كان يوم الجمعة في غزة يُقاس بسخاء المائدة، أما اليوم فيُقاس بقدرة الأسرة على تأمين لقمة واحدة. كانت الجمعة، في مدينة يزيد عدد سكانها على مليوني نسمة، يومًا مختلفًا؛ تستيقظ الأحياء على روائح الطهي منذ الصباح، وتعود العائلات من صلاة الجمعة إلى بيوت مفتوحة الأبواب عامرة بالمودة.

لم تكن مائدة الجمعة مجرد طعام، بل طقسًا اجتماعيًا ثابتًا، يعيد جمع العائلة مرة كل أسبوع، ويمنح الناس إحساسًا نادرًا بالاستقرار. أكثر من عامين من الحرب، ونزوح مسّ معظم سكان القطاع، كانا كفيلين بإخراج هذا المشهد من الحياة اليومية.

قبل الحرب، كان يوم الجمعة يوم العائلة بامتياز. تبدأ طقوسه بصلاة جماعية في المساجد، يعقبها عزائم وزيارات متبادلة. كانت المائدة تُجهز منذ صباح الجمعة، وتُعدّ خصيصًا لهذا اليوم: لحم مطهو، دجاج، فتة، مقلوبة، ومسخّن فلسطيني، وجبات تحمل رمزية تتجاوز قيمتها الغذائية.

بعد الصلاة، كان الرجال يجلسون في مجلس طويل، يتبادلون الأخبار، فيما تنشغل النساء في إعداد الطعام، ويترقب الأطفال موعد الجلوس حول المائدة.

تستعيد يسرى خليل (56 عامًا)، أمّ لخمسة أبناء، تفاصيل يوم الجمعة حين كان موعدًا ثابتًا لا يحتاج إلى دعوة. أبناؤها المتزوجون يأتون مع عائلاتهم، والأطفال يعرفون أماكنهم مسبقًا حول المائدة. 

تقول إن بناتها كنّ ينشغلن منذ الصباح بتزيين السفرة، وترتيب الصحون، واختيار أماكن الجلوس، وكأنّ الاجتماع العائلي طقس له قواعده الخاصة. تردف: "لم نكن ننتظر ضيوفًا غرباء، لطالما كان الجمعة للعائلة، وكنا نعرف أن الجمعة لا تكتمل إلا بنا جميعًا".

أما ابنها الأصغر، أدهم، فكانت له طقوسه التي لا تتغير. كان يصحو باكرًا، يستحم، يتعطر، ويرتدي ملابسه النظيفة قبل أن يخرج إلى المسجد مع والده. لم يكن بحاجة إلى من يوقظه أو يذكّره باليوم. يقول: "كنا نعرف أن اليوم جمعة من الرائحة فقط".

المسن أبو رامي الذي فقدَ منزله وتشتت عائلته بين شمالي وجنوبي القطاع يضيف: "الجمعة كانت تجمع أولادي وأحفادي… الآن أتذكرهم فقط".

في تلك السنوات، كان متوسط إنفاق الأسرة على وجبة الجمعة يُعدّ مقبولًا مقارنة بالدخل، وكانت الأسواق ممتلئة، واللحوم متاحة، والبيت يتسع للجميع.

قلبت الحرب هذا المشهد رأسًا على عقب. دُمّر عشرات الآلاف من المنازل، وتحوّل السكن الدائم إلى استثناء. أين الجد؟ أين العم؟ أين الجار؟ أسئلة تتكرر في ذاكرة الناس، بعدما فرّقت النزوح المتكرر الأسر بين خيام، وبيوت مهدمة، ومراكز إيواء مكتظة.

اقتصاديًا، انهارت القدرة الشرائية بشكلٍ شبه كامل، إذ انخفض الناتج المحلي لفرد في غزة إلى نحو161 دولارًا سنويًا فقط -من بين أدنى المعدلات في العالم- بعد انهيار الاقتصاد بنسبة 83%، وارتفاع التضخم إلى 238% وبطالة تصل إلى 80%، مما دفع كل 2.3 مليون شخص للعيش تحت خط الفقر. 

