في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، واجهت عائلة محمد رضا صعوبة في الوصول إلى المياه بسبب خلاف مع إدارة المخيم. تدخلت لجنة حماية مجتمعية، ورافقت ممثلًا عن الأسرة للتوسط بين الطرفين، حتى انتهى الخلاف بتوفير نقطة مياه تخدم الأسرة.

تكشف هذه الحالة جانبًا من تجربة يسعى مركز شؤون المرأة من خلالها إلى إشراك السكان في تحديد احتياجاتهم والتعامل مع المشكلات اليومية التي تواجههم داخل مراكز الإيواء. وتقوم الفكرة على أن يكون السكان جزءًا من تحديد الأولويات واقتراح الحلول ومتابعة تنفيذها، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية وتتراجع الموارد المتاحة.

وتأتي التجربة في سياق تتزايد فيه الأعباء المعيشية ومسؤوليات الرعاية على النساء. ففي أواخر عام 2025، بلغت نسبة الأسر التي تعيلها نساء في قطاع غزة نحو 18%، مقارنة بنحو 12% قبل الحرب الإسرائيلية الحالية، فيما ارتفع عدد الأرامل إلى 22,057 امرأة، وفق تقرير أممي نُشر في أبريل 2026.

وفي تقرير نشرته يورونيوز في 28 سبتمبر 2026، نقلت المحطة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان تحذيره من مخاطر العنف والتحرش في المآوي وعند نقاط المياه وتوزيع المساعدات، في ظل الاكتظاظ وغياب الخصوصية.

في هذا الواقع، يعمل مركز شؤون المرأة على إشراك السكان في الاستجابة الإنسانية من خلال لجان للحماية والدعم والمساءلة، بهدف جعل تحديد الاحتياجات والحلول أقرب إلى المجتمعات التي تواجه آثار النزوح ونقص الخدمات.

من الفكرة إلى اللجان

في أبريل 2026، نفّذ المركز ثلاثة لقاءات تعريفية: “دعم الاستجابات الإنسانية بقيادة المجتمع في قطاع غزة”، وذلك في مدينة غزة والنصيرات وخانيونس. وشارك في اللقاءات 300 امرأة ورجل، اختاروا ثلاث لجان للحماية وثلاث لجان للدعم والمساءلة في مراكز الإيواء والمجتمعات المستهدفة.

ويتمثل دور المركز، بحسب منسقة المشروع اعتماد وشح، في توفير المساحة والأدوات التي تمكّن السكان من المشاركة في تصميم الحلول، وفق عبارتها: "نحن لا نحدد احتياجات السكان نيابةً عنهم".

وتشكل اللجان، حسبما أوردته وشح في حديثها لـ "آخر قصة"، وسيلة لتعزيز المشاركة والمساءلة وبناء قدرات محلية تستطيع التعامل مع احتياجات تتغير باستمرار. ويعتمد تطبيق الفكرة على قدرة الأعضاء على التواصل مع السكان، وتحديد المشكلات ذات الأولوية، والعمل مع فريق المشروع والجهات المعنية للوصول إلى حلول عملية.

مَن يمثل السكان؟

اختار السكان أعضاء لجان الحماية بالتصويت. وتتألف كل لجنة من خمسة أعضاء، ثلاث نساء ورجلين، ليبلغ مجموع أعضاء اللجان الثلاث 15 شخصًا، بينهم تسع نساء وستة رجال. ولم يقدم المركز تفاصيل مماثلة عن تشكيل لجان الدعم والمساءلة.

وبحسب المركز، تتولى لجان الحماية رصد الاحتياجات والمخاطر التي تواجه السكان، والمشاركة في ترتيب الأولويات، واقتراح المبادرات المجتمعية والتخطيط لها ومتابعة تنفيذها بالتنسيق مع فريق المشروع.

أما لجان الدعم والمساءلة، فتعمل على تسهيل التواصل بين المجتمع وفريق المشروع، وإتاحة المجال أمام السكان لتقديم الشكاوى والملاحظات والمقترحات، ومتابعة وصولها إلى الجهات المعنية.

وتصل الشكاوى والمقترحات عبر قنوات متعددة، تشمل صناديق الشكاوى والاقتراحات، والتواصل المباشر مع فريق المشروع، والاجتماعات المجتمعية، وواتساب وتطبيق أمل، إضافة إلى الخط المجاني للمركز: 180033366.

بخصوص نطاق عمل اللجان؛ فهي لا تملك صلاحيات أمنية أو قضائية أو حكومية، ولا تتولى التحقيق في قضايا العنف أو فرض العقوبات، ولا تقرر استحقاق الأسر للمساعدات خارج المعايير والإجراءات المعتمدة.

في الحالات الحساسة، بما فيها العنف القائم على النوع الاجتماعي والتحرش والاستغلال الجنسي، يتولى موظفون مختصون التعامل مع البلاغات بسرية، عبر مسارات إحالة آمنة تراعي موافقة الناجية وسلامتها وخصوصيتها. ولا تُتداول هوية المشتكية أو تفاصيل حالتها بين أعضاء اللجنة.

حلول للحياة اليومية

وتظهر واقعة أسرة محمد رضا كيف يمكن للجنة الحماية أن تؤدي دور الوسيط بين السكان وإدارة المخيم، إذ تابعت تنفيذ الحل بعد توفير نقطة المياه وشاركت فيه، بحسب رواية المركز. وهي تجربة واحدة يرويها المركز عن عمل إحدى لجانه، ولا تتوافر تفاصيل إضافية عن متابعة الأسرة بعد حل المشكلة أو تقييمها للنتيجة.

