جلست مرح أحمد أمام ما تبقى من شحنتها، صامتة، تنظر إلى كراتين ممزقة وملابس تالفة متناثرة بلا نظام. لم تكن هذه هي البضاعة التي انتظرتها أسابيع، ولا تلك التي حجزها زبائنها مسبقًا. ما وصل إلى غزة لم يكن سوى فتات مما أُرسل.

تقول وهي تحاول استيعاب الصدمة: "أين بضاعتي؟ هل ضاعت فعلًا أم سُرقت؟ خسارتي كبيرة وغير متوقعة، وحتى مقتنياتي الشخصية فقدتها ولم تصل".

تدير أحمد صفحة على إنستغرام، وتسوق عبرها ملابس مستوردة من الخارج إلى قطاع غزة. خلال فترة قصيرة، بنت قاعدة زبائن ثابتة، وكانت قد استلمت شحنتين سابقتين دون مشاكل تُذكر. لكن هذه المرة، اختفت عشرات القطع التي اختارتها بعناية، لتتحول عملية الاستيراد إلى صدمة مالية ونفسية في آن واحد.

أحمد واحدة من عشرات البائعين الذين واجهوا المصير ذاته. ففي قطاع غزة، تدخل شحنات البضائع عبر مسارات غير واضحة، وسط منظومة تعتمد على ما يُعرف بـ "رسوم التنسيقات"، وهي مبالغ يدفعها التجار دون أن تُسدد لجهة حكومية رسمية، بل لوسطاء وشركات شحن.

الفجوة القانونية والرقابية

على الرغم من الأموال الطائلة التي يدفعها التجار في غزة، لا توجد آليات قانونية واضحة تنظم دخول الشحنات أو تضمن سلامتها على المعابر. الفوضى في الإجراءات وغياب الرقابة الرسمية تطرح أسئلة جوهرية: ما الإطار القانوني الذي يحكم حركة البضائع؟ مَن المسؤول عن متابعة الشحنات ومحاسبة أي طرف عند فقدانها أو سرقتها؟ ولماذا تبقى هذه العمليات عرضة للفقدان دون مساءلة فعلية؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، يتبين أن عملية استيراد البضائع إلى قطاع غزة تخضع قانونيًا لأطر عامة، أبرزها بروتوكول باريس الاقتصادي وقوانين الجمارك الفلسطينية، إلا أن هذه النصوص لا تُطبّق فعليًا على واقع المعابر ومسارات الشحن المعقدة. ولا يوجد قانون فلسطيني محلي واضح ينظم دخول الشحنات إلى غزة أو يحدد المسؤولية القانونية عند فقدانها أو تلفها بعد العبور.

ويؤكد حقوقيون أن ما يُعرف بـ “رسوم التنسيقات” التي يدفعها التجار لا تستند إلى نص قانوني رسمي، ولا تخضع لرقابة أو مساءلة واضحة، ما يحرم المتضررين من أي مسار قانوني فعّال للمطالبة بالتعويض. هذا الفراغ القانوني والرقابي يجعل الاستيراد إلى غزة عملية عالية المخاطر، ويُبقي الخسائر دون محاسبة أو حماية قانونية حقيقية للتجار.

طلعت الأشقر واحد من هؤلاء التجار. جلب شحنة بضائع تقدر قيمتها بنحو 60 ألف دولار، لكنها وصلت مختلطة مع شحنات لتجار آخرين. استلم بضائع لا تخصه، بينما اختفت عشرات الكراتين من شحنته، فتكبد خسائر فادحة.

يقول الأشقر بأسى: "رقّمت 44 كرتونة بنفسي، لكن شركة الشحن أزالت الأرقام، مزقت الكراتين، وأعادت تعبئة البضاعة، ليصبح العدد 52. وصلتني البضاعة مبللة ومتسخة وناقصة، واضطررت لتحمل تكلفة نقل بضائع ليست لي وتسليمها لأصحابها".

ويضيف أن بعض شركات الشحن تُدخل أحيانًا مواد ممنوعة داخل الشحنات دون علم التجار، ما يجعلها عرضة لتفتيش دقيق ينتهي غالبًا بفقدان جزء من البضاعة أو سرقتها. ورغم ذلك، تواصل الشركات نفي أي مسؤولية عن الخسائر، في ظل غياب أي جهة رسمية تراقب أو تحقق في الشحنات.

