عند الرابعة والنصف فجرًا، تكون سمر مراد (32 عامًا) قد استيقظت بالفعل في خيمة عائلتها بدير البلح، وسط قطاع غزة. تُحضّر نفسها على عجل، تراجع جدول الحصص، وتغادر في الخامسة والنصف صباحًا متجهة إلى عملها كمعلمة ضمن مبادرة تعليمية مدعومة من منظمة اليونيسف. الطريق إلى مدينة غزة يستغرق ما بين ساعة وساعة ونصف، تحاول أن تصل قبل بدء الطابور المدرسية عند السابعة.
لا تظهر سمر في أي سجل رسمي بوصفها "معيلة"، لكنها فعليًا المعيل الوحيد لأسرتها. والدها مسنّ ولم يعد قادرًا على العمل، فيما توقّف مصدر الدخل الذي كانت الأسرة تعتمد عليه قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023- الآن). راتبها المتواضع، وغير المضمون الاستمرار، هو ما يؤمّن الطعام والدواء والحد الأدنى من الاستقرار لعائلة فقدت كل أشكال الأمان.
راتب سمر لا يتجاوز ألف شيكل شهريًا، ولا توجد أي عقود تثبت عملها أو تحميها. تشترط المبادرة عدم ازدواجية العمل، فيما يتبع نظام الإجازات في الواقع لوزارة التربية والتعليم بغزة، رغم أن سمر ليست موظفة رسمية. هذا التداخل يجعلها تعمل في مساحة رمادية: تُفرض عليها قيود العمل، لكن دون حماية قانونية أو أمان وظيفي، وفي الوقت نفسه لا يغيّر ذلك من واقعها كمعيلة وحيدة للأسرة.
قبل الحرب، كانت سمر "العازبة التي لم تتزوج بعد". توصيف اجتماعي بسيط، لكنه يخفي افتراضًا واضحًا: أنها عبء مؤقت، لا ركيزة دائمة. مع اندلاع الحرب وتغير الحال، انقلب هذا الافتراض رأسًا على عقب. أصبحت سمر المعيلة الأساسية دون إعلان، ودون أن ينعكس ذلك على مكانتها داخل العائلة أو في نظر المؤسسات.
قصتها ليست استثناءً في قطاع غزة. مع انكماش سوق العمل الرسمي تحت وطأة الحرب، وجدت أعداد متزايدة من النساء العازبات أنفسهن مدفوعات إلى الاقتصاد غير المنظّم. بعضهن يعملن في وظائف تتلاءم مع مؤهلاتهن الأكاديمية حين تتوفر الفرصة، فيما تلجأ أخريات إلى أعمال يدوية أو منزلية: الخَبز على أفران الطين، الخياطة، أو إلى التدريس الخاص للأطفال في البيوت أو الخيام، وأحيانًا ضمن مبادرات تعليمية مؤقتة. هي أعمال تُبقي تفاصيل الحياة اليومية قائمة، لكنها نادرًا ما تُحتسب في الخطاب العام بوصفها عملًا منتجًا أو إعالة فعلية.
وبحسب تقديرات أممية، فإن أكثر من 57 ألف أسرة في غزة باتت اليوم برئاسة نساء. وإذا طُبِّقت نسبة 12% من الأسر التي تعيلها نساء غير متزوجات (كما تشير دراسات سابقة في فلسطين)، فإن عدد العازبات اللواتي يقدن أسرًا قد يتراوح بين 5000 و7000 امرأة. هذا يعني أن ما يُنظر إليه إداريًا كـ "حالة هامشية" هو في الواقع آلاف النساء اللاتي يحملن أعباء الإعالة وحدهن، من دون اعتراف أو حماية.
بالنسبة لبعض العائلات، لا يُستقبل هذا التحوّل بسلاسة. تقول هبة معين (29 عامًا)، وهي خياطة تعيل والدتها وإخوتها: "حين أصبح لي دخل، تغيّر موقعي داخل البيت". في مجتمعٍ ذي أدوار جندرية صارمة، لا يُنظر إلى استقلالية العازبة الاقتصادية كتهديد، بل كواجبٍ دائم يبرّر تحميلها أعباءً إضافية دون اعتراف فعلي بدورها كمعيلة.
في حالات أخرى، يتوسع الدور أكثر. تُعيل العازبات أسر إخوتهن أو أرامل أشقائهن، وتتحمل مسؤوليات إضافية من الرعاية المنزلية. هنا لا يكون عملهن مجرد مصدر دخل، بل يتحول دخلهن نفسه إلى مطمع يُستغل لتبرير تحميلهن أعباء إضافية، كما أنّ العمل خارج البيت لا يعفيهن من العمل داخله، بل يضيف طبقة جديدة من العبء غير المعترف به.
في الاقتصاد غير المنظّم، تتقاطع الهشاشة مع الاستغلال: تعمل العازبات بأجور أقل وبدون عقود أو ضمانات، تُستدعين عند الحاجة وتُستبعد عند الأزمة. يُعاد إنتاج هذا التفاوت عبر افتراض أنهن "دون أسر"، رغم أن كثيرات يعِلن أسرًا بشكل غير معلن، وفي ظل بطالة نسائية تتجاوز 90% في غزة تصبح هذه الوظائف الخيار الوحيد للكثيرات.
