جلس أبو أحمد ابراهيم، أب لسبعة أطفال، أمام الملابس التي اختارها من أحد المحال التجارية، يفحصها واحدة تلو الأخرى. حمل قسيمة شرائية بقيمة 500 شيكل، لكنه فوجئ بأن ما حصل عليه لا يتجاوز 150 شيكلًا فقط من قيمة القسيمة. وعلى الرغم من وجود بضائع عالية الجودة داخل المحل، فإنّ حاملي القسائم يُمنعون من الوصول إليها، إذ خُصصت لهم بضائع محددة فقط دون غيرها وهو ما يشكو منه مستفيدون باستمرار.

تلّقى ابراهيم رسالة توجهه لاستلام ملابس بقيمة 500 شيكل، ضمن قسيمة شرائية مقدمة من مؤسسة آكتد بالتعاون مع مؤسسة فارس العرب. عند وصوله إلى المحل، وجد الملابس بجودة ضعيفة لا تتماشى مع البضائع التي دخلت القطاع في الفترات الأخيرة، رغم دخول عدد من الشاحنات التجارية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.

يقول سمور، وهو يعدُّ مشترياته، موضحًا الفجوة بين السعر الأصلي وسعر المحل: "غالبية المؤسسات الإغاثية لا تلتزم بالعدالة في التوزيع، وهناك اتفاقيات غير شفافة مع بعض المحال بحيث يستفيد التاجر والمؤسسة على حساب المواطن".

واجه ابراهيم مندوب المؤسسة بأنّ أسعار الملابس في هذا المحل تفوق السوق بالكامل، لكنّ الأخير بررَ بأنّ الأسعار تم الاتفاق عليها مسبقًا، وأنّ الدفعة القادمة ستتضمن تعديلًا للأسعار".

وحين استنكر ابراهيم ذلك وسأل: "لماذا يتحمّل المواطن الثمن؟ ما ذنبه أن تُسجل قسيمته بـ 500 شيكل وهو لم يحصل إلا على 150 شيكل؟"، اكتفى موظف المؤسسة بالرد: "إذا لديك أي اعتراض، قدم شكوى عبر دائرة الشكاوى".

تُمنح القسائم للمواطنين الذين هُدمت منازلهم، على أن تُصرف من المحال المتعاقدة مع المؤسسة المانحة وفق آلية محددة. إلا أنّ آلاف المواطنين قدموا شكاوى عن رداءة البضائع ومنعهم من شراء أي سلع أخرى متوفرة داخل المحل، في وقتٍ يشهد فيه السوق المحلي ارتفاعًا قياسيًا في الأسعار بشكل عام نتيجة ندرة البضائع بعد عامين من النزاع وارتفاع تكاليف النقل، إذ سجّل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في قطاع غزة ارتفاعًا بنحو 75.6٪ مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

فادي أبو لبن، مستفيد آخر، قال إنه عاد إلى البيت من المحل التجاري غاضبًا من البضاعة المعروضة: "مع قسيمة بقيمة 500 شيكل، تجوّلت أكثر من مرة في المحل ولم أتمكن من شراء ما يعادلها. اشترينا ثلاث ترنجات شتوية، لكن لا توجد مقاسات مناسبة ولا قطع بجودة جيدة. يجب على المؤسسات مراقبة ما تعرضه المحال وما نجبر على أخذه".

عمر حمزة، نجار وأب لطفلتين يعتمد على المساعدات الإغاثية لمواجهة الغلاء، حصل على قسيمة بقيمة 200 شيكل. بعد ساعات انتظار على باب المتجر، اختار ترنجين لطفلتيه: "اخترت ترنقين بـ 200 شيكل، لتتفاجأ زوجتي في اليوم التالي أن قيمتهما الحقيقية 120 شيكل فقط. حاولنا تبديلهما فرفض المحل، وبعد مُشادة كلامية قبلوا التبديل. لماذا القطع التي تُباع لنا أغلى من الزبون العادي؟".

التجربة ذاتها عاشتها صابرين سلامة، وهي أم لثلاثة بنات، تشكو من غلاء الملابس وضعف الخيارات: "حصلت على قسيمة قبل العيد، رغبت في شراء كسوة لبناتي، لكن لم أجد أي طقم رسمي كامل. اضطررت إلى شراء فساتين أفراح ودفع فرق السعر فوق القسيمة".