كما يروي الأشقر صدامه مع شركة الشحن: خصم 15 ألف دولار من المبلغ المتفق عليه احتجاجًا على الخسائر، بينما ارتفع سعر المشطاح – الذي يتسع عادة لمتوسط 8 كراتين – فجأة بزيادة 700 دولار، مبررة ذلك بقرارات مرتبطة بشركة "أبناء سيناء"، الجهة المتداخلة في عملية التنسيق والشحن. ويشير إلى أنّ أسعار المشطاحات متغيرة من يوم لآخر، ما يزيد صعوبة التخطيط ويضاعف المخاطر المالية على التجار.

مصممة الأزياء المقيمة خارج قطاع غزة، ناريمان عبيد، لم تكن بمنأى عن الخسارة. فقد بدأت مؤخرًا بشحن أثوابها المطرزة إلى غزة، إلا أن إحدى الشحنات وصلت ناقصة. تقول بمرارة: "لا أعلم من المسؤول، هل شركات الشحن أم شركة 'أبناء سيناء'؟ لا أحد يجيب عن سؤال بسيط: من سرق بضاعتي؟".

ورغم تكرار هذه الشهادات، لا تتوفر بيانات رسمية توضح حجم البضائع المفقودة، سواء للتجار أو الأفراد أو أصحاب المشاريع الإلكترونية. كما أن معظم المتضررين لم يتقدموا بشكاوى للغرفة التجارية، ما أبقى الملف ضمن دائرة الغموض.

في هذا السياق، توجهت مراسلة "آخر قصة" إلى عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية، حسام الحويطي، للسؤال عن دور الغرفة في حماية التجار ومتابعة ملف الاستيراد والسرقات على المعابر.

وأكد الحويطي أن الغرفة لم تتلقَ أي شكوى رسمية ضد شركات الشحن، مشيرًا إلى أن ما يُتداول يقتصر على شهادات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأضاف: "الغرفة مستعدة لمتابعة أي شكوى رسمية والتحقيق فيها بدقة".

وأوضح الحويطي أن فقدان البضائع يعود إلى مرور الشاحنات عبر أكثر من حاجز تفتيش، في ظل غياب آلية منظمة لدخول البضائع، ما يخلق حالة من الفوضى ويجعل مصير الشحنات مجهولًا: هل سُرقت أم فُقدت؟ وهنا يقفز تساؤل مفاده: إذا كانت الغرفة هي الجهة الرسمية المعنية، لماذا لم تُطبق أي آلية لحماية التجار ومحاسبة أي طرف مسؤول عن الخسائر؟

من جانبها، تعترف شركات الشحن بتعقيد المشهد، لكن هذه الأعذار لا تبرر الخسائر الفادحة التي يتحملها التجار. يقول ناصر العشي، مدير شركة العشي للشحن، إن الشحن إلى غزة بات مخاطرة كبيرة بسبب عدم ضمان توقيت الدخول، ومسار الشحنات غير المستقر، ومحدودية السيطرة على الشحنات بمجرد خروجها. 

ويضيف العشي أن الشحنات تمر عبر نقاط تفتيش متعددة ومناطق تخزين مؤقت غير مؤمنة، مع تدخل أطراف خارج السيطرة التجارية، في ظل فوضى أمنية وغياب الرقابة.

ويؤكد أن مسؤولية شركات الشحن قانونيًا وعمليًا محدودة ضمن نطاق سيطرتها الفعلية، أي التغليف، التحميل، التوثيق، والتسليم حتى نقطة العبور، مضيفًا أنهم يعتمدون توثيق الشحنات بالصور والفيديو، وتقسيمها لتقليل حجم الخسائر، وتوعية العملاء بالمخاطر وصياغة اتفاقيات تحدد حدود المسؤولية بدقة.

لكن الواقع يختلف: عشرات التجار فقدوا شحنات كاملة وأموالًا ضخمة، رغم هذه الإجراءات. لا توجد جهة رسمية تتدخل للتحقيق أو محاسبة أي طرف بعد نقطة العبور، ما يترك التجار في مواجهة الخسارة وحدهم. ويبرِز السؤال المركزي: "إذا كانت الشركات لا تتحكم فيما يحدث بعد نقطة العبور، فمن يتحمل المسؤولية عن سرقة أو فقدان البضائع في هذا النظام المعقد؟".

تظل شركات الشحن الطرف الأول المتصل بالبضائع، لكنها تواجه أزمة تتجاوز قدرتها أو قدرة الغرفة التجارية على احتوائها. ومع تعدد نقاط التفتيش وتشابك الجهات، يصبح تحديد المسؤول الحقيقي شبه مستحيل، لتتحول كل عملية استيراد إلى مقامرة مالية مستمرة، يدفع ثمنها التجار والمستهلكون في قطاع أنهكته الخسائر المتراكمة.