كانت نهاية الأسبوع موعدًا كافيًا لأن تقطع أحلام مطير، "35 عامًا"، بضع دقائق لزيارة بيت أهلها. تجلس بينهم، وتتبادل معهم الأحاديث التي تمتد حتى المساء، ثم تعود إلى منزلها. لم تكن الزيارة تحتاج إلى ترتيب مسبق؛ فقرب المسافة جعلها جزءًا عاديًا من روتينها الأسبوعي.

اليوم، تفصل مطير عن عائلتها رحلة قد تستغرق من خمس إلى ست ساعات، وفقًا لشهادتها. فهي تقيم مع أطفالها الثلاثة في شمال قطاع غزة، بينما تعيش عائلتها في خيام بمواصي خان يونس جنوبًا. وبعدما كانت تصل إلى بيت أهلها في نحو ربع ساعة، أصبحت الزيارة تتطلب وقتًا طويلًا وتكاليف تنقل يصعب تحملها.

تقول مطير إنها كانت تزور أهلها كل أسبوع تقريبًا، أما الآن، فباتت تتصل بهم للاطمئنان عليهم كلما تعذّر عليها الوصول. تمنحها المكالمة بعض الطمأنينة، لكنها لا تعوّض الجلوس معهم، إذ توجد أحاديث يصعب نقلها عبر الهاتف.

ولم تتغير المسافة وحدها؛ فالخيمة التي تقيم فيها أعادت تشكيل طريقة استقبالها للآخرين. كان المنزل يتسع للزوار، ويتيح لهم الجلوس والحديث براحة. أما الخيمة، بمساحتها المحدودة ووجود أفراد الأسرة في المكان نفسه، فتجعل استقبال الضيف مسألة تحتاج إلى التفكير في مكان جلوسه وإمكانية التحدث بخصوصية.

حتى الضيافة أصبحت مرتبطة بتوافر الماء والوقود والطعام. وتوضح مطير أن صعوبة تأمين هذه الاحتياجات تجعلها تتردد أحيانًا في دعوة الآخرين أو استقبالهم، رغم رغبتها في اللقاء.

تفاصيل متباينة

بالنسبة إلى أميرة الوادية، "28 عامًا"، يظهر التغيّر في اللقاءات التي كانت تجمعها بصديقاتها. قبل الحرب، كان يكفي اتصال بعد الظهر للاتفاق على مقهى في شارع الرمال أو بالقرب من بحر غزة، ثم الخروج لبضع ساعات بعيدًا عن العمل وروتين المنزل.

كانت الأحاديث تتنقل بين تفاصيل الحياة اليومية وخطط المستقبل والعمل والطموحات، وتتخللها ضحكات لا تحتاج إلى مناسبة. وفي تلك الساعات، كانت الوادية تجد وقتًا تختاره بنفسها، ومكانًا تلتقي فيه بصديقاتها بعيدًا عن التزامات المنزل والعمل.

أما اليوم، فقد تفرّقت صديقاتها في مناطق مختلفة، وأصبح الوصول إليهن مرتبطًا بمكان النزوح والظروف الأمنية وتوافر وسائل النقل. كما تغيرت الأماكن التي اعتدن الاجتماع فيها، وأصبح الخروج بغرض الترفيه أصعب مع طول المسافات وارتفاع تكاليف التنقل ومخاطره.

بدلًا من الاتفاق على مكان اللقاء، تبدأ محادثات الصديقات غالبًا بالسؤال عن أحوال بعضهن ومكان وجود كل واحدة. وتحولت الرسائل الصوتية والمكالمات المتقطعة عبر تطبيق واتساب إلى وسيلة للتواصل، عندما تتوافر شبكة الإنترنت وتسمح الظروف بذلك.

وامتلأ الوقت الذي كان مخصصًا للقاءات بمهام أخرى، مثل الوقوف في طوابير الحصول على الخبز، والبحث عن الاحتياجات الأساسية، وشحن الهواتف، ومقارنة الأسعار. وأصبحت الأحاديث تدور بدرجة أكبر حول ما ينقص الأسرة وسبل تأمين متطلبات الحياة اليومية.

إيقاع مختلف

أما أحمد قاسم، "27 عامًا"، فقد انعكس التغيّر على يومه المهني. قبل الحرب، كان يعمل في مجال العمل الحر وخدمات التصميم، ويقضي ساعات طويلة أمام حاسوبه، متنقلًا بين تنفيذ مهام العملاء ومتابعة الحسابات والاجتماعات الافتراضية. وكان وجود مهمة في اليوم التالي يعني أن ينهي سهرته، ويضبط المنبّه، ويستعد ليوم عمل جديد.