كانت الأسرة تتجمَّع في بيتٍ واحد، والجمعة كانت موعدًا للمائدة والضحك. اليوم تفرَّق الجميع بين خيام وملاجئ، وصارت الجمعة مثل أي يوم، بل أحيانًا لا توجد وجبة أصلًا.

تحت وقع النزوح، تتشابه الأيام وتفقد الجمعة خصوصيتها. نقص الغذاء، قلّة المياه، حيث لا يحصل كثير من السكان إلا على بضع لترات يوميًا، وغياب الوقود، والغبار، والبرد أو الحر الشديد، كلها تفاصيل تحكم يوميات الناس. لا مطبخ حقيقي، ولا غاز، وأحيانًا لا أدوات طبخ. 

تشير بيانات إنسانية إلى ارتفاعٍ حادّ في الأسعار، وانخفاض القدرة الشرائية، وتزايد حالات سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء. نقص الغذاء، والمياه، والمحروقات، جعل إعداد أبسط وجبة تحدّيًا يوميًا، وأضعف الروابط الاجتماعية التي كانت تُبنى حول المائدة، بعدما كانت الطعام أحد أعمدة التماسك الأسري في المجتمع الغزي.

تقول رجاء مجدي، أم نازحة تقيم مع سبعة أفراد في خيمة لا تتجاوز مساحتها أمتارًا قليلة: "هذه جمعة بلا اجتماع، وبدون مائدة". وبينما تحاول كل أسبوع تجهيز "مائدة بسيطة" تردف: "حتى لو كان القليل، أريد أن يشعر أطفالي أن اليوم جمعة".

تُقسَّم الكمية القليلة من الطعام إلى حصص صغيرة، وغالبًا تعتمد الوجبة على المساعدات الغذائية غير المنتظمة. لم يعد الطعام احتفالًا، بل مجرد وسيلة للنجاة، في مكان تشير التقارير الأممية إلى أن غالبية سكانه يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي.

آدم محمد (28 عامًا) عمل خلال عامي الحرب في عدة أشغال، في محاولة لكسب الرزق. اليوم يعمل على بسطة لبيع المواد التموينية، ويقول: "الجوع قتل الإحساس بالفرح".

ورغم القسوة، لم تختفِ الجمعة تمامًا. ما زالت صلاة الجمعة، حتى لو أُقيمت في العراء أو قرب أنقاض المنازل، لحظة تجمع روحي نادرة. تحوّلت الطقوس: بدل المائدة الدسمة، إناءٍ من تكية يُقسّم على عدد كبير، أو قليل من الحساء أو البقول، أو جلسة صامتة بعد الصلاة.

في بعض المناطق، تحاول مبادرات مجتمعية وجمعيات خيرية إحياء المعنى، عبر توزيع وجبات يوم الجمعة. وجبات بسيطة، بالكادّ تكفي، لكنّها تحمل دلالة رمزية في مكان تُقدّر فيه منظمات دولية أن عشرات الآلاف من الأطفال يعانون من سوء تغذية متفاوت الشدة.

على وسائل التواصل الاجتماعي، اختفت الصور الاعتيادية لأجواء يوم الجمعة والسفرة الشهية. وأصبحت تنتشر الآن صور أطباق متواضعة ومشاهد تفتقد دفء العائلة واللمة، وعبارات حنين ليوم كانت فيه الوفرة ممكنة.

بين الذكرى والمعاناة، حافظ الغزيون على الجمعة بوصفها يومًا للتذكر، وللأمل، وللصمود. قد تكون المائدة غابت، لكن الرغبة في الاجتماع لم تنكسر. وفي غزة، حيث تُقاس الأيام الآن بالبقاء، يبقى الأمل قائمًا بأن تعود الجمعة يومًا ما إلى طقوسها القديمة، حين يجتمع الناس حول طاولة واحدة، لا على أرض خيمة.