يحاول الجد محمود زيارة (66 عامًا) تثبيت طرف بطانية رديئة على أحد الأطراف الهشة لخيمته، قبل أن تشتد الرياح وتمزقها في ظل منخفض شتوي هو الأقسى على النازحين الفلسطينيين في جنوب قطاع غزة.
الستيني زيارة فقد نجله الأكبر خلال الحرب على غزة، وكان المعيل الأساسي للأسرة. ومنذ ذلك الحين، أصبح الجد مسؤولًا عن ثمانية أفراد، ينتقل معهم من خيمة إلى أخرى في رحلة نزوح مستمرة منذ قرابة العامين.
وبين هذا كلّه، يلازم زيارة شعور متكرر بأن المساعدة التي يُفترض أن تصل إلى مَن هم في وضعه لا تصل. ورغم تنقل إقامته وأفراد أسرته بين مخيماتٍ متعددة، إلا أن الرجل يقول إنه لم يحصل إلا على "القليل جدًا" من المساعدات.
ويصف تكلفة النزوح اليومية بأنها مرتفعة للغاية، في مقابل شح المساعدات، قائلاً: "بعض الجهات تستفيد من المساعدات أكثر من النازحين أنفسهم، خصوصًا سكان الخيام"، في إشارة إلى وجود فساد في ملف التوزيع.
بالنسبة للمواطن زيارة، لم تعد المشكلة تتجسد في النقص العام للموارد فحسب، بل في غياب معيار واضح يفسّر لماذا يحصل أشخاص أو أطراف بعينها على مساعدات دون أخرى.
تُترجم هذه الحالة الفجوة البنيوية في نظام المساعدات في قطاع غزة، وكيف يتحوّل غياب العدالة من مجرد مفهوم إداري إلى واقعٍ ملموس يُقاس بما يصل أو لا يصل إلى الخيام المستحقة.
الخمسينية ناهد حسين (57 عامًا)، معيلة لثمانية أفراد، وزوجها مريض، نازحة منذ عام ونصف في مخيم غرب دير البلح وسط قطاع غزة، قالت إنها لم تتلق أي شكل من المساعدات طيلة هذه المدة، ثم وجهت أصابع الاتهام إلى مندوب المخيم، بأنه "يقوم بتوزيع المساعدات على الأقارب فقط"، على حد قولها.
تختصر حسين واقعها بمرارة وتقول: "توجهت إليه مرات عديدة، ولم يعترف بي كمحتاجة، والمساعدات توزَّع على الحبايب، أما الغلابة زينا ما إلهم". وعندما انتقلت إلى مخيمٍ آخر في بلدة الزوايدة وسط القطاع، قالت إنها لم تحصل سوى على بطانية واحدة وطرد غذائي.
في هذا الإطار، تبرز قصة ناصر الشرقاوي (42 عامًا)، وهو أب لستة أفراد يعيش في حي الرمال وسط غزة. قبل عام، تلقى ناصر مساعدة غذائية واحدة من وزارة التنمية، ومنذ ذلك الحين طال الانتظار.
قبل يومين، وصلته مساعدة جديدة من اللجنة المصرية تضمنت طردًا غذائيًا وعددًا اثنين من الأغطية وكيس طحين، لكنها لم تكفِ لمواجهة برد الشتاء أو سدّ جوع الأسرة، فيما بقيت الطرود السابقة مجرد أسماء على قوائم الانتظار. ناصر يؤكد أنه يحدّث بياناته باستمرار عبر الرابط المخصص للوزارة، لكنه يخلص إلى القول: "نحدّث وننتظر، لكن لا جديد".
ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، نزح ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص، أي نحو ثلثي سكان القطاع تقريبًا، واضطر معظمهم إلى الإقامة في خيام مؤقتة، في حين أصبحت نحو 93% من هذه الخيام غير صالحة للسكن نتيجة القصف والأحوال الجوية وظروف النزاع.
ويشير حقوقيون إلى أنّ القانون الدولي الإنساني وبشكلٍ خاصّ اتفاقيات جنيف الرابعة يكفل حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، بما في ذلك حقهم في الحصول على مساعدات إنسانية دون تمييز. كما أن الحرمان من المساعدات أو التوزيع المحابي يُشكل انتهاكًا لهذا الحق الأساسي، ويمثل مخاطرة قانونية على الجهات المسؤولة.