لم يكن العمل بالنسبة إليه مصدرًا للدخل فحسب؛ فقد أتاح له مساحة للاستقلال وبناء الذات، وكان خطوة نحو مستقبل يخطط له، شأنه شأن كثير من الشباب في عمره.

اليوم، لا يملك قاسم مكان عمل مستقرًا، ويعرقل انقطاع الكهرباء تشغيل الحاسوب، فيما يصعّب عدم استقرار الإنترنت متابعة متطلبات العمل عن بُعد. ومع استمرار العمليات العسكرية وتداعياتها، تراجعت فرص العمل والعقود التي كان يعتمد عليها.

يقول قاسم إن استيقاظه لم يعد مرتبطًا بمهمة أو موعد ينتظره. فبدلًا من تسليم مشروع أو متابعة اجتماع مع أحد العملاء، يبدأ يومه بالبحث عن وسيلة لشحن هاتفه أو بطاريته، وتأمين المياه، وتدبير احتياجات اليوم.

ويضيف أن أحاديثه لم تعد تدور حول مشروع جديد أو عقد ينتظره، بل أصبحت أسئلة مثل "هل يتوفر الطحين اليوم؟" و"من أين سنحصل على المياه؟" و"متى ستنتهي الحرب؟" حاضرة في يومه.

 

تتباين تجارب مطير والوادية وقاسم، لكنها تكشف تحوّلًا مشتركًا: تفاصيل كانت تنظم الحياة اليومية بصورة تلقائية أصبحت تتطلب وقتًا وموارد وظروفًا قد لا تتوافر. فالنزوح يباعد بين أفراد العائلة والأصدقاء، فيما تستحوذ متطلبات تأمين الاحتياجات الأساسية على وقت كان مخصصًا للقاءات أو العمل.

وتندرج هذه التحولات ضمن سياق أوسع من النزوح المتكرر في قطاع غزة. فبحسب خطة الاستجابة لأزمة الأراضي الفلسطينية المحتلة لعام 2026، الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، ظل نحو 1.9 مليون شخص، أي قرابة 90% من سكان القطاع، نازحين حتى أكتوبر 2025، ونزح معظمهم أكثر من مرة. وبحسب أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لا يزال غالبية سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، نازحين.

تقيس هذه الأرقام حجم النزوح، فيما تكشف الشهادات جانبًا من آثاره على الحياة اليومية، من صعوبة التنقل وتباعد الأسر إلى ضيق المساحات وتعطل العمل

أسباب أعمق

ويعزو المختص الاجتماعي سلامة عوض الله هذه التحولات إلى الظروف التي فرضتها الحرب والنزوح. ويوضح أن انشغال الناس بتأمين المياه والغذاء وسائر الاحتياجات الأساسية يستنزف وقتهم وجهدهم، ويترك مساحة أقل للعمل والراحة والتواصل مع الآخرين.

ويشير عوض الله إلى أن تباعد أفراد العائلة، وتفرّق الأصدقاء في مناطق مختلفة، وضيق المساحات في الخيام ومراكز الإيواء، تجعل اللقاء المباشر أكثر صعوبة. وقد تستمر العلاقات عبر المكالمات والرسائل، لكن التواصل عن بُعد لا يتيح دائمًا مشاركة الوقت والتفاصيل اليومية بالطريقة التي يوفرها اللقاء المباشر.

وبحسب عوض الله، ترتبط استعادة هذه العادات الاجتماعية بظروف معيشية أكثر استقرارًا، تشمل السكن ومصادر الدخل والأماكن الآمنة التي يستطيع الناس الالتقاء فيها. فانتهاء الحرب وحده لا يضمن عودة هذه الممارسات ما دامت العوامل التي تعيقها قائمة.

بالنسبة إلى مطير، تعني استعادة تفاصيل الحياة أن تتمكن من زيارة أهلها دون رحلة تمتد ساعات. وبالنسبة إلى الوادية، أن تجتمع بصديقاتها في مكان يتفقن عليه. أما قاسم، فيرتبط الأمر باستعادة يوم يبدأ بموعد عمل وينتهي بإنجاز.

تفاصيل تبدو صغيرة حين تُذكر كل واحدة منها على حدة، لكنها ترسم معًا صورة لحياة تغير إيقاعها. فبينما ينشغل الناس بتأمين احتياجات يومهم، تتأجل زيارات ولقاءات ومواعيد عمل كانت تمنح أيامهم انتظامًا ومساحة للاختيار. واستعادة هذه التفاصيل ترتبط بقدرتهم على استعادة الظروف التي تجعلها ممكنة.