لستُ أبالغُ حين أقول إننا نواجه انحرافاً خطيراً في تشخيص الأزمات. ففي الوقت الذي كان من المنطقي أن تُنسب معاناة الغزيين في الحصول على المساعدات إلى شح الموارد، أو فساد آليات التوزيع، أو تعقيدات الوضع الميداني، تُفاجَأ بأن البعض أصبح يلجأ إلى تفسير بدائي: "الحسد".
نعم، الحسد! ذلك الموروث الثقافي الذي تحوّل في وعينا الجمعي من مجرد "عين بصاصة" إلى شماعة نعلق عليها فشلنا في تحقيق العدالة.
لا أنكر أن المجتمعات التي تعيش تحت خط الفقر المدقع -كما هو الحال في غزة حيث تجاوزت النسبة 80%- تكون أكثر عرضة للأمراض الاجتماعية. الجوع لا يضعف الأجساد فقط، بل يضعف النفوس أيضاً. عندما يصبح الحصول على طردٍ غذائي أو كيس دقيق، أو باقة خضارٍ هي الهم اليومي، تتحول النعمة البسيطة إلى مصدر للريبة.
لكن هل هذا مبرر كافٍ لانتشار هذه الآفة بهذا الشكل الكارثي؟ وهل يمكن قبول أن يصبح "الحسد" تفسيراً مقنعاً لعدم وصول المساعدات إلى من يستحقها؟
الأخطر في هذه الظاهرة هو اقتحامها للفضاء الخاص وانتشارها داخل الأسرة الواحدة. فلم يعد السؤال البريء "من أين لك هذا؟" مجرد استعلام عن الجهة المقدمة للخدمة، بل أصبح اتهاماً مبطناً. عندما ينظر الأخ إلى أخيه بنظرة شك، لأن هذا حصل على مساعدة لم يحصل عليها ذاك، فنحن أمام انهيار للنسيج الاجتماعي من داخله.
من الناحية السيكولوجية، فإن هذه النظرة لا تستند بالضرورة إلى واقع الفساد، بل غالباً ما تكون نتاجاً لليأس والإحباط. فحين يعجز الإنسان عن فهم سبب معاناته، يبحث عن كبش فداء قريب، وغالباً ما يكون هذا الكبش هو الجار أو القريب الذي يبدو أنه حظي بنصيب أكثر قليلاً.
الحسد في غزة ليس ظاهرة جديدة. كان موجوداً قبل الحرب، كسائر المجتمعات. لكن الحرب لم تزدده إلا تأججاً. حين يقول التقرير الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء، إننا "تجاوزنا مفهوم الفقر إلى مستويات مختلفة من المجاعة"، فنحن نتحدث عن واقع يولد أمراضاً اجتماعية متطورة.
هذا الواقع لا يبرر الظاهرة، ولكنه يساعد في فهمها. فالإنسان الجائع المقهور، الذي يرى المساعدات تصل إلى أخيه أو جاره أو صديقه ولا تصل إليه، يحتاج إلى تفسير. وبغياب التفسير العقلاني وآليات المراجعة والشفافية في عمليات التوزيع، يلجأ إلى التفسير الأسطوري.
ما يقلق حقاً في هذا الانزلاق الفكري السطحي نحو "نظرية الحسد" هو أنها تشتت الانتباه عن الكارثة الحقيقية: كارثة الحصار، ومنع المساعدات، وأزمة تحويل غزة إلى سجن مفتوح.
النتيجة الطبيعية لهذا الانحراف هي تدمير العلاقات الاجتماعية، وانتشار الغيبة والنميمة، وخلق بيئة من الكراهية، بدلاً من أن يتحد المجتمع في مواجهة المحنة المشتركة والمتمثلة في غياب عدالة التوزيع ووجود مرجعيات توزيع رسمية فاعلة.
الحسد في زمن الحرب ليس مجرد آفة اجتماعية، بل هو مؤشر على عمق المأساة. لكن علينا أن نحذر من تحويله إلى تفسير بديل عن الفشل في تحقيق العدالة. المشكلة ليست في "العين البصاصة" بل في اليد التي تمنع وصول الطعام القليل، وفي النظام الذي يفشل في توزيعه بعدل. فالمساواة في الظلم عدل، كما يقال.