في كل حصة تحاول إسراء زهير كحيل أن تفعل شيئًا يبدو بسيطًا، لكنه بالغ الصعوبة: أن تجعل الطلاب يحبّون ما يتعلمونه. لا تبدأ من الكتاب، بل من تفاعلهم، سؤال، حكاية، أو نشيد قصير، كأنها تختبر، في كل مرة، إمكانية أن يكون التعلم أخفّ مما يبدو.

داخل صف صغير في مدينة غزة، لا تبدو اللغة الإنجليزية مادة دراسية بقدر ما تبدو مساحة نجاة مؤقتة. هناك، تحاول كحيل أن تمنح طلابها ما يتجاوز الكلمات: شعورًا بأن التعلم يمكن أن يكون خفيفًا، حتى في ظل تداعيات حربٍ خلّفت بنية تعليمية مدمّرة، ونقصًا حادًا في الموارد، وقلقًا يوميًا لا يغادر حياة الطلبة.

وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 95% من المباني المدرسية في قطاع غزة تضررت كليًا أو جزئيًا، فيما يواجه أكثر من 650 ألف طالب انقطاعًا أو اضطرابًا في مسارهم التعليمي، في ظل تراجع حاد في القدرة الاستيعابية للمدارس ونقص مستمر في الموارد الأساسية.

في ظلّ هذه الظروف، تنظر كحيل إلى طلابها بوصفهم قصصًا إنسانية، لا أرقامًا في سجل. تفتح لهم باب المشاركة عبر الحوار والأنشطة والأناشيد التعليمية، فيتحول الدرس إلى تجربة تُعاش، لا مادة تُحفظ. بالنسبة لها، ما يُعاش هو وحده ما يبقى.

 

منذ عام 2018، بدأت ملامح هذه التجربة تتشكل داخل الصف، عامًا بعد آخر، وذلك عندما بدأت كحيل مسيرتها المهنية. لم تكن وصفة جاهزة، بل عملًا يوميًا لبناء علاقة مختلفة بين الطالب والمادة، قائمة على التفاعل لا التلقين.

هذا المسار قادها إلى التتويج بلقب "سفيرة فلسطين للإبداع التربوي" من منظمة سفراء التنمية العالمية، بعد منافسة ضمّت مرشحين من 83 دولة. تجربة لم تختبر مهاراتها فحسب، بل أعادت صياغة قناعاتها حول دور التعليم وحدوده.

كحيل، الحاصلة على بكالوريوس تربية لغة إنجليزية من الجامعة الإسلامية في غزة، تتابع اليوم دراستها للماجستير في الإدارة التربوية، وتعمل معلمة في مدرسة التعليم المطوّر، مؤمنة بأن المعلم الحقيقي لا يتوقف عن التعلّم.

بدأت رحلتها نحو الجائزة بترشيح من محمد الحداد، ولي أمر إحدى طالباتها الذي يشغل منصب رئيس مجلس إدارة في منظمة سفراء التنمية العالمية، بعدما رأى في تجربتها ما يستحق المنافسة. تبع ذلك مسار مكثف من البرامج التدريبية والمشاريع التربوية والتقييمات، قدّمت خلاله نموذجًا لتعليم اللغة الإنجليزية بوصفه تجربة تفاعلية، لا عبئًا دراسيًا.

لكن جذور هذه الحكاية تعود إلى وقت أبكر. في طفولتها، كانت طالبة متفوقة بخط جميل، كثيرًا ما طُلب منها الكتابة على السبورة. لاحقًا، قالت لها إحدى معلماتها: "أرى فيك معلمة متميزة في المستقبل". بقيت تلك الجملة، وصارت مرجعًا داخليًا كلما واجهت شكًا.

اختارت دراسة اللغة الإنجليزية رغم صعوبتها في البداية، ومع كل تعثر، كانت تعود إلى تلك الكلمات، كأنها تستعير منها ما يكفي للاستمرار.

بين طلابها، وجدت المعنى الأوضح لما تفعل، إذ لا ترى الطالب رقمًا، بل حكاية تستحق أن تُروى. تقترب، تستمع، وتمنح كل واحد مساحة ليكون جزءًا من الدرس.

تتذكر لحظة قال لها أحد طلابها: "أصبحت أحب الللغة الإنجليزية بسببك". جملة بسيطة، لكنها لم تكن أقل وقعًا من خبر الفوز بالجائزة بالنسبة لها.

حين وصلها خبر التتويج، قفزت بفرح طفولي، تصفّق وتعانق والدها الذي أنهى لتوه قراءة الرسالة. امتلأ المكان بضحكاتها، وعيناها تلمعان بدهشة صافية، وهي تردد: "لقد فعلتها". لم يكن ذلك مجرد خبر، بل لحظة استعادة خفيفة لشيء من الحياة، في زمن مثقل بالخسارات.

في قطاع غزة، لم يعد التعليم مسارًا مستقرًا كما كان. مدارس مدمّرة أو مكتظة، دوام متقطع، ونقص حاد في الموارد والوسائل التعليمية، إلى جانب انقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول الآمن إلى الصفوف. كثير من الطلبة تنقلوا كثيرًا بين أماكن النزوح، وما زالوا يحملون معهم آثار تجربة أثقل من أعمارهم، فيما يحاول المعلمون إبقاء العملية التعليمية قائمة، ولو في حدّها الأدنى.

في واقع يومي يضغط على المعلمين في قطاع غزة، من حرب، نزوح وخسارة وتحديات مستمرة، تواصل كحيل عملها. تحضّر دروسها تحت إنارة باهتة، وتتمسّك بفكرة أن التعليم يمكن أن يظل مساحة للحياة.

ترى أن المعلم الفلسطيني يمتلك قدرة حقيقية على الإبداع، وأن الطلبة يحملون طموحًا يستحق أن يُدعم. وبمساندة عائلتها، تطمح إلى تطوير مبادرات تربوية أوسع، وتوسيع أثرها، والبقاء معلمة قادرة على إحداث فرق.

أن تترك أثرًا، كما تُرك الأثر فيها يومًا، هو ما تسعى إليه. وفي حكايتها، لا يبدو اللقب نهاية، بل تفصيلًا في مسار مستمر: محاولة يومية لأن يظل التعليم، حتى هنا، فعل حياة.