"نحن مضطرون للانفصال في حال لم يُفتح المعبر".. تُكرِر ريتال منير (*) جملة زوجها، التي قالها بعد ثلاث سنوات ونصف من الفراق منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023. تنظر إلى هاتفها مرة أخرى، تقلب الصور واحدة تلو الأخرى، تهز قدميها بعنف، فيما يحتضنها ابنها البالغ عامين ونصف.
يقاطعها إشعار من "واتساب" عن وقفة للزوجات العالقات بسبب إغلاق معبر رفح البري. تنهمر دموعها، وتسأل بصوتٍ متحشرج: هل من حل؟ هل يمكن أن يسمع صراخنا أحد؟
منير واحدة من نساء عالقات في غزة. جاءت قبل الحرب بوقت قصير لزيارة عائلية، وكانت حاملاً. لكن الحرب فصلتها قسرًا عن زوجها، لتدخل في دوامة من الضغط النفسي مع امتداد الغياب. ومع مرور السنوات، بدأ زوجها يطرح احتمال الانفصال، في واقع بات فيه السفر أقرب إلى المستحيل.
تقول، وهي تعود مرارًا إلى سؤال واحد: هل هناك أمل؟ "زوجي لديه إقامة تركية، حاول بناء عليها اتباع إجراءات الإجلاء من غزة، لكن كل المحاولات فشلت. شقيقي يحمل الجنسية التركية حاول أيضًا إنقاذ حياتي من الانفصال، لكنهم أخبروه أنه طالما وضع المعبر هكذا، فلا حلول. حتى أنا لم أبقَ مكتوفة اليدين، تواصلت مع القنصلية التركية وأرسلت رسائل إلكترونية، لكن بلا جدوى".
ثم تضيف: "ابني يسألني دائمًا عن والده ولماذا لسنا معًا. لا يعرفه، وينادي خاله "بابا". يحترق قلبي كلما كبر بعيدًا عن والده بينما نحن نعيش في ظروف معيشية مأساوية، طفلي يمرض كل فترة بسبب الماء الملوث ولا علاج. الحِمل ثقيل عليّ، وكل ما أرجوه حل سريع ينقذ حياتي المدمرة".

منذ إغلاق معبر رفح البري في مايو 2024، تلاشى أمل كثير من النساء في السفر للالتحاق بأزواجهن خارج غزة، فدخلن في أوضاع نفسية قاسية، وأصبحن مهددات بالانفصال مع استمرار الإغلاق. فُتح المعبر مؤخرًا بشكلٍ محدود للحالات المرضية فقط وبأعداد قليلة، فيما انفصلت بالفعل زيجات عديدة تحت وطأة هذا الواقع.
رغم غياب إحصائية رسمية دقيقة، تُقدَّر الزوجات العالقات ضمن عشرات آلاف الفلسطينيين المسجلين على قوائم السفر، بينهم أصحاب إقامات وعائلات مشتتة تنتظر لمّ الشمل، في ظل استمرار إغلاق معبر رفح أمام السفر الطبيعي.
مؤخرًا، نظمت مجموعة من الزوجات العالقات وقفة احتجاجية للمطالبة بحق السفر، ورفعن شعار: "أنا لست زوجة على الورق.. افتحوا المعبر". شددن على ضرورة السفر العاجل قبل أن ينتهي بهن المطاف إلى "مطلقات". ولا توجد إحصاءات دقيقة لعددهن؛ بعضهن عالقات مع أطفال، وأخريات بمفردهن.

