عندما اشتكت سيدة في مدينة غزة إلى أمن المخيم الذي نزحت إليه، بعد أن تحرّش بها رجل مسنّ جسديًا وهي تقف في طابور الماء، قوبلت باللوم من جيرانها ونساء المخيم لأنها "فضحت" نفسها، فلم تجد أمامها سوى صمتٍ لم تختره.

وفي المدينة نفسها، قصدت سيدة دورة المياه للاستحمام ليلًا، فسمعت همسًا ورأت شابًا يراقبها من فتحة في السقف المكشوف. ارتدت ملابسها وخرجت مسرعة، ولم تخبر أحدًا خشية الفضيحة وخوفًا على سمعة بناتها.

أما الثالثة، فيمنعها زوجها من الخروج حتى لرؤية أهلها، وتدرك أنها لو قصدت مساحة آمنة للنساء وعلم بالأمر لضربها. لذا لزمت خيمتها صامتة، تخفي حزنها عن الجميع.

هذه الحالات الثلاث جزء من شهادات عديدة لنساء يوثقها تقرير أممي صدر نهاية سبتمبر 2026 عن العنف القائم على النوع الاجتماعي في مخيمات النزوح بغزة. تروي فيه نساء تعرضن للتحرش أو الاغتصاب أو التزويج القسري أو العنف الأسري أن "الصمت كان الخيار الوحيد المتاح"، بما يعنيه ذلك من بقاء في علاقات مسيئة واستمرار للانتهاك. ويصفن نمطًا يحمل فيه الإبلاغ خطر اللوم، أو مزيدًا من القيود، أو الانتقام من الضحية.

ويرصد التقرير تصاعد الانتهاكات ضد النساء في واقع معيشي وحقوقي معقّد تفاقمه الحرب: فقدان البيت، والنزوح المتكرر، وفقدان مصدر الدخل، وانهيار شبكات الدعم الأسري، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والنفسية والقانونية، وسط ضغوط مركّبة وصدمات متراكمة.

وتبدو الأرقام ثقيلة، لكنها تحجب بقدر ما تكشف. فبحسب بيانات إدارة المخيمات الواردة في التقرير، يعيش أكثر من 1.14 مليون نازح في مخيمات مدينتي غزة وخانيونس وحدهما، نحو 583 ألفًا منهم نساء وفتيات، في مواقع يفتقر ثلثها تقريبًا في مدينة غزة، وأكثر من 40% منها في خانيونس، إلى جهة إدارة رسمية.

وفي ظل هذه الظروف، ارتفعت بلاغات العنف القائم على النوع الاجتماعي بنسبة 60% في النصف الأول من 2026، بحسب تقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، الذي رصد كذلك قفزة بنسبة 123% في الزواج القسري والمبكر في غزة. ويلفت التقرير إلى أن هذه الأرقام تقتصر على الحالات التي وصلت إلى مقدمي الخدمة، ما يعني أن العدد الفعلي قد يكون أكبر.

تبيّن هذه الشهادات أن الضغوط النفسية والاجتماعية على المرأة تتضاعف حين تفكر في الشكوى، وترجح كفة الصمت أكثر حين تكون محاصَرة بالخوف ومعتمدة على المعتدي في سكنها أو مالها. ومن هنا تتبلور أسئلة: ما طبيعة الضغوط التي تدفع النساء إلى الصمت؟ وما الحالة النفسية والاجتماعية التي يعشنها مع هذا القرار؟ وماذا يمكنهن فعله لحماية أنفسهن؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، حاورنا سلمى السويركي، مشرفة مديري الحالة في مركز شؤون المرأة، حول الترهيب النفسي والاجتماعي وثقافة الإسكات. سألناها عن أشكال الضغوط التي تُمارَس على المرأة حين تفكر في الشكوى من انتهاك أو تُقدم عليها، ولماذا يسارع المحيط القريب إلى إسكات الضحية أو تجريمها، ويحوّل البوح إلى "جريمة تشويه سمعة" بدل أن يراه خطوة نحو العدالة واستعادة الحقوق.

