الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، في مركز إيواء بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تجلس لمى (18 عامًا) أمام شاشة هاتفها، الضوء الأزرق يعكس إرهاق عينيها. قبل أشهر، قُصف منزل عائلتها في بيت لاهيا شمالاً، ونزحوا جنوبًا واستقروا هناك داخل مدرسة تابعة لوكالة الغوث (أونروا),
في صفاء الليل، تتصفح لمى تطبيق تيك توك، تفاجأت من رسالة وردت من حساب مجهول، تبدأ بعبارة "أنتم يا أهل الشمال..." ثم تتوالى كلمات التمييز.. أتعبتمونا، كنتم عالة علينا، ارجعوا من حيث أتيتم، استنزفتم المساعدات."
يثير هذا الواقع استيائها، وتقول: "قبل الحرب لم أكن أعرف شيئا عن هذا الصراع غير المرئي، بين شمال وجنوب، مهاجر ومواطن، بدوي ومدني، هذه أشياء عززتها الحرب لأجل تفرقتنا".
ما تمر به لمى ليس حالة فردية. إنها جبهة جديدة من جبهات الحرب في غزة، حيث حوّلت المنصات الرقمية من فضاءات تضامن إلى ساحات لتصفية حسابات اجتماعية مدمرة.

في واقع الأمر، يبدو الحديث عن الصراعات الاجتماعية واحدة من التابوهات في العرف المحلي، غير أن الحرب الأخيرة على القطاع قد عرت التفكك الحاصل في النسيج الاجتماعي.
وتكشف بيانات حديثة الحجم الحقيقي للكارثة الصامتة، ففي دراسة صادرة مؤخرًا عن مؤسسة "بال ثينك" للدراسات السياسية، أشار الباحث محمود عبد الهادي إلى أن "أكثر من 70% من سكان غزة يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة"، وهو ما يعادل لدى كثيرين عجزًا في ضبط الانفعالات، يتحول على المنصات إلى كراهية تُصَبُّ على الأقربين لا على الفاعلين الحقيقين وراء الحرب.
وأوضح عبد الهادي في دراسته التي حملت عنوان "خطاب الكراهية الرقمي في غزة: منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها على النسيج الاجتماعي"، ضمن مشروع "أكاديمية القيادة الشبابية للديمقراطية وحقوق الإنسان"،" أن "خطابات الكراهية الرقمية تندرج ضمن الحرب النفسية التي تستهدف تفعيل الصدمات المتراكمة ومنع التعافي" ، محذرًا من أن استمرارها "يُولّد على المدى البعيد نزعات عدوانية واضطرابات قلق وانغلاقًا على مجموعات فكرية متطرفة."

ويشرح المختص النفسي محمد مهنا، الذي يعمل في أحد مراكز الإيواء بخان يونس، الآلية قائلًا ": "عندما يفقد الشاب الغزي منزله، وأسرته، ومستقبله، ولا يجد من يُخرجه من سجن الخيمة، يصطاد أول هدف قريب: جاره النازح من المنطقة المجاورة، أو الناشطة التي تختلف معه سياسيًا، أو النازح الفقير الذي يصفه بأنه عالة على المجتمع."
النساء: ضحايا الهجوم المزدوج
لم تكن رنا (28 عامًا) -ناشطة حقوقية في غزة - تتوقع أن تدفع ثمنا باهظا لنشاطها الرقمي الذي بدأته لتوثيق الانتهاكات. قبل ثلاثة أشهر، نشرت تغريدة تنتقد توزيع المساعدات بشكل غير عادل. خلال 24 ساعة، تحولت حياتها إلى جحيم.
رسائل خاصة تصلها، إحداها يقول: "أي خيانة هذه؟ أنتِ طابور خامس، متى سيحاسبونكم يا عملاء الاحتلال؟" وآخر يصفها بـ"العار".
تتحدث رنا: "في البداية تجاهلت، لكن الأمور ازدادت سوءًا. بدأوا بإطلاق شائعات عن علاقات غير أخلاقية، وصل الأمر إلى تهديد أصدقائي، الآن، أنا لا أكتب أي شيء، حتى خوفًا على عائلتي."

