نعيش اليوم في عالمٍ تتزايد فيه مُسببات التّشتت، من المنصّات والتطبيقات الرّقمية، مرورًا بالأعباء الحياتية المتلاحقة، وما تراكمه من توتر وقلق، إلى مُتطلّبات السعي اليومي لتحصيل- مثلًا- أعلى درجة/ أفضل وظيفة/ أحسن مكانة اجتماعية؛ ومع تعمّق هذه الضغوط والأعباء قد يتحوّل التشتّت من عارضٍ عابر إلى العدو الأوّل لطموحنا وإنتاجيتنا.
تقول عالمة النفس الأمريكية غلوريا مارك، في أبحاثها، عن "مدى الانتباه"، وبخاصةٍ في كتابها، الذي حمل الاسم نفسه (ويُقصد به: المدى الزمني الذي يستطيع فيه الشخص التركيز على نشاط واحد)، إن متوسط قدرة عقولنا على التركيز على مهمة واحدة عبر الشاشة، انخفض إلى 47 ثانية فقط، بعد أن كان يتجاوز دقيقتين ونصف الدقيقة.
لكن، ماذا يحصل بعد الـ 47 ثانية؟ تُجيب مارك أننا بعد هذه المدة نندفع إلى مقاطعة أنفسنا بمهمة أخرى، أو الانتقال لتصفّح تطبيقٍ آخر، أو تفقد إشعارٍ ما، ليحرمنا هذا من العُمق الذهني، ويتسبّب باستنزافٍ يوميّ بلا إنجاز حقيقي.
تكلفة التشتّت
لذا، لا تقتصر آثار التشتت على تفتيت وقتنا فحسب، بل تمتد لتخريب قدرتنا على الوصول إلى العمق الذهني، أو ما يسميه علماء النفس "حالة التدفق"، وهي ذروة الانغماس في شيء ما حتى يبدو الوقت غير مهم، والاسترسال الإبداعي الذي نوظّف فيه قدرًا من التحدّي لمهاراتنا في شيء بعينه.
يتوافق هذا مع ما توصّلت إليه دراسات الانتباه، إذ يتكبّد الدماغ ضريبة باهظة عند تبديل المهام، تسمى "تكلفة التحويل"؛ ويستغرق الفرد في المتوسط حوالي 25 دقيقة للعودة إلى نفس مستوى التركيز العميق بعد كل مقاطعة، ويعود سبب طول هذه المدة إلى وجود "بقايا انتباه، أو فوضى معلوماتية"، تظل عالقة في الذهن من المهمة السابقة.
وفي الوقت الذي تقول فيه الجمعية الأمريكية لعلم النفس إن تعدد المهام قد يقلل الإنتاجية بنسبة تصل إلى 40٪، بسبب التكلفة المعرفية لتغيير المهام، تُلخّص مارك تكلفة التشتت في هذه النقاط الثلاث المهمة:
1. ضياع الوقت وانخفاض جودة العمل
2. الإرهاق المعرفي والاحتراق النفسي
3. التوتر والأثر النفسي الخفي

وعن علاقة التشتت بالتوتر كنتيجة، تفسّر هذا دراسة أخرى بعنوان "تكلفة العمل المتقطّع: مزيدٌ من السرعة والتوتّر"، فالمُقاطعات المستمرة تضطرّنا لاحقًا لإنجاز العمل بشكل أسرع لنُعوّض الوقت الضائع، لكن هذا يتم على حساب صحتنا النفسية، فترتفع مستويات التوتر والإحباط، وارتفاع في ضغط الدم، فضلًا عن مضاعفة احتمالية ارتكاب الأخطاء.
هذه الأرقام والدراسات تمثل جزءًا من المشهد؛ فحين ننتقل من بيئات العمل التقليدية إلى واقعنا المُعاش المليء بالأزمات والضغوط الحياتية القاسية، يتضاعف هذا الاستنزاف الذهني ليتحول التشتت من مجرد انخفاض في الإنتاجية إلى صراع بقاء؛ بين محاولات النجاة وسط الكثير من التحدّيات والتعقيدات، من جهة، ومن الجهة الأخرى تحقيق الإنتاجية وتنفيذ المهام المطلوب إنجازها.

في هذا السياق، حاورت مراسلة “آخر قصة” الأخصائية النفسية هالة سكّر، للتعرّف عن كثب على أسباب التشتّت، وهل تقتصر صوره على التيه بين المهام العديدة؟ أم أن له أشكالًا أخرى، خاصة في البيئات المتباينة؟ ولنتعرّف كذلك على سبل مواجهته بآليات عملية، قابلة للتطبيق بين زحمة الضغوط والمهام اليومية.
الأسباب الشائعة للتّشتت
تقول الأخصائية سكّر: "إن ترتيب الأولويات ومواجهة التشتت، موضوع في غاية الأهمية، خاصة عندما نتحدث عنه في ظلّ الأزمات والظروف الضاغطة والقاسية، حين لا يكون التشتت مجرد كثرة مهام، بل يكون نتيجةً طبيعيةً لاستنزاف طاقة الإنسان النفسية والذهنية".
وترى سكّر أن أبرز أسباب التشتت، خاصة في ظروف الأزمات، تتلخّص في:
الإنهاك النفسي وضغط "وضع النجاة/ البقاء": أي أنه عندما يعيش الإنسان في بيئة غير مستقرة أو تحت أزمات مستمرة، يظل الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم وهذا يستهلك طاقة العقل التحليلية ومساحة الذاكرة العاملة، مما يجعل التركيز على التفاصيل اليومية أو التخطيط للمستقبل أمرًا صعبًا جدًا.
التدفق المفرط للمعلومات والأخبار: المتابعة المستمرة للأخبار والأحداث الضاغطة تُبقي الذهن في حالة تشتت وشتات دائم، وتمنع العقل من الوصول إلى حالة الهدوء اللازمة لمعالجة المهام بتركيز.
تعدد الأولويات وتداخلها: في الأزمات، تتداخل الاحتياجات الأساسية (الأمان، الرعاية، التكيف) مع المتطلبات المهنية واليومية، مما يجعل الإنسان يشعر أن كل شيء مهم وعاجل في نفس الوقت، فيحدث حينها الشلل في اتخاذ القرار.
التفكير المفرط والقلق بشأن المستقبل: محاولة التنبؤ بالمُجريات أو التفكير المستمر في القادم في ظل ظروف غير يقينية تستهلك تركيز الإنسان وتسرق منه لحظته الحاضرة.
فقدان الروتين اليومي المستقر: غياب جدول أو روتين يومي منظم يُفقد العقل "المرساة" التي يستند إليها، فيصبح اليوم عبارة عن ردود أفعال على المستجدات بدلاً من إنجاز مخطط له.