ضغوط تحاصر النساء

أحالت السويركي تراجع النساء عن التبليغ إلى الواقع الذي يعشنه: نازحات فقدن بيوتهن، يعشن في اكتظاظ خانق داخل خيام متلاصقة من القماش والنايلون، أو في مراكز إيواء هي في الأصل مدارس، بغرف صفية متجاورة ودورات مياه مشتركة. ومع غياب الخصوصية وصعوبة الوصول إلى الخدمات، تصبح الشكوى قرارًا ثقيلًا جدًا.

ثم يأتي ثقل المجتمع؛ فأول ما تواجهه المرأة حين تتكلم سؤال: "ماذا فعلتِ؟ وما الذي دفعه، أي المعتدي، إلى ذلك؟". فنسأل عن الضحية ونغرق في لومها، غافلين عن السؤال الأهم: لماذا حدث هذا؟ ومن المسؤول عن انتهاك حقها؟ ويُضاف إلى ذلك خوف الأسرة من الفضيحة وحرصها على صورتها أمام الناس، حتى لو كان الثمن سلامة ابنتها نفسها.

ولا تقف المرأة في العادة أمام معتدٍ متكافئ معها؛ فبحسب السويركي، هي في مواجهة شخص قد يملك نفوذًا اقتصاديًا كأن يكون معيلها، أو اجتماعيًا وعائليًا كالأب، أو يحتل موقعًا مؤثرًا في محيطها كمندوب المخيم. وحين تفقد ثقتها بمؤسسات العدالة والحماية، وتخشى أن يجلب الإفصاح أذى لها أو لأطفالها دون حماية حقيقية، يبدو الصمت لها أقل الخيارات خطورة. وهو لا يعني قبولها بالانتهاك، بل محاولة للنجاة ضمن خيارات محدودة للغاية.

وقد تتخوف بعض النساء من تقديم الشكوى خشية كشف بياناتهن الخاصة. وتوضح السويركي في حديثها مع "آخر قصة"، استنادًا إلى إجراءات العمل المتبعة في مركز شؤون المرأة، أن الفتاة حين تبلّغ عن انتهاك عبر قناة موثوقة ومناسبة وتطلب الحماية والتحقيق، تتعامل القنوات المختصة مع البلاغ وفق آليات منظمة وآمنة تحفظ سرية معلومات الناجيات. 

والأخطر، برأي السويركي، أن تتبنى النساء الرسائل المغلوطة التي توجَّه إليهن من مجتمعهن ومحيطهن، من الأب أو الشقيق أو العم، فتُحمَّل الضحية الحق كاملًا: "أنتِ من سمحتِ بحدوث هذا، السبب هو طريقة لباسك وزينتك، لو لم تفعلي كذا لما حصل ما حصل".

وهذا يقودنا إلى أثر هذه الضغوط في الصحة النفسية للنساء، وإلى أي حد تدفعهن إلى العيش تحت وطأة الانتهاك خوفًا من تبعات الإفصاح عنه. تبيّن السويركي أن الأثر عميق ويتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ فالنساء اللواتي يختبرن هذه التجربة يعانين من اضطرابات النوم والقلق المستمر والتوتر والخوف من المستقبل، إلى جانب الشعور بالذنب والخجل. وهي أعراض مرتبطة بالصدمة الناتجة عن الانتهاك نفسه وعن الخوف من الإفصاح والتبليغ، مع التنبيه إلى أنه ليس بالضرورة أن تمر كل امرأة بها جميعًا.

