استيقظ حسن سلامة على أملٍ بدا بسيطًا في مدينة فقدت أبسط مقوماتها: شقة تتوافر فيها الخدمات الأساسية "بلاط، مرحاض، مطبخ وأبواب" حتى لو كان سعرها يفوق قدرته. وافق على مضض؛ فالإيجارات، كما يقول، "لم تعد تُناقَش، بل تُفرَض". لكن قبل أن يغادر منزله المؤقت متجهًا لتوقيع العقد، وصلته رسالة مقتضبة: "نعتذر عن تأجيرك الشقة، لقد تم تأجيرها" بلا تفسير، بلا مكالمة، ولا حتى محاولة اعتذار مباشر. كانت تلك المرة الثالثة التي يُرفض فيها طلبه.

سلامة موظف عمومي يتقاضى راتبًا من السلطة الفلسطينية، وهو الشرط الذي يفضّله معظم مالكي العقارات عند اختيار المستأجرين؛ ومع ذلك، لم يشفع له دخله الثابت. خضع، كما يروي، لجلسة استجواب طويلة: عن عمله، وأقاربه، وجيرانه السابقين، وحتى سمعته في منطقته القديمة. وافق على كل الشروط لأنه بحاجة إلى سقف يأويه. 

يقول بتهكمٍ مرير: "كأنني أتقدّم لخطبة ابنة صاحب البيت، لا لاستئجار شقة". قبِل بسعر 2000 شيكل، رغم أنه يلتهم جزءًا كبيرًا من دخله، لكن الشقة ذهبت لغيره، وبقي السؤال معلّقًا: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحدّ في مدينة كانت الإيجارات فيها، قبل الحرب، تتراوح بين 150 و300 دولار؟

الجواب يكمن في حجم الدمار، نحو 92% من الوحدات السكنية في قطاع غزة وفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تحوّل ما تبقى من الشقق إلى سلعة نادرة في سوق بلا ضوابط. فيما تشير تقديرات مكاتب عقارية إلى أن الأسعار ارتفعت بنسبة تتراوح بين 200 و400%. 

أمام هذا الواقع، تجد العائلات التي تحاول مغادرة الخيام والعودة إلى ما يُشبه الحياة الطبيعية نفسها أمام فواتير إيجارات تُثقل كاهلها، وشروط تضييق لا تنتهي. لم يعد السؤال: هل أستطيع الدفع؟ بل: هل سيقبلني صاحب العقار؟ هل سيسأل عني في منطقتي القديمة؟ ماذا سيقال له عني؟

نصر سالم يعرف هذه الأسئلة جيدًا. يتنقل بين إعلانات الإيجارات على "فيسبوك"، يقرأ الشروط قبل السعر. وجد شقة تناسبه، لكن صاحبها رفض تأجيرها له ولعائلته، إضافة إلى عائلة شقيقه المكوّنة من 12 شخصًا. قال له المالك: "كما رأيت في الإعلان، لا يزيد العدد عن خمسة أفراد". يرد سالم ساخرًا: "عائلتي وحدها سبعة أفراد. هل نجري قرعة لاختيار من سيعيش معنا؟". 

دُمّر منزل سالم خلال الحرب، وتنقل بين محطات النزوح في القطاع، وحين قرر أن يستأجر شقة بالشراكة لتقاسم التكلفة، اصطدم بشروط تتعلق بعدد القاطنين، وطبيعة عملهم، وحتى هوية الزوار. يقول: "يريدون أن يعرفوا من يدخل ومن يخرج، وكأن البيت ليس لك".

هذه الشروط لا تقتصر على العدد. فكثير من المالكين، بحسب ما يقوله مستأجرون وسماسرة، يفضّلون تأجير شققهم لموظفين في جهات رسمية أو مؤسسات دولية، أمّا مَن لا يملك راتبًا "مضمونًا" غالبًا ما يُستبعد، حتى لو كان قادرًا على الدفع. 

الحاجة أم ناهض صلاح (71 عامًا)، التي لم تستطع العيش في خيمة بعد تدمير منزلها، خاضت بدورها سلسلة من الاستجوابات قبل أن تعثر على شقة في منطقة أنصار غرب مدينة غزة. إذ طلبت المالكة، المقيمة خارج غزة، قيمة إيجار 500 دولار شهريًا، وبعد نقاش مضنٍ خُفّض المبلغ إلى 300 دولار؛ لكن الاتفاق لم يصمد طويلًا، فبعد فترة قصيرة، طُلب مني إما إخلاء الشقة أو دفع 500 دولار كاملة.

تردف: "رغم أنها شقة لا تصلح للعيش فهي متضررة من القصف وجدرانها متفحمة". وفي هذا الوضع، حاولت إصلاح ما يمكن إصلاحه، وطلبت من المالكة إجراء ترميمات أساسية، فجاء الرد: يمكنكم الإصلاح على نفقتكم الخاصة. فاضطرت لاستخدام غرفة واحدة بينما بقية الغرف محترقة بالكامل، لكنها تقيم في هذه الشقة لغياب البديل، وتقف الآن بين خيارين: الرضوخ للزيادة أو المغادرة بلا وُجهة.

