ذلك الفأر اللعين الذي استحبَّ انحناءات الوسادة، جاء على غير العادة مُقتحِمًا عتمتي. استشعرتُ قُربه يدسُّ رأسه بحذر، وَقِحٌ لا يخشى الملاحقة فيسير ببطء أكثر من مَهَلٍ. يُستَفِزُّني ويُثير اشمئزازي، أفضل أن أقول ذلك، على أن أقول إني أشعر بالخوف منه، خوفٌ يُفزعني ويُصيبني بالتَّعَرُّق، بل يجعل النوم مستحيلاً، يستهلك ليلي كاملاً حتى شروق الشمس.
ومع ذلك، لم أُعِرِ الأمرَ اهتمامًا، إلى الحدِّ الذي يجعل هذا الفعل محفِّزًا على الكتابة، إلا حين عاد مرةً ثانيةً وثالثةً، والغريبُ أنه يزور الجيران أيضًا. والبعضُ يقول إنه أصبحَ مُقيمًا في صندوق المعونة الفارغ بين حَبَّتي عدس وسبع حبات فاصولياء.
آخرون قالوا إنه يُقيم بين الكراتين الفارغة التي يُطعمونها للنار من أجل صناعة فنجان قهوة أو كأس من الشاي.
تخيل وأنت تستطيبُ دُخانَ الكرتون المحروق لصناعة قهوتك، تَدُسُّ يدَك فتُلامسُ فأرًا.
أن يمرِّر طفلٌ يدَه بين فرشتَين كي يجلب لُعبته التي أخفاها عن عيون إخوته، فتُصيب فأرًا. فأرٌ يستحبُّ انحناءات المخدة وثقوب الإسفنج، وزوايا الخيمة. فأرٌ ثَمِلٌ يُفسد نومنا وصحونا، فأرٌ مُتآمِرٌ يُثير اليقظةَ ويتعاظم مع حركته شعورُ الخوف، يرفض أن يعطينا الفرصةَ لاستشعار الطمأنينة تحت أيِّ مسمى كمسمى "وقف إطلاق النار" مثلاً، فأرٌ سخيفٌ يأتي بعد حربٍ يُشاركك التفاصيلَ كما تفعل طائرة استطلاع لا تعترف بالهُدْن.
كأن السخافةَ التي نعيشها ينقصها سَماجةُ فأر، أقول في نفسي وأنا أُلاحق حركته بنصب الكُمَين الصمغية، ثم أعود خطوة إلى الوراء أتَّخذ موضعَ الاستعداد للهجوم حاملاً في يدي فَرْدَةَ حذاء بنعل مدبب.
أُضيء بكاشف الجوال كي أُبَدِّد العتمة، أُشَخِّصُ في صُرَر الملابس المتراصة، يُرهقني الانتظار على عكس ما يفعل حرس الحدود الذين يطلقون النار على نَقْرَةِ فأر حتى وإن لم يَرَوْه.
تغفو عيناي، أُكافح النعاس بتصفُّح الأخبار، يقفز في وجهي فيديو محفِّزٌ لإعادة الإعمار، في أقل من دقيقة يعطي تصوُّرًا من خيام فوق ركام متناثر، إلى نمط حضاري يتجاوز "الريفيرا".
أصمت، أبتسم، أعود لمراقبة الفأر الذي استحبَّ انحناءات الوسادة، أتوعدُه حينما يتحقق وعد الإعمار سأحكم إغلاق النوافذ كي لا أراك، فيباغتني بعنادٍ ووقاحةٍ يعود الخوفُ يتلبسني، عفوًا اقصد يثيرُ اشمئزازي، فنحن نخشى أن نُوصَمَ بالخوف لأننا “أبطال خارقون”، أما نحن في الحقيقة عاديون جداً يُفزعنا فأرٌ مثل أيِّ بشر. ولأن الغمر هو أفضل وسائل التخلص من الفوبيا، قررتُ أن أتحدى الوَصْمَ وأعبر عن خوفي من الفأر بالكتابة. أعي تماماً أن الكتابةَ مقبرةُ المخاوف، لكنها ليست مصيدةً للفئران.