لا تبدو التحولات التي تجري في قطاع غزة اليوم مجرد مظاهر عابرة فرضتها الحرب والنزوح، بل تشير إلى تغيرات أعمق في بنية المجتمع الفلسطيني وعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية.
فمن جهة، هناك مجتمع واسع من النازحين والفقراء والعاطلين عن العمل، فقدوا بيوتهم ومدخراتهم ومصادر رزقهم، وأصبحوا يعتمدون على المساعدات، فيما فقد الاقتصاد جزءاً كبيراً من قدرته على الإنتاج والعمل، وتراجع معه الاستقلال الاقتصادي للأفراد والأسر.
ومن جهة أخرى، نشأت خلال الحرب فئات استفادت من اقتصاد الأزمة، من تجار ومبادرين وأصحاب مطاعم ومحال وخدمات، في ظل حركة مالية واستهلاكية لا تعكس حجم الفقر والدمار. ليست المشكلة في نجاح الأفراد أو تحسن أوضاعهم، وإنما في اتساع هذا التفاوت داخل مجتمع منهك، من دون اقتصاد منتج أو مؤسسات قادرة على حماية الفئات الأضعف وتحقيق قدر من العدالة.
المشهد الأكثر قسوة هو ظهور مظاهر ثراء فاحش، كأن يهدي شخصٌ آخرَ سيارةً فارهة بمبلغ خيالي، بينما يعجز آخرون عن تأمين الطعام أو الدواء أو مأوى لائق. ليست هذه مجرد قصة سيارة أو تجارة، بل صورة لتحول اجتماعي أعمق، تتسع فيه الفجوة بين الفئات، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتتراجع قيم العمل والإنتاج والتكافل، أمام صعود الاستهلاك والثراء الظاهر.
الحرب لا تدمر البيوت والمصانع والمؤسسات فقط؛ بل يمكن أن تدمر أيضاً البنى الاجتماعية التي احتاج المجتمع إلى عقود لبنائها. ومع الفقر والبطالة والنزوح والاعتماد على المساعدات، وظهور ثروات جديدة لا يعرف المجتمع مصادرها أو لا يستطيع مساءلتها، يبرز خطر إعادة تشكيل المجتمع على نحو أكثر تفاوتاً وتفككاً.
والأخطر أن ذلك يحدث في ظل ضعف البنى السياسية والاجتماعية الفلسطينية وعجزها عن إنتاج سياسات تحمي المجتمع وتواجه هذا التآكل، أو حتى فتح نقاش جدي حول شكل الاقتصاد والمجتمع الذي نريد بناءه بعد الحرب.