بعد أكثر من عامين على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يواجه النظام الصحي الفلسطيني انهياراً كاملاً، مما دفع السكان للبحث عن بدائل طبية غير تقليدية. أحد هذه البدائل أصبح شات جي بي تي، الذي تحول إلى مستشار طبي مجاني للآلاف من الغزيين المحاصرين.
وفقًا لمصادر طبية فلسطينية، تجاوزت حصيلة الشهداء والجرحى منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، 242 ألفًا. وتشير الأرقام الرسمية إلى وفاة 71,548 شخصًا في قطاع غزة، فيما جُرح أكثر من 171,353 آخرين.
وتثقل هذه الأعداد الهائلة كاهل نظام صحي منهار، إذ تعمل المستشفيات بأقل من 20% من طاقتها. وقد دفع ذلك الآلاف إلى اللجوء إلى "شات جي بي تي" للحصول على استشارات طبية مجانية.
قصة نجاح
في شقة مضاءة بالطاقة الشمسية شرق دير البلح وسط قطاع غزة، تجلس أم أحمد عبد الوهاب (61 عامًا) بجوار زوجها المريض. تمسك بهاتفها الذكي، وتُقلب الشاشة، وتقرأ دردشة افتراضية مع أداة "شات جي بي تي" منذ شهرين كاملين.
بواسطة استخدام تطبيق دردشة ذكاء اصطناعي، تمكنت عبد الوهاب من معالجة قرحة قدم زوجها السكري، بعد أن يئست من النظام الصحي المنهار في غزة.
تقول عبد الوهاب: "كنت ألتقط صورة للجرح كل يوم، وأرفعها إلى شات جي بي تي، فأعطاني تعليمات دقيقة للتنظيف والتعقيم والتضميد"، بينما تظهر على شاشة هاتفها محادثات مع الروبوت الطبي. وتضيف: "حين رأى الأطباء القدم بعد شفائها، انبهروا. قالوا لنا: استمروا على هذا النهج، فأنتم تحققون نتائج مذهلة لم نتمكن من تحقيقها داخل المشفى".
قصة أم أحمد ليست استثناءً، بل أصبحت جزءًا من ظاهرة متنامية في قطاع غزة المحاصر، حيث تحول الذكاء الاصطناعي إلى مستشار طبي مجاني للسكان المحاصرين بين الأنقاض والأمراض. وفي ظل نظام صحي يعاني دمارًا هائلًا، يلجأ الغزيون إلى روبوت المحادثة للحصول على تشخيصات ووصفات علاجية ونصائح صحية.
يقول الدكتور محمود عمر، جراح، إن المشافي في غزة تفتقد الأدوية الأساسية والمعدات الطبية وحتى الضمادات، وأن الكوادر الطبية إما قتلى أو جرحى أو نازحون خارج القطاع. ويضيف: "في ظل هذه الظروف، لا نستغرب لجوء الناس إلى أي خيار متاح".

خليل عبيد (35 عامًا)، صيدلي من مدينة رفح ونازح في خانيونس جنوب القطاع، أصبح يستخدم "شات جي بي تي" بانتظام في عمله. يقول عبيد: "أطرح عليه أسئلة صحية مرتين إلى ثلاث مرات يوميًا لأختبر إجاباته"، بينما يفحص رسائل زبائنه على تطبيق واتساب. ويضيف: "يتلقى إجابات شبه دقيقة حول التشخيصات والعلاجات، لكنني أحذر دائمًا من الاعتماد الكامل عليه".
ويوضح عبيد، الذي يعمل في صيدلية على هيئة خيمة: "شات جي بي تي لا يعرف أننا نعيش في حرب. يصف أدوية غير متوفرة، أو إجراءات طبية مستحيلة في ظل انعدام الكهرباء والمعدات. لكنه في بعض الأحيان يقدم حلاً بدائيًا يمكن تطبيقه".
وأعلنت شركة "أوبن إيه آي"، المطورة لـ"شات جي بي تي"، مؤخرًا عن مجموعة أدوات جديدة مصممة خصيصًا للمجال الصحي، مع تحذيرات واضحة. وذكرت الشركة في مدونتها الرسمية: "يتعين على مقدمي الرعاية الصحية الذين يستخدمون هذه الأدوات توخي الحذر، لضمان أن يقدم روبوت الدردشة، الذي قد يبدو أحيانًا غير دقيق، نصائح دقيقة للمختصين".
وأضافت أن النماذج الجديدة، المستندة إلى "جي بي تي 5"، صُممت خصيصًا للرعاية الصحية، واختُبرت عبر معايير طبية قياسية. وتهدف هذه الأدوات إلى تخفيف الضغوط على القطاع الصحي عالميًا، لكن الشركة شددت على ضرورة الحفاظ على خصوصية المرضى ودقة المعلومات.
وبالنسبة لأم أحمد، أصبح "شات جي بي تي" الآن مستشارًا صحيًا للعائلة بأكملها. تقول: "أسأله عن كل شيء: تأخر الطمث عند بناتي، وآلام الرأس عند أحفادي، وحتى عن النظام الغذائي المناسب في ظل نقص الطعام".