المواطنون يتساءلون عن سبب غياب متابعة المؤسسات للمحال والتدقيق في نوعية البضائع المقدمة عبر القسائم، خاصة في ظلّ الوضع الإنساني الكارثي في غزة الذي يشهده القطاع بعد حصار طويل ونقص حادّ في الغذاء، الدواء، والوقود.

غياب الرقابة ومسؤولية المؤسسات الإغاثية

توجهت مراسلة آخر قصّة إلى مؤسسة فارس العرب للاستفسار عن كيفية اختيار المحال التجارية ومراقبة جودة البضائع المقدمة للمستفيدين، فالتقت بمنسق دائرة الإعلام، غازي الخالدي، الذي قال: "نحن مجرد شريك منفذ يدعم ماليًا، ولا نتدخل في المناقصات التي تُرسى على المحال التجارية. مؤسسة آكتد، شريكنا، هي المسؤولة عن عملية اختيار المحال وتنسيق الكشوفات وغيرها من الإجراءات المتعلقة بالقسائم".

في المقابل، رفضت آكتد الإفصاح عن مهامها في غزة، وقال محمد عبد الهادي، منسق الإعلام لمراسلة “آخر قصّة”: "لا يمكنني التصريح عن أي من أعمالنا في غزة، المؤسسة من فرنسا تمنع الحديث الإعلامي وعرض أي من تدخلاتنا في غزة، حتى عبر صفحاتنا الرسمية".

حاولت معدّة التقرير التواصل مع اليونيسيف، كونها الجهة الدولية الرئيسية المسؤولة عن برامج الدعم المتعلقة بالأطفال والأسر في غزة، للحصول على تعليق بشأن التساؤلات المطروحة حول جودة البضائع وآلية صرف القسائم. إلا أنّ المؤسسة لم ترد على أي من الرسائل أو المكالمات، وهو ما ينعكس أيضًا في صعوبة التواصل مع منظمات دولية أخرى، حسب تقارير محلية حول غياب الشفافية في بعض برامج المساعدة.

من الناحية القانونية، يرى المحامي حماد اضهير أن وزارة الداخلية في غزة، وبالتحديد دائرة الجمعيات والإدارة العامة لشؤون المنظمات غير الحكومية، لا تمارس أي دور رقابي فعلي على عمل المؤسسات حاليًا، على الرغم من أن قانون الجمعيات والهيئات الأهلية رقم 1 لعام 2000 يلزمها بالرقابة الدورية المفاجئة وإعداد التقارير المالية والإدارية.

ويضيف اضهير أنّ هذا الوضع، حسب تقييمه، يُشكِّل أيضًا خرقًا للفقرة الأولى من المادة 3 من قانون حماية المستهلك رقم 21 لعام 2005، الذي يكفل جودة الخدمة أو السلعة المقدمة للمستهلكين. ويترتب على ذلك أثر مباشر على المواطنين، الذين يُجبرون على استلام بضائع منخفضة الجودة بأسعار مرتفعة، ما يزيد من معاناتهم الاقتصادية ويقلص قدرتهم على تلبية احتياجات أسرهم الأساسية.

في ظلّ غياب رقابة فعالة وتذبذب دخول المساعدات إلى القطاع، حيث لا يتجاوز عدد الشاحنات الإنسانية في بعض الفترات 200 شاحنة يوميًا رغم اتفاقات نصّت على إدخال 600 شاحنة، يبقى المواطن تحت وطأة الأزمة بدلًا من أن تكون القسائم دعمًا حقيقيًا.

ومع تزايد الشكاوى حول رداءة البضائع وارتفاع أسعارها مقارنة بالسوق، تتعاظم التساؤلات حول دور المؤسسات الإغاثية ومسؤوليتها الأخلاقية والقانونية في حماية المستفيدين. وبين تبادل الجهات المعنية المسؤولية، يدفع المواطن وحده الثمن، منتظرًا تدخلًا جادًا يضع حدًا لهذه الممارسات ويضمن جودة ما يُقدَّم باسم الإغاثة.