مع حلول شهر رمضان، لم يكن انقطاع التيار الكهربائي هو المفاجأة الوحيدة التي تنتظر علي أبو حصيرة (33 عاماً) في غرب مدينة غزة، بل كانت سرقة عداد الكهرباء الخاص به الذي اشتراه حديثاً للاشتراك في مولد تجاري. حادثة أبو حصيرة ليست معزولة، بل تعكس ظاهرة متفشية في القطاع منذ إعلان وقف إطلاق النار في غزة (أكتوبر 2025)، وهي سرقة عدادات الكهرباء.
وأوضح أبو حصيرة في حديثه لمراسلة آخر قصة، أنه اشترى كابلًا بطول 30 متراً وعداداً كهربائياً بتكلفة تجاوزت 500 شيكل (نحو 170 دولاراً)، لتأمين التيار خلال ساعات الإفطار والسحور. وبعد انقطاع دام أكثر من ثماني ساعات، تفاجأ بأن العداد نفسه قد سُرق من على عمود الكهرباء.
ويكرر العشرات شكوى أبو حصيرة. فخلال الأشهر الأخيرة، تفاجأ العديد من سكان القطاع بسرقة عداداتهم المثبتة على الأعمدة أو الجدران الخارجية، في ظل اعتمادهم المتزايد على المولدات التجارية منذ انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه كامل بفعل الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023.
ويقول مواطنون إن تكلفة الاشتراك في المولدات التجارية تتراوح حالياً بين 25 و33 شيكلاً للكيلوواط الواحد.
ويرى البعض أن هذه الظاهرة الجديدة تعكس انهيار أجهزة إنفاذ القانون. ويقول المواطن حسن الراعي، معقبا على هذه الظاهرة: "برزت فئة جديدة في غزة، هم لصوص العدادات. يفاجأ الناس بسرقتها، وهذا سلوك دخيل على مجتمعنا".
ويضيف الراعي الذي نشر شكواه على إنستغرام، معتبراً أن بعض السرقات قد تكون بدافع تمويل الإدمان على المخدرات أو شراء السجائر، واصفاً ذلك بأنه "ثقافة جديدة منفصلة عن أعراف المجتمع الفلسطيني".
ويعود سبب تفاقم المشكلة إلى صعوبة تعويض العدادات المسروقة. فبسبب الحصار الإسرائيلي المشدد، تمنع السلطات الإسرائيلية إدخال العدادات الجديدة إلى القطاع، مما أدى إلى شحّها وارتفاع أسعارها بشكل كبير. عدا عن تعطل عمل شركة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع منذ أكثر من عامين.

فبعد أن كان ثمن العداد الجديد يتراوح بين 35 و50 شيكلاً، وصل سعر العداد المستعمل حالياً إلى ما بين 300 و500 شيكل (100-180 دولاراً أمريكياً).
ويقول المواطن نضال صايمة الذي سُرق عادده قبل عشرة أيام: "أبلغت الشركة والجهات المختصة، ولا نزال ننتظر أي رد. المشكلة أن العدادات تُسرق ثم تُباع بأسعار باهظة لمن سُرقت عداداتهم".
وينص قانون فلسطيني على معاقبة سرقة التيار الكهربائي بالسجن مدة لا تقل عن أربعة أشهر وغرامة مالية لا تقل عن ثلاثمئة دينار أردني. غير أن الحرب أدت إلى شلل شبه كامل في عمل الأجهزة الشرطية وأدوات إنفاذ القانون.
وأقر مصدر في جهاز الشرطة، طلب عدم الكشف عن اسمه، بتلقي شكاوى عديدة بهذا الخصوص، مؤكداً أن التحريات لا تزال جارية لتقديم الجناة إلى العدالة، في حدود الإمكانات المتاحة.
وفي محاولة لمواجهة الفوضى، حذّرت شركة توزيع كهرباء محافظات غزة المواطنين من التعامل مع أي جهات تروّج لإعادة برمجة العدادات بطرق غير قانونية. وأوضحت الشركة في بيان صحفي، أن أي عبث بالعدادات أو بمكونات الشبكة يُعدّ مخالفة جسيمة تستوجب المساءلة القانونية، وقد يؤدي إلى تلف العداد وتسجيل قضايا بحق المتورطين.
وأكدت الشركة أن هذه الممارسات تُعيق "الجهود الوطنية المبذولة لإعادة استقرار خدمة الكهرباء، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع"، داعية المواطنين إلى الإبلاغ عن أي حالات مشبوهة عبر قنواتها الرسمية.
ويجد المواطنون في غزة أنفسهم عالقين بين حرب مدمرة وحصار خانق، تزداد معهما وطأة الحياة اليومية صعوبة. ففي الشهر الفضيل، حيث تتضاعف أهمية الكهرباء لتأمين قوت يومهم وتوفير أدنى مقومات الحياة، تتحول سرقة عداد بسيط إلى كارثة إنسانية تعمّق جراح عامة الناس، وتجعل من "نور" رمضان حلماً بعيد المنال في قطاع يعيش على فتيل الأمل.