يندرج ضمن المشروع، بحسب وشح، ثلاث مبادرات: خزانات مياه في النصيرات، وحاويات آمنة لتخزين الغذاء في خانيونس، ومظلة مجتمعية في مدينة غزة.

وجاءت المظلة المجتمعية ثمرة تعاون بين لجنة الحماية والسكان وإدارة المخيم، وهي مساحة مظللة ينتظر فيها السكان دورهم للحصول على الماء أو الطعام. ويُفترض أن تتيح ظروف انتظار أفضل، وأن تساعد على تنظيم استخدام المكان وتعزيز التعاون بين السكان.

غير أن تقييم أثر المبادرات الثلاث يتطلب معرفة ما نُفذ منها فعليًا، وعدد المستفيدين، ومدى استمرار الخدمات، وانطباعات السكان، ولم يوضح المركز ما إذا كانت قد اكتملت أو دخلت حيز الاستخدام.

تدريب واستمرار

نفّذ المركز أربعة أيام تدريبية لأعضاء لجان الحماية الثلاث في مقره. وتناولت التدريبات تصميم المبادرات المجتمعية، وآليات التعامل مع الشكاوى والتغذية الراجعة ومسارات الإحالة، وكتابة المقترحات وإدارة المنح وإعداد الميزانيات.

ويتولى منسق المشروع والمنشط المجتمعي متابعة اللجان ودعمها. كما أعلن المركز في أكتوبر عن تدريب بشأن المبادرات المجتمعية، قال إنه يأتي ضمن المشروع نفسه، بهدف تعزيز قدرة اللجان على تخطيط المبادرات وتنفيذها ومتابعتها.

ويتوقف استمرار اللجان بعد انتهاء التمويل، وفق وشح، على استقرار الوضع الأمني ومواصلة الأعضاء مشاركتهم وتوفر الدعم المجتمعي والموارد. وإذا نزح أحد الأعضاء، يمكن إعادة تنظيم عمل اللجنة أو مراجعة تمثيلها وفق آليات متفق عليها، مع الحفاظ على مشاركة النساء والفئات الأكثر هشاشة.

فالنزوح المتكرر وتغير الاحتياجات والظروف الأمنية والاقتصادية قد يؤثر على انتظام اجتماعات اللجان وقدرتها على متابعة المشكلات والمبادرات.

تلقى فريق المشروع 120 شكوى وملاحظة ومقترحًا وتوصية عبر قنوات الشكاوى المختلفة، وجميع الشكاوى المتعلقة بالمشروع حُلّت، بحسب وشح. ويعتمد المركز أيضًا على استمارات رضا يملؤها السكان، يجمعها ويحللها فريق المتابعة والتقييم، إلى جانب زيارات ميدانية تجريها الجهة المانحة إلى مناطق المبادرات.

ويساعد نشر نتائج التقييم وتفاصيل المبادرات المنفذة على توضيح ما تحقق فعليًا وما يحتاج إلى استكمال.

حدود الاستجابة

وتتضح حدود اللجان من رواية المركز نفسه على لسان وشح: فمواردها وصلاحياتها لا تكفي لمعالجة جميع المشكلات، ولا يمكنها أن تحل محل المؤسسات الحكومية أو المنظمات الإنسانية المتخصصة. وتمثل أزمة المياه في قطاع غزة مثالًا على الاحتياجات التي تتجاوز قدرتها، إلى جانب محدودية إمكاناتها في ضمان الأمن أو توفير المساعدات لجميع الأسر. ويقتصر دورها على تحديد الاحتياجات ذات الأولوية، وتقديم مقترحات واقعية، وتنفيذ مبادرات مجتمعية محدودة تخفف بعض التحديات، بالتنسيق مع الجهات المعنية.

تتسم بيئة العمل، في وصف وشح، بتعقيد شديد بفعل النزوح المتكرر ونقص الموارد والخدمات الأساسية وصعوبة التنقل وتغير الاحتياجات باستمرار. وغالبًا ما يتجاوز حجم الاحتياجات الإمكانات المتاحة، ما يضع أعضاء اللجان أمام توقعات كبيرة من السكان، خصوصًا فيما يتعلق بالمياه والمساعدات.

تجربة قابلة للتطوير

يقوم تصور المركز على أن إشراك المجتمعات المتأثرة بالأزمات في تحديد احتياجاتها وأولوياتها يجعل الاستجابة أقرب إلى الواقع المحلي ويعزز الشعور بالمسؤولية والمشاركة، مع مرونة في التخطيط تواكب النزوح المتكرر والتغيرات الأمنية والاقتصادية.

ويتطلب تطوير هذه التجربة ضمان مشاركة النساء والفئات الأكثر هشاشة، وتحديد صلاحيات اللجان بوضوح، وربط الشكاوى بمسارات إحالة آمنة في الحالات الحساسة، وتوفير آليات لمتابعة النتائج والتحقق منها، مع معالجة أثر التمويل وإجراءات المشتريات على تنفيذ المبادرات، حتى تبقى توقعات السكان متصلة بما تستطيع اللجان تقديمه فعليًا.

في غزة، قد تبدأ مشاركة السكان في الاستجابة من خلاف على نقطة مياه، أو الحاجة إلى مساحة مظللة، أو توفير وسيلة آمنة لتخزين الغذاء. وتحاول تجربة مركز شؤون المرأة تحويل هذه الاحتياجات إلى أولويات يشارك السكان في تحديدها، وحلول يساهمون في تنفيذها ومتابعتها. أما استمرار النموذج وتوسيع أثره، فيرتبط بالموارد المتاحة، والظروف التي تسمح للجان بمواصلة عملها، والنتائج التي تكشفها متابعة المبادرات وتقييم أثرها في حياة السكان.