ويُشار إلى أنّ المعيار القانوني في توزيع المساعدات يجب أن يكون قائمًا على الحاجة الفعلية وليس الانتماء أو القرابة أو النفوذ المحلي.
عدالة مفقودة
في محاولة لرصد حجم الفجوة بين الوعود وواقع المساعدات، أجرت مراسلة "آخر قصّة" استفتاءً سريعًا عبر مجموعة على تطبيق "واتساب" تضم أكثر من 300 عضو من المتضررين (كمجتمع مصغر).
جاءت النتائج صادمة وتعكس عمق الأزمة؛ إذ صوّت 31 مشاركًا بعدم حصولهم على أي مساعدة منذ عام كامل، فيما أفاد 7 فقط بأنهم تلقّوا مساعدة قبل نحو شهرين، بينما أكد 6 مشاركين أنهم لم يحصلوا على أي دعم منذ ما يقارب ستة أشهر.
هذه الأرقام، وإن كانت محدودة النطاق، إلا أنها ترسم صورة واضحة عن حالة الانقطاع وعدم الانتظام في توزيع المساعدات، وتكشف حجم المعاناة التي تعيشها عشرات العائلات، حيث يتحول الانتظار الطويل إلى عبء نفسي ومعيشي، وتبقى المساعدة استثناءً لا قاعدة في حياة النازحين.
استنادًا إلى هذه الإفادات المباشرة، يتضح أنّ الخلل لا يقتصر على تجارب فردية معزولة، بل يتخذ شكل نمط متكرر يبرز فجوة بنيوية أعمق في إدارة ملف المساعدات داخل مخيمات النزوح. فالقصص الشخصية ونتائج الاستفتاء معًا تكشفان عن نظام توزيع هش، حيث العدالة مرهونة بالمكان، وبمن يدير التوزيع، وبما يصل أو لا يصل إلى الأسر المحتاجة.
وطبقًا لمعطيات البحث الميداني لمراسلة "آخر قصة"، فإن طريقة التوزيع لا تحكمها قواعد واضحة أو آليات مساءلة ثابتة، ما يترك مساحة واسعة للاجتهاد الشخصي، ويجعل العدالة مرهونة بالوسيط لا بالحاجة.
خلال السياق البحثي تبيّن أيضًا أن سلطة ونفوذ مندوبي المخيمات تتسع طرديًا مع محدودية الإشراف الرسمي وغياب آليات الرقابة الفاعلة. فبينما تُسند إليهم مهام التوزيع والتنظيم في ظروف استثنائية، تبقى الرقابة المؤسسية ضعيفة، وتقتصر قدرة وزارة التنمية الاجتماعية على متابعة ودعم عدد محدود من المخيمات، مقارنة بمئات المخيمات المنتشرة في القطاع، بما فيها مخيمات عشوائية لا تخضع لإدارة منتظمة.
ومع تداخل الأدوار وضعف الإشراف، يبرز سؤال لا يخص الأشخاص بقدر ما يخص المنظومة: من يراقب أداء مندوبي المخيمات فعليًا؟
والمندوب هو اصطلاح محلي، يُطلق على الشخص الذي توكل إليه مهمة الإشراف على المخيم واحتياجاته.
هذا الواقع الذي يطلق يد المندوب للتحكم في إدارة موارد المخيم بصرف النظر عن حجمه وعدد سكانه، لا يُنتج تفاوتًا في حجم المساعدات فحسب، بل يعيد تشكيل معنى العدالة نفسه. فحين تُدار منظومة بهذا الحجم عبر مبادرات فردية متفرقة، ومن دون إطار رقابي فعّال، تتحول العدالة من حق مُنظَّم إلى احتمال متغير، مرتبط بالمكان، وبمن يديره، وبما يصله من دعم.
واقعٌ يفتح سؤالًا حول مَن يتحمل المسؤولية عند توزيع المساعدات بشكلٍ غير عادل: هل هي الحكومة؟ المندوب المحلي؟ المنظمات الدولية؟ فيما يؤكد حقوقيون أنّ غياب آلية شكاوى رسمية وفعالة يعرّض النظام القانوني لقصور، ويزيد من فجوة العدالة.