كيف نتجنّب التشتت؟
تقدم لنا الأخصائية هالة سكّر ثلاث استراتيجيات عملية، لمواجهة التشتت، وتصفية الذهن وترتيب الأولويات، ويندرج تحت كل استراتيجية، جملة من الآليات والوسائل لتطبيقها، كالتالي:
أولًا- تصفية الذهن واستعادة الهدوء، ويُمكن تحقيق هذا من خلال:
1- تفريغ الدماغ: أحضر/ي ورقة وقلم واكتب/ي كل ما يدور في رأسك دون ترتيب: المهام، المخاوف، الأفكار؛ فإخراج الأفكار من الرأس إلى الورق يخفف الضغط الذهني فورًا.
2- التركيز على دائرة التحكم: قسّم/ي الأمور إلى قسمين: أشياء أستطيع التحكّم بها (مثل: ساعتي القادمة، طريقة تفاعلي، مهامي البسيطة) وأشياء لا أستطيع التحكّم بها؛ كي يتم تصريف طاقتك فقط فيما يمكنك التحكم به.
3- الحدّ من التشتت الرقمي: خصص/ي أوقاتًا محددة لمتابعة الأخبار أو وسائل التواصل، وتجنب/ي البدء بها في الصباح الباكر أو قبل النوم.
4- تمارين التنفس واللحظة الحاضرة: أخذ بضعة دقائق يوميًا للتركيز على التنفس أو ممارسة "التواجد في اللحظة الحالية"، يساعد الجهاز العصبي على الخروج من حالة الاستنفار إلى حالة الهدوء.

ثانيًا- تحدّيد وترتيب الأولويات، وذلك عن طريق:
1- قاعدة المهام الثلاث الكبرى (Rule of 3): حدد/ي يوميًا من (1-3) مهام أساسية فقط؛ إذا أنجزتها، اعتبر/ي يومك موفقًا، فتقليل قائمة المهام يُخفّض شعور العجز والضغط.
2- مصفوفة آيزنهاور لترتيب الأولويات (الواضح والمهم): وهي مصفوفة يتم بها تقسيم المهام إلى أربع درجات:
عاجل ومهم، نفّذه/ي الآن، وهذا للمهام الطارئة والأساسية
غير عاجل ولكنّه مهم: خطط/ي له وخصص/ي له وقتًا، مثل التطوير الذاتي، الصحة، الاسترخاء.
عاجل وغير مهم: حاول/ي تفويضه، أو التقليل منه.
غير عاجل وغير مهم: استغنِ/ي عنه تمامًا
- تفكيك المهام: لا تنظر/ي إلى المهام الكبيرة دفعة واحدة، قسّم/ي الهدف إلى خطوات صغيرة جدًا وقابلة للتطبيق (مثلاً: بدلاً من "كتابة تقرير"، اجعل/ي الهدف "كتابة فقرة واحدة").
ثالثًا- الحفاظ على الاستمرارية، وهذا يتطلّب عدة أمور، لتجنب الإرهاق واليأس:
1- الرِّفق بالنفس وتعديل التوقّعات: خاصة لو كنت في بيئة وظروف صعبة ومعقدة، فالإنجاز البسيط حينها هو إنجاز عظيم، ولا تقارن/ي طاقتك اليوم بما كانت عليه في الأوقات العادية.
2- فترات الراحة الواعية: خصص/ي أوقاتًا قصيرة للراحة الحقيقية بين المهام (بعيدًا عن الشاشات والأخبار)، حتى يستعيد عقلُك نشاطه.
تبقى الإشارة إلى أنه توازيًا مع التحول في طريقة تفكيرنا، وعملنا، وكيفية تحقيقنا للإنجاز، لم نفقد قدرتنا على التركيز، كما تقول عالمة النفس غلوريا مارك، بل تغيّرت طريقة تركيزنا فقط، فبدلًا من السعي وراء وهم التركيز المتواصل والإنتاجية المثالية، يحتاج كل منّا إلى تعلم كيفية اتباع إيقاعات الانتباه لديه، والتكيف معها، لإيجاد التركيز، ومقاومة التشتت، للشعور في نهاية المطاف بالإنتاجية، وبمزيد من التوازن النفسي وتقليل التوتر في حياتنا اليومية.