في صباح يوم المرأة العالمي 2026، وقبل أن تشرق شمس الثامن من آذار على شوارع غزة المحاصرة، كان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يعدّ أرقامه السنوية المعتادة. لكن هذه المرة، لم تكن الأرقام مجرد جداول بيانات إحصائية. وإنما كانت سلسلة ممتدة من المعاناة المكبوتة.

في اليوم نفسه كانت النساء في مناطق أخرى من العالم يحصلن على بطاقات المعايدة وباقات الورد، تقديراً لهن في هذا اليوم. بيد أنهن في غزة استفقن على إشعال الحطب لأجل الطهي، وأخريات كن يعددن أطفالهن للذهاب للخيام التعليمية، وفريق ثالث كن يخضن معاركهن بصمت مع تأمين الدخل وتوفير احتياجات الأسرة.

في غزة، حيث تمثل النساء 1.06 مليون امرأة، تحولت الأحياء إلى مقابر، وتحولت المقابر إلى أرقام. الأمر استدعى منا في "آخر قصة" تفنيد هذه الأرقام والدخول في معترك التحليل البياني للتعرف على التفاصيل الضخمة لمعاناة النساء والتي تتوارى غالبا خلف الأرقام الصغيرة التي تحملها البيانات في مثل هذا اليوم.

بالغوص في عمق البيانات، تبين أن قطاع غزة خسر أكثر من 12,500 امرأة نتيجة الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023. وسجلت وزارة الصحة الفلسطينية حتى الرابع من آذار 72,117 شهيداً. أكثر من 17% منهن نساء. 9,000 منهن أمهات. 34 صحافية استشهدت وهي تمارس المهنة. هل كان أحد يتصور أن الصحافة في غزة ستصبح مهنة خطرة على النساء بهذا الشكل؟

في أحد مخيمات النزوح بدير البلح، التقت مراسلتنا بالباحثة مها عبد الله وهي حقوقية مهتمة بتوثيق يوميات الحرب منذ اللحظات الأولى لاندلاعها. جلست على حصيرة بالية، تحمل دفتراً فائضاً بالتفاصيل.

"أجري مقابلات مع النساء بشكل يومي في خيام النزوح وأحاول قدر الإمكان توثيق معاناتهن لكني أصاب بالإحباط أحيانا واليأس نتيجة هذا الكم من العذابات"، قالت مها بصوت خافت.

وأضافت "في الواقع كنت أحاول التركيز على توثيق الأحداث التي مرت بها النساء، لكن التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في الإحصاءات وفي بيانات المؤسسات هي أكثر قسوة وتعقيداً، لأن الكثير منهن يرفضن الحديث عن مآسيهن الإنسانية أو معاناتهن النفسية أو عن العنف الذي يتعرضن له، وبالتالي الكثير من الصورة تظل غائبة عن المشهد".

مها فقدت أفراداً من أسرتها في إحدى الغارات في غزة المدينة. وقالت: "إن الكارثة الحقيقية تكمن في تحويل النساء إلى أرقام، هؤلاء النساء اللواتي تعلن الوزارة أسماءهن كشهيدات، هن لسن مجرد إحصائيات، فكل رقم كان امرأة تحلم. كل واحدة كانت تحب وتكره وتغضب وتصالح، كنا نحن من نكتب قصصهن، والآن نحن من نكتب نعيهن".

توقفت الباحثة مها للحظة، ثم تابعت: "في اليوم العالمي للمرأة، أريد أن أقول للعالم: نموت بصمت، لكننا نولد من جديد كل يوم. كل امرأة تفقد طفلها تلد أمومتها من جديد تحت الركام، هذا هو سر صمودنا".

خلال الحرب -التي استمرت لأكثر من عامين بوتيرة نارية صارخة وأعلن عن وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي بموجب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- سُجل فقدان 9,500 شخص، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال.

عدا عن ذلك، تبين من خلال تفنيد الأرقام التي اطلعنا عليها أنه جرى توثيق 23,769 إصابة مباشرة بين النساء. كثيرات منهن خرجن من المستشفيات بإعاقات دائمة، ليواجهن نزوحاً متكرراً، وصدمات نفسية، وأعباء أسرهن في خيام بالية.

في شمال غزة، التقت مراسلتنا بأم محمد شنن (42 عاماً) والتي قالت: "صرت أرملة وأماً وحيدة بعد أن فقدت أبنائي، فماذا يتبقى من امرأة بعد هذا؟" جلست القرفصاء أمام خيمتها التي يتسلل إليها البرد كل ليلة وينخر عظامها. أشارت بيدها نحو الغرب: "هناك، تحت الأنقاض، دفنت ابنتي الكبرى. كانت حاملاً في شهرها الثامن. ماتت هي وجنينها، تقول الإحصائيات إن 37,000 امرأة حامل يعانين سوء التغذية في قطاع غزة". 

وتكشفت الأرقام عن حقيقة أن 22,057 امرأة في غزة فقدن أزواجهن، هذا الرقم بالمفهوم الاجتماعي يعكس تحولاً جذرياً في البنية الاجتماعية للقطاع، فالنساء أصبحن ربّات أسر في 18% من الأسر، بعد أن كانت النسبة 12% فقط قبل الحرب. وهن الآن المسؤولات الوحيدات عن إعالة أطفالهن، في ظل انهيار اقتصادي شامل، وتآكل شبكات الدعم، وانعدام الدخل.

في أحد مخيمات النزوح بقرية الزواية وسط قطاع غزة، التقت مراسلتنا بأم خالد التي أصبحت أرملة في الثالثة والثلاثين. قالت وهي تحاول إسكات نحيب طفلها: "زوجي كان يعمل في مصنع خياطة دُمّر بالكامل، الآن أنا أبحث عن خبز لأطفالي بعد فقدانه، وليس لدي مهنة أو مصدر للدخل نعيش من خلاله".