في المقابل، يقدّم عدد من مندوبي المخيمات روايتهم حول آلية العمل والتحديات اليومية. حسام الدلو، مندوب مخيم فلسطين، في حي الرمال وسط مدينة غزة، يقول إن تعيينه جاء لكونه من سكان المنطقة، في مخيم لا تتجاوز مساحته أربع دونمات ويضمّ نحو 110 أسر.
يوضح الدلو أن طلب النازحين من الاحتياجات مرتفع، فيما الموارد شحيحة، لا سيما خلال فترات المجاعة، مؤكدًا أنّ "المساعدات التي تصلّ قليلة جدًا"، وأنه يحاول، قدر الإمكان، إيصال ما يتوفر من مساعدات إلى الأسر النازحة.
أما محمد أبو ريالة، مندوب مخيم خادمات القدس في شارع الجلاء وسط مدينة غزة، فيشير إلى أنّ المخيم يضمّ نحو 40 أسرة، ويعاني من انقطاع المياه لأيامٍ طويلة، إلى جانب نقص حادّ في المواد الصحية.
ويؤكد أبو ريالة اعتماده "نظام توزيع عادل" رغم محدودية الإمكانيات، موضحًا أنّ اختياره جاء بناءً على علاقاته بالمؤسسات الإغاثية وترشيح مجتمعي من لجنة المنطقة.
في مخيم السفينة غرب النصيرات، يقدّم عاشور أبو عطيوى (52 عامًا) صورة مختلفة. المخيم، الذي أُنشئ بمبادرة تطوعية منه ومن أبنائه، يضمّ حاليًا نحو 200 أسرة، أي أكثر من 700 شخص، معظمهم من الأيتام وأسر الشهداء الذين نزحوا من مناطق تُعرف محليًا بـ "الصفراء"، وهي المناطق التي باتت تقع داخل النطاق الذي أُضيف مؤخرًا إلى شرق الخط الأصفر (نقطة يرفض الجيش الإسرائيلي أي تواجد سكاني فيها)، ما دفع السكان إلى مغادرة بيوتهم. ويُشار إلى الخط الأصفر بوصفه حدودًا ميدانية جديدة داخل قطاع غزة، أُدخلت كجزء من ترتيبات وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025.
يقول أبو عطيوى إن تعيينه جاء بإجماع السكان، وإن العمل يتم بشفافية، من خلال لجنة داخلية ونظام شكاوى، لكنه يقرّ بأنّ ما يُوفَّر لا يلبّي الحدّ الأدنى من مقومات الحياة.
بين هذه الروايات المتباينة، يتكشف واقع تُدار فيه مخيمات النزوح فعليًا عبر مبادرات شعبية وجهد ذاتي، أكثر مما تُدار ضمن منظومة مؤسسية واضحة.
عبد الرحيم حبيب، أحد العاملين في لجان الأحياء الخاصة بالإيواء ومراكز استيعاب النازحين، يقول إنّ هذا الدور لم يكن خيارًا تنظيميًا بقدر ما كان استجابة مباشرة لمعاناة يومية. ويشير حبيب إلى أنه هو نفسه نزح أكثر من 30 مرة؛ ما جعله، كما يقول، جزءًا من الأزمة لا مراقبًا لها.
يوضح حبيب أن تنظيم العمل الإغاثي داخل المخيمات جاء بجهود سكانها أنفسهم، من خلال إنشاء تجمعات منظمة، وإجراء إحصاءات لأعداد النازحين، وتشكيل إدارات داخلية، مشيرًا إلى أنّ الهيكل الإداري بات "نوعًا ما منظمًا"، ويشمل فريقًا ميدانيًا متكاملًا.
ويبلغ عدد المخيمات التي تتوفر لديه بيانات كاملة عنها نحو 120 مخيمًا خاصّة بنازحي شرق مدينة غزة المتواجدين الآن غربًا، وتشرف عليهم لجان الأحياء، إلى جانب لجنة الوجهاء والمخاتير.
إلى جانب ذلك، فإنّ التحدي الأبرز، كما يقول حبيب، يتمثل في أنّ الجزء الأكبر من النازحين يعيشون في مخيمات عشوائية، تعود في معظمها لأحياء الشجاعية والتفاح والزيتون والدرج، وتفتقر إلى أي إشراف أو دعم منتظم.