آلاء عمر (41 عامًا)، التي تعمل في تصوير الأفراح والمناسبات بشكل حر، تقول إن يوم العمل لا ينتهي بانتهاء المناسبة. "أعود إلى البيت لأبدأ عملًا ثانيًا غير مدفوع". ومع غياب أي جهة توظيف أو عقد يضمن لها حدًا أدنى من الأجر، فإن فكرة "الزيادة" ليست خيارًا عمليًا، وعندما تطرح الفكرة مع أهلها أو صديقاتها تقابل فكرتها غالبًا بتقليل قيمة عملها: "يُقال لي إن هذا أفضل من لا شيء".
نداء سعيد (36 عامًا) تعمل مربّية في روضة أطفال، راتبها لا يتجاوز 300 شيكل، وتتأخر رواتبها أحيانًا شهرين، لكنها لا تستطيع ترك العمل لأنها تعيل نفسها وأختها. وهي واحدة من 3,400 مربية يعملن في قطاع غزة في 620 روضة تستقبل 68,392 طفلًا، لكن نسبة الالتحاق تراجعت إلى 58%، ما أدى إلى انهيار التمويل وتراجع الرواتب.
في ظلّ هذا الواقع، تعمل نداء في قطاع غير منظّم بلا عقود أو تأمين، بينما لا يزال الحد الأدنى للأجور 1880 شيكل (قرار مجلس الوزراء 2021) معطّلًا في غزة، وقانون المعارف 1933 لا يذكر رياض الأطفال ولا ينظم حقوق العاملات فيها.
ينص قانون العمل الفلسطيني على حقوق أساسية للعاملين، منها الحق في عقد عمل، وأجرٍ عادل، وتنظيم ساعات العمل والإجازات، والحد من الاستغلال. لكن هذه الحقوق تتعثر في الاقتصاد غير المنظم الذي يضطر إليه عدد كبير من العازبات المعيلات. هنا لا يوجد عقد يثبت علاقة العمل، ولا ضمانات، ولا جهة تشرف على تطبيق القانون.
وتشير المحامية والناشطة الحقوقية صفاء أبو جبة إلى أن المشكلة ليست فقط في وجود قانون، بل في غياب آليات تطبيقه في القطاع غير الرسمي، ما يجعل العاملات، ومن بينهن العازبات المعيلات، دون حماية فعلية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح "العمل" الذي تقوم به العازبة المعيلة عمليًا خارج نطاق الحقوق القانونية، ما يضاعف هشاشتها ويجعلها عرضة للاستغلال.
رغم اتساع الحديث عن "التمكين الاقتصادي للنساء"، تكشف معايير كثير من البرامج فجوة واضحة. تُمنح الأولوية غالبًا للمتزوجات أو الأرامل، ويُشترط وجود أطفال لإثبات صفة "المعيلة"، بينما تُقصى العازبات حتى لو كنّ يعِلن أسرًا كاملة.
رشا إيهاب (35 عامًا) تعيل أمًا مريضة وثلاثة إخوة وتعمل خياطة في بيتها. تقدمت لمنحة تمكين اقتصادي لشراء ماكينة خياطة، لكن طلبها رُفض لأن الأولوية "للأمهات".
تقول رشا: "من يعترف بأنني أعيل أمًا مريضة وثلاثة إخوة؟" هذا الاستبعاد يضعها في حلقة من الفقر: لا دعم للبدء، ولا حماية قانونية، ولا اعتراف رسمي بوضعها كمعيلة. وهكذا يتحول "التمكين" إلى شعار يغطي فجوة بين الكلام عن حقوق النساء وما يُمنح فعليًا لمن لا يحملن صفة الأم.
الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر يشرح أن الاقتصاد غير المنظّم في غزة يعتمد على عمالة بلا عقود، ما يجعل العازبة المعيلة "هدفًا سهلاً" يبقى في دائرة الفقر والهشاشة بدل أن تُعترف كقوة إنتاجية.
ويشير إلى أن "برامج التمكين الاقتصادي غالبًا ما تستهدف من هم في "شكل الأسرة" التقليدي، بينما تُهمل فئة العازبات التي تعيل أسرًا كاملة، ما يعني أن الدعم يُمنح ليس وفقًا للحاجة الاقتصادية، بل وفقًا للصور الاجتماعية المقبولة".
في اقتصاد الحرب، يستفيد كثيرون من عمل العازبات: العائلات التي تعتمد على دخلهن، السوق غير المنظّم الذي يحصل على يد عاملة رخيصة، ونظام اجتماعي يحافظ على توازناته التقليدية من دون تعديل حقيقي. في المقابل، تتحمل النساء كلفة هذا الترتيب وحدهن.
القضية ليست في غياب العمل، بل في غياب الاعتراف. الاعتراف بالعازبات المعيلات بوصفهن "ربات أسر" ليس مسألة لغوية، بل مدخل لإعادة النظر في معايير برامج التمكين وسوق العمل غير الرسمي، وإدخالهن في إطار الحماية القانونية التي يفرضها قانون العمل، بدلًا من أن يظل عملهن غير مرئيٍّ ومُستغلًّا بلا ضمانات.