تقول السيدة أيضاً إن جسدها متعب وذاكرتها مثقلة بالرعب والخوف على مستقبل أطفالها الخمسة. نظرت إلى طفلها الذي يبكي، ثم أضافت: "هذا الطفل سيبقى يتيم الأب طيلة عمره".

تشير أم خالد وهي منتقبة، إلى أن الأرامل في غزة صرن جمعاً لا يحصى، فكل يوم ألتقي بامرأة جديدة تبحث عما يعينها على مصاريف أطفالها. المشكلة أننا نعيش في مجتمع محافظ وليس من السهل على المرأة أن تطلب المساعدة من أحد، وهذا ما يزيد المعاناة قسوة".

وتتعاظم الكارثة الإنسانية في عيون النساء مع انعدام الخصوصية في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، حيث تزداد وتيرة العنف، لكن في الغالب لا أحد يفصح عن ذلك، لدواعي العيب والحياء.

سوق العمل: انهيار وتمييز مضاعف

أما على المستوى الاقتصادي، ففي غزة، نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة بقيت عند 17%، لكن هذه النسبة تخفي واقعاً أكثر قسوة. البطالة بين النساء العاملات بلغت 92%، مقابل 81% بين الرجال. النساء المتعلمات أيضاً خارج السوق: 86% من الشابات المتعلمات عاطلات عن العمل.

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال المجتمع شاهداً على قصص نجاح نساء يكافحن من أجل تحقيق ذواتهن. إسراء أبو القمصان واحدة من أولئك اللواتي يرفضن الاستسلام للواقع والعيش في الخيمة بدون أي نشاط اقتصادي.

وبعد أن فقدت إسراء -وهي مصممة أزياء- مشغلها مرتين خلال الحرب، إلا أنها آثرت أن تستأنف نشاطها داخل الخيمة، وقالت: "لن أستسلم وسأواصل حلمي في تحقيق ذاتي، رغم قسوة الحرب والنزوح والدمار المحيط، لكن من حقنا أن نستكمل مشوارنا في هذه الحياة".

ويشكل الركام الكتلة الأكبر من قطاع غزة، حيث جرى تدمير 268 ألف وحدة سكنية كلياً، و148 ألف تضررت بشدة، و153 ألف جزئياً. 288 ألف أسرة فقدت مساكنها. 1.4 مليون نازح يعيشون في خيام بالية أو مراكز إيواء مكتظة، تفتقر للخصوصية وأدنى مقومات الحياة. النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر في هذه الظروف.

القطاع الصحي: انهيار كارثي

94% من مرافق الرعاية الصحية في غزة تضررت أو دُمّرت. 37,000 امرأة حامل ومرضع يعانين سوء تغذية حاد بين تشرين أول 2025 وتشرين أول 2026. معدل وفيات الأمومة ارتفع من 17.4 لكل 100,000 ولادة حية في 2022، إلى 145 حالة في 2024. سرطان الثدي يشكل 30% من حالات السرطان بين النساء، بمعدل 29 حالة لكل 100,000 امرأة، دون خدمات كشف مبكر أو علاج بسبب تدمير المراكز الصحية.

في مستشفى ميداني جنوب غزة، التقت مراسلتنا بالأخصائية النسائية وفاء جمال، طبيبة النساء والتوليد التي تعمل منذ بداية الحرب، قالت: "أستقبل يومياً عشرات النساء الحوامل. كثيرات منهن يعانين سوء تغذية، البارحة ولدت امرأة طفلاً لا يزيد وزنه عن كيلوغرام ونصف".

توقفت الطبيبة لالتقاط أنفاسها، ثم أضافت: "تبدو الحرب ظاهرياً أنها متوقفة لكن تداعياتها على النساء كبيرة جداً، وأكثر ما يقتلني هو أنني لا أستطيع مساعدتهن جميعاً".

في مواصي خانيونس جنوب القطاع، حيث تتركز آلاف الأسر النازحة، التقت مراسلتنا بسمية يونس، ستينية فقدت بعض أبنائها. جلست على كرسي بلاستيكي مكسور، تحدق في الأفق.

قالت يونس التي عملت في سلك التعليم أكثر من ربع قرن: "كنت أظن أن الشيخوخة تعني الراحة بعد تعب العمر، لكنني هنا، أنتظر الموت مثل الجميع، الفرق أنني لم أعد أخاف. كل من أحببتهم رحلوا قبلي".

رفعت رأسها وحدقت في الأفق ثم قالت: "في اليوم العالمي للمرأة، أريد أن أقول للعالم: نحن لسنا ضحايا فقط، نحن شهود على ما يحدث، كل امرأة هنا تحمل وجعاً مختلفاً وتكبدت خسائر عظيمة أهمها فقدان فلذات الأكباد والأزواج والمساكن وشقاء العمر، هذا كله لا يمكن تسجيله كخسائر عادية".

تختم يونس حديثها بعبارة لخصت كل شيء: "نحن لسنا أرقاماً في تقارير الأمم المتحدة، ولا سجلات الإحصاء، ولسنا صوراً في نشرات الأخبار. نحن أمهات، وأخوات، وبنات، وزوجات. نحن من نصنع الحياة في مواجهة الموت، نحن من نلد أطفالاً في خيام بالية، ونرضعهم حليباً ممزوجاً بالدموع، ندفن موتانا بأيدينا، ثم نعود لطهي الخبز على الحطب. هذه هي قصة المرأة الفلسطينية".