غياب الرقابة
هنا، تنتقل المساءلة من مستوى الأفراد إلى المستوى الرسمي؛ ما يُشرع الباب أمام الأسئلة: كيف تُدار مئات المخيمات فعليًا إذا كانت اللجان الشعبية هي من تتولى التنظيم؟ وما مصير المخيمات العشوائية التي لا تصلها الخدمات ولا تخضع لإشراف حقيقي؟
مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، يقرّ بوجود قصور موضوعي في إدارة ملف المخيمات، يتمثل في ضعف القدرة على الإشراف الكامل على أكثر من 600 مخيم منظم، إضافة إلى عشرات المخيمات العشوائية، ومحدودية أدوات المحاسبة، وغياب آلية مؤسسية واضحة لتلقي الشكاوى.
ويبرر الثوابتة ذلك بـ "الظروف الاستثنائية للحرب"، إذ يرى أنّ هذا القصور "ناتج مباشرة عن العدوان والحصار واستهداف البنية الإدارية، لا عن غياب الإرادة" حسبما قال.
ويشير إلى تنفيذ الحكومة في غزة زيارات ميدانية لمراقبة مستوى وجودة الخدمات، والعمل على تطويرها بالشراكة مع مؤسسات أهلية ودولية. غير أنّ هذه الجهود لا تُرفق بمؤشرات علنية أو تقارير دورية توضّح نتائج التقييم، أو حجم التحسن، أو أوجه القصور؛ ما يضعف ثقة النازحين ويحدّ من المساءلة المجتمعية.
من جانبه، يقول منسق غرفة العمليات الحكومية في المحافظات الجنوبية، عدنان حمودة، إن الحكومة الفلسطينية تخدم نحو 350 مخيمًا في قطاع غزة عبر وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الأشغال العامة والإسكان، من خلال تقديم وجبات ساخنة، ومياه، وخبز، وطرود غذائية في بعض المخيمات.
ويعترف حمودة بوجود مخيمات غير مشمولة بالخدمات حاليًا، مبررًا ذلك بأنّ حجم الاحتياجات يفوق بكثير الموارد المتاحة، وبأن السبب الرئيسي يعود إلى استمرار عرقلة الاحتلال إدخال المساعدات الإنسانية.
هذه المعطيات تثير سؤالاً جوهريًا: إذا كانت الوزارة لا تغطي سوى عدد محدود من المخيمات مقارنة بمئات المخيمات القائمة، فكيف يمكن الحديث عن عدالة توزيع شاملة؟
فوفق شهادات ميدانية، تحصل بعض المخيمات على مساعدات متكررة، بينما تُحرم أخرى من أي دعم يُذكر منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
ورغم مرور قرابة الثلاثة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم يدخل إلى القطاع سوى 19,764 شاحنة مساعدات من أصل 48 ألف شاحنة كان مقرّرًا إدخالها؛ ما يكشف حقيقة عدم فاعلية تعهدات إنقاذ المدنيين.
وتكشف بيانات صادرة عن المكتب الإعلامي أن متوسط دخول الشاحنات كان 253 يوميًا مقابل 600 شاحنة مقررة، بنسبة التزام لا تتجاوز 42%. هذا الخلل انعكس مباشرة على حياة السكان، مع استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، في ظل وصف مسؤولين الواقع بأنه "موت بطيء".
وبين روايات نازحين عن حرمان ومحاباة، وإقرارات رسمية بوجود قصور مفروض بفعل العدوان، تتسع فجوة الثقة. فالنازحون لا ينشغلون بتعقيدات الإدارة بقدر ما يطرحون جملة من الأسئلة المباشرة حول السبب وراء وصول مساعدات إلى البعض وحرمان البعض الآخر، لاسيما في ظل ظروف المنخفض الجوي وتزايد الاحتياج. ومن يراقب أداء مندوبي المخيمات؟ وأين يمكن تقديم شكوى بلا خوف أو وساطة؟
أسئلة تضع ملف مخيمات النزوح في غزة أمام اختبار فعلي للمساءلة، في سياق أزمة إنسانية ممتدة، وشتاء قاسٍ، وعدوان لم يتوقف، حيث يبقى النازح الحلقة الأضعف في منظومة تتنازعها الندرة وسوء الإدارة وغياب العدالة.