية حيوية".

ويضع هذا الواقع المزارع الغزي أمام أسئلة جديدة مع كل قطرة مطر: هل الأرض آمنة وخالية من الملوثات والركام؟ وهل ستتسرب مياه الأمطار إلى التربة، أم ستجرف الطبقة السطحية المتبقية؟

ويبين الوحيدي أنه قبل الحرب، كان إعداد الأرض يبدأ بالحراثة والتسميد وتسوية التربة، أما اليوم فقد انتقلت العملية إلى مستوى آخر تمامًا، إذ تتوزع التحديات الجديدة على أربعة مستويات رئيسية: الضرر الفيزيائي، بما يشمل تغير كثافة التربة ونفاذيتها نتيجة المرور الكثيف للآليات وتراكم الأنقاض؛ والضرر الكيميائي، بما يعنيه من خطر تلوث التربة بالمعادن الثقيلة ومخلفات الصرف أو مواد الركام المتناثرة؛ وأزمة المياه؛ وعجز المدخلات.

ويشدد الوحيدي على أن حماية المحاصيل خلال الموسم الخريفي تتطلب تغطية التربة، أي استغلال بقايا النباتات السليمة لحماية سطحها من قوة قطرات المطر والحد من التبخر والتعرية، وتجنب الحراثة العميقة لمنع تفكك التربة الهشة أصلًا، إلى جانب إعادة التدوير العضوي. ويرى أنه، إذا أتيح ذلك، ينبغي إجراء فحوصات أساسية لدرجة الحموضة (pH) والملوحة (EC).

انتظار موسم جديد

يستعد المزارعون في غزة لموسم الخريف بما تيسر لهم، لكن الأرض التي يزرعونها اليوم لم تعد كما كانت قبل الحرب. فالتربة المجهدة، والمساحات التي تقلصت، ونقص المياه والمدخلات الزراعية، تجعل كل خطوة في تجهيزها للمواسم شاقة أكثر.

ومع ذلك، يواصل المزارعون حراثة ما يستطيعون الوصول إليه، وصناعة السماد من بقايا ما يتوفر حولهم، ومحاولة حماية أراضيهم من الرياح والأمطار، وانتظار موسم الخريف على أمل أن تمنح المياه الأرض فرصة جديدة. وفي قطاع خسر جزءًا كبيرًا من قدرته الزراعية، لم تعد عودة الإنتاج مرتبطة بالموسم وحده، بل بقدرة المزارع على الوصول إلى الأرض، وتوفير مستلزمات الزراعة، وإعادة تأهيل التربة والبنية الزراعية التي تضررت على امتداد سنوات الحرب.