محمد عساف.. الجرأة وكسر الصمت

سندس عبد الكريم في مقالات من آخر قصة • 22 مايو 2026

محمد عساف.. الجرأة وكسر الصمت

ليس من السهل أن يحقق فنان من "الهامش" أحلامه في عالم لا يوزع الفرص إلا وفق معايير النفوذ والمركزية والهيمنة الثقافية، ووفق هوية صاحبها لا وفق قيمته الحقيقية. وهذا ما أشار إليه الفنان الفلسطيني محمد عساف في لقائه ببرنامج (قصتي) مع الإعلامي محمد قيس على قناة شاشا الكويتية، حين تحدث عن تأثير جنسيته على مستقبله الفني، وعن كلمات قيلت له بمرارة: "لو لم تكن فلسطينياً" في إشارة إلى الدونية.

محمد عساف، الذي خطف قلوب الملايين بفوزه بـ"أراب آيدول" عام 2013، لم يكن مجرد صوت استثنائي، كان ابن الهامش، شاباً فلسطينياً بسيطاً من مخيم خان يونس في غزة، يحمل معه كل ثقل هذه الهوية في وقت توزع فيه الشهرة والأدوار حسب الجنسيات والألوان والثقافات.

ما قاله عساف ليس مجرد شكوى شخصية إنها جرأة غير مسبوقة في مواجهة "الدونية" وكسر الصمت، واعتراف بواقع مرير: أن تكون من الهامش يعني أن موهبتك لن تتحدث عن نفسها فقط، بل ستحتاج إلى مجاهدة مضاعفة كي تخترق جدراناً وضعها الآخرون لا تسمح لأبناء الهامش بالمرور. جدران مصنوعة من الصور النمطية، والتهميش المقصود أو غير المقصود أحياناً، ونظرة "المركز" إلى "الهامش" على أنه أقل استحقاقاً.

لكن الأثقل من ذلك، كما أوضح عساف، هو أن "العدوان" على غزة لم يكن مجرد خبر عابر يتابعه عن بُعد. كان جرحاً ينزف يومياً في داخله: "في فترة من الفترات كرهت كل شيء بسبب ظرف العدوان على غزة، وتسبب لي بالكثير من الإحباط حتى هذا اليوم".

هنا يتجلى البعد الأعمق لمعاناة الفنان الهامشي الذي لم يتنكر يوماً لكونه ابن الغلابة والبسطاء الذين يشكلون الغالبية من قطاع غزة. فبينما يستطيع فنان من مركز ثقافي أو جنسية معينة أن يفصل بين فنه وبيئته المحلية، فإن عساف ظل يحمل البساطة في صوته، وفي اسمه، وفي لهجته، وفي كل أغنية يغنيها، إلى درجة أنه قال: "مشتاق للحن البسيط، وللكلمات غير المتكلفة التي تعبر عن عمق الحب ببساطة". 

توقف عساف عن ممارسة موهبته الفنية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وأرجع ذلك إلى الواقع الذي تأثر به في غزة نتيجة أعمال الحرب القائمة إلى اليوم، وقال: "في النهاية هم أهلي"، في إشارة واضحة إلى حجم الأثر النفسي الذي تركته الحرب في عمق ابن الهامش.

ما يعنيه كلام عساف هو أن الإنسان عندما يأتي من الهامش، أيّاً كان نوع هذا الهامش: جنسية، لون، ثقافة، لغة، دين، أو حتى منطقة جغرافية، فإنه يدفع ثمناً طويلاً. ثمناً يتمثل في الحرمان غير المعلن، فقد تُغلق أمامه أبواب كانت مفتوحة لغيره لمجرد هويته، وبالتالي يصبح من الواجب عليه أن يثبت جدارته مرات أكثر كي ينال فرصة واحدة.

الإحباط المتراكم الذي يعانيه الفنان عساف هو ألم جماعي يعانيه المهمشون في غزة، سواء نتيجة الحرب أو فقدان المسكن والتعليم والسفر والحق في الحياة الكريمة. كل ما سبق عزز الإحباط الشخصي للسكان المدنيين الذين ينتمون إلى الحياة والسلام ويرزحون تحت ويلات الحرب، ويدفعون ثمناً باهظاً نتيجة صراعات لا طاقة لهم على احتمالها.

رغم كل هذا الثمن، إلا أن هناك جانباً مضيئاً في كل قصة. فما يكتبه الهامش على وجه الإبداع غالباً ما يكون أعمق، وأصدق، وأكثر قدرة على لمس الروح. محمد عساف لم يصل رغم كونه فلسطيني الجنسية، بل وصل إلى القلوب لأنه بسيط غير متكلف. صوته حمل حباً للحياة. الهامش قد يكون قاسياً ومكلفاً نفسياً واجتماعياً وفنياً واقتصادياً، لكنه فرصة لتجاوز أي معيقات مهما كان حجمها، انتصاراً للحياة.

تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي آخر قصّة.


 

المؤلفون

سندس عبد الكريم
سندس عبد الكريم

كاتب