تأتي هذه القصص في ظلّ أرقام ثقيلة. فوفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بات 1.8 مليون شخص في غزة بلا مأوى من أصل 2.3 مليون نسمة. وأفاد المكتب الإعلامي الحكومي بتدمير 165 ألف وحدة سكنية كليًا، و115 ألف وحدة أصبحت غير صالحة للسكن، إضافة إلى 200 ألف وحدة تضررت جزئيًا، ما أدى إلى واحدة من أكبر أزمات السكن في العالم حاليًا.

كما أظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الصادر عن UNOSAT أن الحرب التي استمرت لعامين دمّرت مدنًا سكنية كاملة، مع تقدير كمية الركام بنحو 55 مليون طن وتكلفة إعمار تصل إلى 70 مليار دولار. وفي ظلّ هذا الواقع، يصبح السكن نادرًا، وتتحول الندرة إلى سلطة.

هذا الوضع خلق اختلالًا حادًا في سوق العقارات: طلب ضخم من النازحين مقابل عرض محدود جدًا من الشقق، وهو ما يفسر القفزة الكبيرة في أسعار الإيجارات واشتداد شروط المالكين.

ناصر خليل اصطدم بهذه الشروط مباشرة. اتفق مع مالك شقة على السعر، قبل أن يُطلب منه دفع من تلقاء نفسه مقدم ستة أشهر كاملة. يقول: "تعبت من الركض وراء الإيجارات، أفكر أحيانًا بالبقاء في خيمة، لكن حتى الأرض التي نضع عليها الخيمة بالإيجار". كان ينوي تقاسم شقة مع أحد أقاربه، لكن أحد المالكين أخبره أنه يؤجر "لعروسين فقط"، رغم أن الشقة ثلاث غرف وصالون. يكررها مستغربًا: "لعروسين فقط".

عمر الكفارنة، صاحب مكتب عقارات، يقول إنه انتقل من البيع إلى الإيجارات بعد ركود السوق، ولاحظ قفزات غير مسبوقة في الأسعار. يقول مُقرًا بالفوضى الحاصلة: "شقة كانت تؤجَّر قبل الحرب بـ 100 دولار، يطلب صاحبها اليوم 800 دولار"، مضيفًا أنّ الرد المعتاد حين يُسأل المالك عن السبب هو: "ملكي أفعل به ما أريد".

لكن في ظل هذه الفوضى وارتفاع الأسعار بهذا الشكل غير المسبوق، يبرز سؤال ملحّ: من الجهة المسؤولة عن تنظيم سوق الإيجارات ووضع ضوابط تحدّ من ارتفاع الأسعار؟

مدير عام الإعمار في وزارة الأشغال العامة، محمد عبود، قال عن دور الوزارة في ضبط السوق، "إن الأولوية حاليًا للعمل الإغاثي والطارئ، وإنّ التدخل يحتاج إلى استقرار أمني وإداري وتنسيق مع جهات أخرى"، مشيرًا إلى أنّ للملف أبعادًا سياسية دون أن يذكر توضيح آخر. 

لكن بالنسبة للمستأجرين، فإنّ الانتظار تَرف لا يملكونه. فاقتصاديًا، يستنزف ارتفاع الإيجارات دخول الأسر في سياق تصلّ فيه معدلات الفقر إلى 100% وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ما ينعكس على القدرة الشرائية ويعمّق الركود في قطاعات أخرى.

قانونيًا، يشير حقوقيون إلى أن التدمير الواسع للمباني السكنية يُعدّ انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني؛ إذ تحظر المادة 25 من لائحة لاهاي لعام 1907 مهاجمة المساكن والأعيان المدنية، كما يعتبر نظام روما الأساسي في المادة (8) استهداف الممتلكات المدنية جريمة حرب. كما يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة (11) الحق في السكن اللائق. لكن بين هذه النصوص القانونية والواقع، تبقى فجوة واسعة لا تردع مالكًا يرفع الإيجار أو يفرض شروطًا تعجيزية.

في غزة اليوم، لا يكفي أن تجد شقة، بل عليك أن تثبت أنك تستحقها: أن تبرر عدد أفراد أسرتك، ومصدر دخلك، وحتى هوية زوارك. حتى العقود، كما يقول المستأجرون، لا تمنحهم شعورًا بالأمان. وهكذا، في مدينة تُعيد لملمة أنقاضها، يبقى السؤال مفتوحًا، يتردد بين الجدران المتفحمة والخيام المستأجرة أرضها: من يضع حدًا لسوق بلا سقف؟ ومن يحمي المستأجر حين يصبح السكن امتيازًا لا حقًا؟