لم يتشكل الوعي العربي من العدم، فقد شاركت الأعمال الفنية في فترة التسعينات في تعميق المفاهيم الاجتماعية العميقة القائمة على العدالة والمساواة، وتجريم الفساد، وتعزيز سيادة القانون. لذلك كان دائماً هناك وجهٌ بريء يحمل بذرة الخير في داخله، ويشكل في حقيقته الضمير الحي الذي يلفظ السرقة والسطو والنهب تحت أي ذريعة كانت.
في عام 1992، جلس الملايين أمام شاشاتهم يتفرجون على مسلسل "المال والبنون" الذي شكل أيقونة درامية عكست الصراع بين الخير والشر. وتجسد هذا الصراع عبر تحويل حكاية عائلية إلى ملحمة اجتماعية عن المال والأخلاق.
أبرز علامتي هذا العمل الدرامي، وربما في تاريخ الدراما المصرية، هما شخصيتان: عباس الضو الذي جسده الفنان عبد الله غيث، وسلامة فراويلة الذي أداه الفنان يوسف شعبان. صديقان جمعتهما ظروف واحدة، ثم فرقهما المال الحرام.
عباس الذي قال للأثار والمال الحرام "لا" فبقي فقيراً، وسلامة الذي قال "نعم" فصار رجل أعمال. كنا نظن أن القصة انتهت بانتهاء الجزئين من هذا العمل الفني، لكنها في الواقع لم تنتهِ، إذ إنها تشكل واقعنا الحالي في شوارعنا وأسواقنا ومدننا المحاصرة وقضائنا المعطل ومنطقتنا العربية التي تعاني من صراعات.
في غزة اليوم، وفي مدن عربية كثيرة، يتكرر المشهد نفسه. هناك من تتخم حساباته البنكية بالأرصدة، بينما الجيران ينامون جياعاً. هناك "فراويلة" جديد يمر بالمركبات الفارهة والشاحنات المحملة بالبضائع المحتكرة. لا أحد يسأله: من أين لك هذا؟ القانون معطل تماماً، والمحاسبة غائبة، والفقراء لا يملكون سوى الصبر أو الموت.
المشكلة ليست في وجود الأغنياء. المشكلة في غياب أدوات المساءلة الحقيقية.
في غزة، حيث الحصار يخنق كل شيء، ترتفع أسعار المواد الغذائية بشكل طردي مع أخبار المعابر وتعثر الحالة السياسية، فيما يعلن عن افتتاح مول تجاري جديد وشاليه سياحي وردهات مطاعم. فارق شاسع بين الغالبية المعدمة والأقلية الفارهة. الواقع يقول لنا إن من يشكلون "سلامة فراويلة" اليوم لا يخافون من القانون، لأنه أضحى نافذة زجاج محطمة يمكن القفز منها بسهولة، فلا قانون حماية المستهلك فاعل، ولا غيره، بفعل الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023.
لكن، لننظر إلى الجانب الآخر. إلى أولئك الذين يرفضون أن يكونوا ذلك الرجل (أي سلامة). وهم على سبيل المثال لا الحصر: العجوز الذي يصطف في طابور المعونة للحصول على مونته اليومية، والمرأة التي تبيع النعناع، والشاب الذي يعاون جاره في صناعة خيمة بالمجان، والأم التي توزع آخر رغيف خبز لديها. جميعهم رفضوا أن يكونوا "سلامة فراويلة"، لأنهم يدركون أنه لا يجوز أن يكون قدوة، وأن الجوع ليس عذراً للانحدار إلى الوحل، وأن التجارة ليست مبرراً للاحتكار والاستغلال.
وهذا ليس مثالية زائدة، ولا مبالغة في تجسيد الحقيقة، لأنها ظاهرة للعيان. كما أن الحل ليس وعظياً، ولا أخلاقياً "زيادة حبتين" بمعنى "كونوا صالحين وكفى"، فالحل مؤسسي، آلية مساءلة شفافة، وجهاز رقابة رسمي فاعل.
المطلوب هو مجتمع يعاقب "سلامة فراويلة" لا لأنه سرق أو احتكر أو استغل فقط، بل لأنه جعل ممارسة كل هذه السلوكيات على مدار عامين من الحرب شيئاً عادياً وطبيعياً. المطلوب منا مجتمع يعرف أن الفقر يمكن أن يكون وجيهاً إذا اقترن بالكرامة وعزة النفس، والغنى يمكن أن يكون حقيراً إذا بني على احتياج الناس واستغلال ظروفهم.
الأهم، أن تعرف الأجيال الجديدة أن "سلامة فراويلة" ليس بطلاً، وأن عباس الضو لم يخسر رهانه. لقد خسر المال المشكوك في أمره فقط. لكنه كسب شيئاً لا يقدر بثمن: أن ينام هادئ البال مطمئناً.
في غزة، وفي كل مكان، هناك من يختار الصبر على الفقر بدلاً من التطبيع مع الفساد، وهؤلاء ليسوا ملائكة في حقيقة الأمر. ولكن كل ما في الموضوع أنهم بشر أدركوا أن الجريمة لا تصبح عادية لمجرد أن غيرهم ارتكبها.
وهذا هو الأساس الوحيد الذي يمكن لمجتمع عربي أن يقوم عليه: ألا يكون جشع "سلامة" مبرراً لضياع "عباس".