تقف عهد حجازي عند نافذة منزلها المستأجر في تركيا، تراقب أفقًا يضيق بقدر ما يتسع. بالنسبة لعهد، لم تعد فكرة مغادرة البلاد مجرد خيار مطروح، بل أصبحت معضلة قانونية مستعصية؛ فابنتها الصغيرة لا تملك جواز سفر حقيقيًا ولا رقم هوية يمنحها الحق في التنقل. العائق ببساطة هو أنها ولدت خارج قطاع غزة، لتُمنح وثيقة سفر مؤقتة تُعرف بـ "الجواز المُصفّر"، وهي ورقة ثبوتية تبدأ أرقامها بالأصفار، تجعل من حاملها مواطنًا بلا إثبات حقيقي، وعالقًا في فراغ بيروقراطي.
لدى حجازي أربعة أطفال، أصغرهم نايا أبو ضهير، التي ولدت في العاصمة التركية أنقرة. اضطرت حجازي لمغادرة غزة في فبراير 2024، مرافقةً لطفلها المصاب لتلقي العلاج بينما كانت هي في شهرها الخامس من الحمل. لم تكن تتخيل أن ولادة ابنتها ستتحول إلى أزمة هوية، لتكتشف أن طفلتها لن تحمل رقمًا وطنيًا ولن تحصل على جواز سفر طبيعي، بل ستُقيد ضمن فئة "الجوازات المصفرة" التي تحرمها من حقوق المواطنة الفلسطينية الكاملة.
وتتساءل حجازي وهي ممسكة بإثبات الولادة بمرارة: "لا أفهم كيف يُحرم الفلسطيني المولود في الخارج من حقه في جواز سفر طبيعي أو هوية؟ لماذا يقتصر هذا الحق على مَن ولدوا بالداخل فقط؟ أين دور السفارات الفلسطينية في استثناء أطفالنا الذين وُلدوا قسرًا في المنافي وبسبب ظروف الحرب؟".

يُصنف "الجواز المُصفّر" قانونيًا كوثيقة تعريفية تُمنح للمواليد الفلسطينيين خارج قطاع غزة الذين لم يتم تسجيلهم في السجلات المدنية الفلسطينية التي تسيطر إسرائيل على قاعدة بياناتها. وتبعًا لذلك، لا يُعترف بهذه الوثيقة دوليًا كجواز سفر رسمي، بل تظل مجرد بطاقة تعريفية تفتقر للأهلية القانونية الكاملة.
وهذه الأزمة ليست وليدة الحرب الحالية، بل تمتد لسنوات طويلة؛ إذ يعيش داخل قطاع غزة نفسه آلاف الأشخاص الذين لا يملكون إثباتات رسمية لمواطنتهم سوى "بطاقة هوية محلية" غير مسجلة في السجلات التي يعترف بها الاحتلال الإسرائيلي. هذا الرفض الإسرائيلي الممنهج للتسجيل يحول هؤلاء الأفراد إلى سجناء جغرافيا، محرومين من حق السفر أو التنقل الحر.
ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، ونزوح الآلاف قسرًا خارج قطاع غزة، تفاقمت الأزمة مع ولادة مئات الأطفال في دول الشتات، ليجد هؤلاء المواليد أنفسهم منذ صرختهم الأولى بلا اعتراف رسمي وبلا حقوق مواطنة.