ورصدت الدراسة التي أعدها الباحث عبد الهادي نمطًا خاصًا باستهداف النساء، فأوضح أن "التنمر الإلكتروني الموجه للنساء - لا سيما العاملات في المجال العام والناشطات الحقوقيات والصحفيات - يستهدف نشاطهن المهني وحريتهن في التعبير."
وكشفت نتائج الاستبيان الذي أجراه عبد الهادي أن 75% من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع يتعرضن لخطاب كراهية رقمي، فيما أشار إلى أن العدد الفعلي ربما أكبر لأن النساء قد يترددن في الإفصاح.
ومما يزيد الطين بلة أن هذه الهجمات تحقق أهدافها. فمنظمة هيومن رايتس ووتش وثّقت تراجعًا ملحوظًا في مشاركة النساء في النقاشات الرقمية العامة خلال عام الحرب الثاني؛ إذ تختار النساء الصمت بدل المخاطرة.
وقالت الباحثة والمختصة النفسية ألفت المعصوابي : “هذا الصمت ليس سلامة، بل هو خسارة للمجتمع لأصوات نسائية حيوية. النساء يدفعن ثمنا مضاعفا: مرة لكونهن في غزة تحت القصف، ومرة لكونهن نساء يعبرن عن رأيهن.”
النازحون وذوو الإعاقة: خطاب لا يرحم

بينما يشتد القصف، تتصاعد نبرة أخرى من الخطاب على المنصات، لا تستهدف السياسيين ولا الناشطين، بل الأكثر ضعفًا: نازح محتاج إلى مأوى فقط.
في خيمة بمواصي خان يونس، يتحدث سامي عليان (40 عامًا)، وهو أحد النازحين من مخيم جباليا، وفقد أطرافه السفلى في قصف استهدف مبنى مجاور. الآن يعتمد على كرسي متحرك بالٍ.
يقول عليان: "قرأت تعليق على فيسبوك: "هؤلاء المعاقون يستنزفون المساعدات، كان الأجدر بهم البقاء في مناطقهم، وبالفعل شعرت بالكثير من الألم نتيجة هذه الكلمات".
لم تكن هذه حالة وحيدةـ إذ تؤكد إكرام دلول، مديرة مركز إيواء وطن في وسط غزة أن "نازحين تعرضوا للتنمر بسبب فقرهم أو احتياجهم للمساعدات، على الملبس والمسكن وقلة النظافة" ، مشيرة إلى أن هذا التنمر “يُضعف قدرة المؤسسات الإغاثية على الوصول إلى المستفيدين داخل مراكز الإيواء.” وهو ما يُعقّد الأزمة الإنسانية التي تتفاقم يومًا بعد يوم، إذ تُفضي رسائل التحريض الرقمية إلى عنف جسدي حقيقي.
ونقل الباحث عبد الهادي شهادة خطيرة لإحدى مديرات مركز الإيواء: "منشورات تحريضية بين أهالي مناطق جغرافية مختلفة تحولت إلى مشادات وشجارات عائلية أودت بحياة أحد النازحين داخل مركز الإيواء"، وهو نموذج صارخ لانتقال خطاب الكراهية الرقمي إلى عنف ميداني حقيقي.
الشباب: أرض خصبة للتطرف
في مقهى إنترنت بمدينة غزة - وهي من الأنشطة القليلة التي لم تتوقف تمامًا رغم الحرب - يجلس ثلاثة شبان في العشرينيات، يتصفح كل منهم صفحته على فيسبوك. يبتسم أحدهم لتعليق حاد يقرؤه، وآخر يرسل منشورًا سياسياً متطرفًا إلى مجموعة واتساب.
محمد (22 عامًا) الذي نزح ثلاث مرات، يقرأ تعليقات تحرض على عائلة. سألناه عما إذا كان يصدق هذا الخطاب، فأجاب بارتباك: "لا أعرف، لا توجد حقيقة مطلقة، لكنني أميل للتصديق، في النهاية الواقع يجعلنا نصدق كل ما يقال لأنه ليس هناك مرجعيات واضحة ننتقي منها الأخبار والمعلومات الحقيقية".
لا يبدو الأمر تبريرًا بقدر ما هو تشخيص، فالشباب الذين يشكلون 40% من سكان قطاع غزة، هم في مرحلة عمرية تتصف بتبلور الهوية والشعور القوي بالظلم، وفي غزة، يضاف إلى ذلك الفقر المدقع، والبطالة المتفشية، وتراجع مستوى التعليم.