وتتضاعف المعاناة حين تبدأ المرأة بتبنّي فكرة أنها المخطئة فتلوم نفسها، إذ يزداد خوفها وتصبح حالتها أصعب، خاصة إن كانت تعتمد في معيشتها على من حولها، وأشد صعوبة إن كان المعتدي هو معيلها نفسه. وفي هذه الحالة يصبح التراجع عن الشكوى أكثر ترجيحًا من وجهة نظر الضحية، لكنه لا يعني أنها ضعيفة.

ويكفل القانون الفلسطيني حماية الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز، بنص المادتين 9 و10 من القانون الأساسي، ويحظر الاعتداء عليها بموجب المادة 32 التي تعدّه جريمة لا تسقط بالتقادم.

كما تكفل اتفاقية سيداو الدولية، التي انضمت إليها فلسطين عام 2014، حقوق المرأة بتفصيل أوسع؛ إذ تُلزم الدول بإدانة التمييز ضد النساء، واتخاذ تدابير تشريعية لحظره، وتوفير حماية فعالة تشمل الحماية القانونية. وتُلزم المادة 5 الدول بتغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية القائمة على أفكار نمطية عن المرأة، وتُلزمها المادة 15 بمساواتها بالرجل أمام القانون، كما تعدّ الاتفاقية العنف ضد المرأة شكلًا من أشكال التمييز.

من الخوف إلى الأمان

وحين سألناها عمّا ينبغي أن تفعله امرأة تتعرض اليوم للابتزاز أو التهديد أو الضغوط لتصمت عن انتهاك، وما أولى الخطوات العملية والوقائية لحماية نفسها نفسيًا وجسديًا دون أن تتراجع أو تستسلم، شددت السويركي على أن الأولوية لتقييم الخطر المباشر. فإذا كان هناك خطر على حياتها أو تهديد جدي بإيذائها، فعليها التوجه إلى المكان الأكثر أمانًا وطلب المساعدة من شخص موثوق أو جهة حماية تستطيع الوصول إليها، كأمن المخيم. ولفتت إلى أن تعرّضها للانتهاك وعزوفها عن الإبلاغ لا يحتّمان عليها مواجهة المعتدي بمفردها، خاصة إذا كان رفض مطالبه قد يصعّد الخطر.

والخطوة التالية وضع خطة حماية واقعية بالتعاون مع مختصة أو شخص موثوق، تشمل شخصًا يمكن الاتصال به في حالة الطوارئ، والمكان الذي يمكن اللجوء إليه وكيفية الوصول إليه، وتأمين الاحتياجات الأساسية تحسبًا لأي تصعيد.

وتلفت المختصة إلى أهمية تعزيز الأمان الرقمي بما هو متاح، بتغيير كلمات المرور وتأمين الحسابات الشخصية والدخول إليها من أجهزة موثوقة، ما يحدّ من قدرة المعتدي على الوصول إليها. وعلى المرأة التي تتعرض لابتزاز إلكتروني أو تتلقى رسائل تهديد من أي نوع أن تحتفظ بالأدلة المتاحة بأمان وبعيدًا عن متناول المعتدي، وتشمل الأدلة التواريخ وأسماء الحسابات وتوقيت التعرض للانتهاك.

وبالتوازي، يمنح الوصول إلى جهة مختصة أو أخصائية اجتماعية المرأة قدرًا أكبر من الأمان. وأشارت السويركي إلى وجود 11 مساحة آمنة قائمة حاليًا، تابعة لأحد مشاريع مركز شؤون المرأة، تقدم خدماتها للنساء في محافظات غزة والوسطى وخانيونس. كما يستقبل المركز شكاوى النساء على الرقم المجاني 1800333666.

وختمت برسالة موجّهة إلى كل امرأة: "لستِ أنتِ المسؤولة، والانتهاك مسؤولية من ارتكبه. احمي نفسكِ بما هو متاح لديكِ، وحين تكونين قادرة قدّمي بلاغًا بالانتهاك إلى الجهات المختصة، لتتولى بعدها حمايتكِ واستعادة حقوقكِ ومساءلة الجاني".