على نحو مشابه، تعيش هدى فوزي (*) أرقًا متواصلًا منذ أن أبلغها زوجها الأردني بنيته الانفصال إذا لم تتمكن من الوصول إليه خلال مهلة محددة، توشك الآن على الانتهاء.
تقول فوزي، التي تقيم في مركز إيواء في خانيونس جنوب القطاع: "سئمت أن تكون حياتي مهددة. ثلاث سنوات وأنا أعيش على أمل السفر. حاول زوجي التواصل مع السفارة في الأردن لإجلائي من غزة، لكن دون جدوى. يبدو أنني لن أكون معه، وسنقضي حياتنا في الانتظار".
وتضيف: "بعد عامين من القلق، بدأت آثاره الصحية تظهر على وجهي. فقدت الكثير من وزني، ويبدو الحزن واضحًا في شحوب ملامحي. أعاني من خوف وقلق دائمين من فكرة الانفصال، خصوصًا أن زوجي بدأ يفقد الأمل".
أما ربا جميل (*)، فقصتها لا تقل قسوة. سافر زوجها إلى أوروبا قبل أربع سنوات، واليوم تجد نفسها مهددة بالانفصال، فيما تتحمل وحدها مسؤولية ثلاث بنات.
تقول، بعد أن تنهي اتصالًا مع زوجها الذي فقدَ الأمل في سفر أسرته: "لا يمر يوم دون أن تسألني بناتي: متى سنسافر إلى والدنا؟ وأنا عاجزة أمامهن. وصلت إلى حد أن أقول لزوجي: تزوج وعش حياتك في الخارج، ونحن سنبقى في غزة".
وتتابع جميل: "زوجي يعيش في اليونان ولديه إقامة هناك، يحاول من خلالها لمّ شملنا رسميًا. حينها فقط قد أرتاح من هذا الضغط العصبي الذي أعيشه منذ سنوات".
رنا فهد (*) تعيش واقعًا مشابهًا. سافر زوجها قبل الحرب بفترة قصيرة، ولديها فتاتان وولد، من بينهم طفلة لم تتجاوز عامين ونصف لم ترَ والدها إلا عبر الشاشة. يحمل زوجها إقامة يونانية ويسعى من خلالها إلى لمّ الشمل.
قبل الحرب، غادر زوج ريهام بعد خلافات بينهما، إذ رفضت سفره، لكن ضيق الحال دفعه للبحث عن فرصة خارج غزة.
تقول: "استقر في ألمانيا وحاول إجلاءنا، لكنه لا يحمل الجنسية الألمانية. الحل أن يعود إلى اليونان ويبدأ إجراءات لمّ الشمل من هناك. ونحن ننتظر فتح معبر رفح بشكل طبيعي لنتمكن من السفر".
وتضيف فهد: "لا أنتظر فقط، بل أعيش ضغطًا نفسيًا كبيرًا وأعاني اكتئابًا دائمًا. أطفالي، أكبرهم يبلغ تسع سنوات، إنهم في سن يحتاجون فيه إلى أبيهم. لا أستطيع تربيتهم وحدي. أعيش أيضًا مع والدة زوجي المقعدة، التي تنتظر معنا لمّ الشمل، إذ إن جميع أبنائها خارج قطاع غزة".

امتد أثر الغياب القسري للأزواج إلى الصحة النفسية للزوجات، فجعلهن أكثر هشاشة في مواجهة الأعباء اليومية. يقول المختص النفسي عرفات حلس إن استمرار البعد الجغرافي بين الزوجين لفترات طويلة يرفع مستويات القلق والتوتر، ويضاعف الضغوط المرتبطة بالأعباء الاقتصادية وتحمل المسؤوليات الأسرية بشكل منفرد.
ويضيف حلس أن الزوجات أصبحن أقل قدرة على التحمل في ظل الضغوط اليومية، إلى جانب العبء النفسي الناتج عن انتظار لمّ الشمل. وبحسب ملاحظات ميدانية، تعاني كثيرات من إرهاق نفسي واضح نتيجة تراكم المسؤوليات، والشعور بعدم الاستقرار، والخوف المستمر من الانفصال، ما أثر سلبًا على تفاعلهن الاجتماعي وأدائهن اليومي مقارنة بما قبل الحرب.
ويحذر من تجاهل الأعراض، داعيًا من يشعرن بحزن شديد أو بوادر اكتئاب إلى مراجعة فرق الدعم النفسي بشكل عاجل، قبل أن تتطور الحالة إلى أعراض جسدية. أما من انفصلن بالفعل بسبب إغلاق المعابر، فينصحهن بمحاولة بناء حياة جديدة وعدم البقاء عالقات عند لحظة الانفصال.
في غزة، تتحمل الزوجات العالقات ثقل الحرب والمسؤولية، وقلق الانتظار لما سيأتي. ومع ذلك، يواصلن التمسك بأمل هش: أن تُفتح نافذة للنجاة، وأن يمنحهن الزمن لحظة سلام تتوج بلقاء طال انتظاره. وبين ألم الواقع ورجاء لمّ الشمل، يتردد السؤال ذاته: هل يقترب الأمل؟
(*) أسماء مستعارة لحفظ خصوصية الحالات