رنا أبو عابد، التي غادرت قطاع غزة في ديسمبر 2023 مع طفلها المريض واثنين من أشقائه، تركت خلفها زوجها وثلاثة أطفال آخرين. وضعت مولودتها "آيلا" في تركيا، لتصطدم بواقع الجواز المصفر. تقول أبو عابد وهي تضرب كفيها ببعضهما: "صُدمت حين أدركت أن الرقم القومي لا يُمنح إلا للمولودين داخل غزة. حاول زوجي من داخل القطاع التواصل مع الجهات المعنية لإصدار شهادة ميلاد، لكن طلبه قوبل بالرفض".
وتضيف الأم بقلق: "هذا الوضع يثير الرعب في نفسي؛ ماذا لو قررنا العودة؟ هل ستسمح السلطات المصرية للطفلة بالعبور؟ وماذا لو أردت الانتقال لدولة أخرى؟ ابنتي غير موجودة في السجل المدني الفلسطيني وكأنها لم توجد قط".
أما صهيب البردويل، المقيم حاليًا في غزة، فيعيش مأساة مزدوجة؛ فقد غادرت زوجته الحامل القطاع وحدها لعلاج طفلهما المصاب. لم يرَ صهيب ابنته "آيلا" التي ولدت في الخارج إلا عبر شاشات الهاتف. يقول: "ابنتي بلا حقوق رسمية، ولا أستطيع استخراج شهادة ميلاد لها من غزة. هؤلاء أطفال ولدوا قسرًا في الخارج، ومن حقهم الطبيعي أن يُسجلوا في سجلات وطنهم".

في ظلّ غياب إحصاءات رسمية دقيقة لعدد هؤلاء المواليد بفعل تعقيدات الملف وتوتر الأوضاع السياسية، يظلّ هذا الواقع محاطًا بالغموض، مع غياب بيانات واضحة أو آليات معلنة لمعالجة أوضاع مواليد غزة في الشتات.
يوضح رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده، أن هذه الوثيقة المؤقتة لا تؤسس لوضع قانوني مستقر، بل تعكس هشاشة الاعتراف بالهوية، وغالباً ما تُستخدم في سفريات مؤقتة عبر "تنسيقات خاصة" مكلفة.
ويؤكد عبده أن القانون الدولي لا يعترف بهذه الصيغ الانتقاصية للهوية، مشيرًا إلى أن المادة 6 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 7 من اتفاقية حقوق الطفل، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، جميعها تكفل للطفل الحق في التسجيل فور ولادته والحصول على جنسية.
ويضيف عبده: "إن وجود رقم وطني ليس مجرد إجراء إداري، بل شرط جوهري للتمتع بالحقوق الأساسية، وهو حق لا يسقط في ظروف النزاع أو الاحتلال. إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، تنتهك هذه المواثيق، لكنها لا تملك قانونيًا حق حرمان المولود الفلسطيني من رقمه الوطني".
يرى عبده أن الحل يكمن في إلزام إسرائيل باعتماد شهادات الميلاد التي تُصدرها المستشفيات الرسمية في الخارج ومنح أصحابها أرقامًا وطنية. مشددًا على ضرورة تفعيل دور البعثات الدبلوماسية الفلسطينية لتسهيل إصدار وثائق معترف بها، كما يدعو السلطة الفلسطينية إلى عدم التسليم بهذا الواقع والتحرك الجدي على المستويات القانونية والإعلامية للضغط على الاحتلال.
وحذر من المخاطر طويلة الأمد لهذه الأزمة، والتي قد تؤدي إلى "انعدام الجنسية"، بما يضع الأطفال خارج الأطر القانونية الدولية، ويعيد إنتاج حالة من الهشاشة والإقصاء عبر الأجيال.

وحتى يتحقق ذلك، يظلّ أصحاب "الجوازات المصفرة" عالقين في فراغ قانوني، ينتظرون لحظة اعتراف بسيطة تُثبت وجودهم في سجلات وطن لم يروه بعد.
ولم تتمكن "آخر قصة" من الحصول على موقف رسمي واضح من أي جهة فلسطينية معنية بهذه الأزمة، رغم محاولات التواصل المتكررة. في المقابل، أكدت مصادر مطلعة رفضت الكشف عن هويتها أن "تشابك الصلاحيات" بين الأطراف المختلفة يحول دون إيجاد حل، تاركاً المشكلة معلقة وأصحاب الجوازات المصفرة في فراغ بيروقراطي لا أفق له.