ووجد الباحث عبد الهادي أن الفئة العمرية 16-28 عامًا هي الأكثر تعرضًا وانكماشًا من جراء خطاب الكراهية الرقمي، مشيرا إلى ثلاثة مسارات رئيسية لتأثير هذه الظاهرة، وفقًا لأبحاث اليونيسف التي استشهد بها: المسار النفسي (تآكل الثقة الاجتماعية والقلق المتصاعد)، ومسار هوية الجماعة (تضخم الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة)، ومسار السلوك (ارتفاع التسامح مع العنف وتراجع الإبلاغ عن المحتوى الضار).
ما زاد الطين بلة ما أشارت إليه أخصائية الصحة النفسية ألفت المعصوابي في شهادتها للدراسة: الخطر الأشد هو "وضع ألفة وشرعنة للعنف ضمن البنية المعرفية للشباب مع مرور الوقت" ، محذرة من أن العنف الرقمي الراهن "قد يُنتج على المدى البعيد تحولًا في منظومة القيم الجمعية."
هذا التحول قد يعني أن الحرب على غزة تُحدث، إلى جانب دمار البنية التحتية، أيضًا تآكلًا في الأخلاقيات والعادات الاجتماعية، الأمر الذي قد يستغرق عقودًا لإصلاحه.
الفراغ القانوني والمؤسسي: بيئة خصبة للإفلات من العقاب
في عالم تغيب فيه أدوات إنفاذ القانون، وتتوقف المحاكم، وتنهار المؤسسات، يصبح الفضاء الرقمي "مساحة حرة" لأي كان أن يكتب ما يشاء دون خوف من العواقب.
يؤكد المحامي والخبير القانوني محمد أبو مطر، أن "الإطار القانوني الموجود ضد الكراهية كاف نظريًا، بشرط أن تكون هناك سلطة مركزية قائمة على تطبيق القانون، لكن هذه السلطة غير موجودة اليوم في غزة، بسبب الحرب".
وأكد خبير قانوني آخر، يدعى سامي غنيم، أن "القوانين الفلسطينية تتطلب "لي عنق النص" لتطبيقها على خطاب الكراهية الرقمي في ظل غياب تشريع خاص وجامع.
في الأثناء، كشف الباحث عبد الهادي عن أن غياب آليات المساءلة "يولّد ديناميكية التصعيد التدريجي: فما يبدأ بتعليق ناقد يتحول إلى هجوم شخصي، ثم إلى تحريض جماعي."
وتتعقد الصورة أكثر عندما يُضاف إلى ذلك عدم تعاون شركات التكنولوجيا الكبرى، فمنظمة هيومن رايتس ووتش وثّقت تناقضًا صارخًا "بين سرعة استجابة منصات التواصل لإزالة المحتوى الذي ينتقد السياسات الإسرائيلية، وبين تقاعسها عن إزالة المحتوى التحريضي الذي يستهدف الفلسطينيين."
عدنا إلى لمى - الفتاة المراهقة التي تعرضت للتنمر الرقمي- سألناها عن أحلامها، فأجابت ببراءة: "أريد أن أعود إلى بيت لاهيا، أن أفتح حاسوبي وأتابع دروسي عبر الإنترنت دون خوف، وأقرأ تعليقات داعمة، لا كراهية".
أحلام بسيطة لأُناس يدفعون ثمنًا غاليًا في حرب مشتعلة على الأرض وعلى الشاشات أيضاً. لكن يبقى السؤال: هل يمكن إعادة بناء النسيج الاجتماعي الفلسطيني الذي يتهدده سلاح التحريض الرقمي، أم أن هذه الكراهية ستترك ندوبًا أعمق مع الوقت؟