قبل السابع من أكتوبر 2023، كان بهجت بدير (50 عامًا) يعتقد أن ميراث عائلته مسألة محسومة. بعد وفاة والده، اتفق هو وإخوته الأربعة على إدارة عمارة سكنية تعود لوالده مكوّنة من ثمانية طوابق في مدينة غزة، وتقسيم عائداتها بينهم. كانت قيمة العمارة قبل الحرب تُقدّر بنحو مليون دولار، قبل أن تتراجع إلى نحو 700 ألف دولار بعد تعرّضها لدمار جزئي.

لكن ما بدا اتفاقًا عائليًا مستقرًا تآكل سريعًا مع القصف وتوقف المحاكم. يقول بدير: "الاتفاق موجود، لكن لا يوجد جهة رسمية تُثبته. لا نستطيع توثيق أي شيء".

ويضيف: "الخلاف ليس نابعًا من الطمع، بل من الخوف. كل واحد منّا يخشى أن تضيع حصته في ظلّ هذا الفراغ القانوني".

حالة بدير ليست استثناءً، فحين سقطت البيوت في غزة، لم تسقط الجدران وحدها؛ بل سقطت معها منظومة كاملة من الحقوق، وانهارت الحدود التي كانت تفصل بين الخاص والعام، وبين ما هو عائلي وما هو قانوني. فمع تحوّل المنازل إلى ركام، اختفت أوراق الملكية، ووجدت آلاف العائلات نفسها عالقة في نزاعات ميراث بلا محاكم فاعلة، وبلا وثائق تُثبت ما تبقّى من حق.

في هذا الفراغ، لم يعد الميراث مجرّد مسألة تقسيم ممتلكات، بل أصبح اختبارًا مباشرًا لقدرة النظام القضائي على حماية الحقوق في زمن الحرب: مَن يحمي الملكية حين يختفي البيت ويغيب القانون؟

ومع اتساع رقعة الدمار، تتكرّر القصص بأشكال مختلفة. أحمد الوحيدي (70 عامًا) وجد نفسه في نزاع مع إخوته بعد ضياع وثائق ملكية قديمة كانت تثبت حق الورثة في منزل العائلة وأرض ملاصقة له في أحد أحياء غزة الشرقية. 

العقار، الذي تعود ملكيته لوالدهم، يتقاسمه سبعة ورثة، لكن فقدان الوثائق عطّل أي محاولة رسمية لتثبيت الحقوق. يقول الوحيدي: "تضرُر المنزل من القصف وضياع الأوراق جعلا مسألة الميراث معلّقة بالكامل".

ويضيف أنّ المحاكم لم تكن تملك حصرًا بالأسر التي فقدت وثائق ملكيتها أو تضررت منازلها أثناء الحرب، ما جعل استخراج بدل فاقد أمرًا شبه مستحيل. يوضح: "القانون موجود، لكن الوصول إليه بات مستحيلًا في ظل تعطّل المحاكم وغياب الوثائق وأدوات التنفيذ".

حتى الحالات التي سبقت الحرب باتفاقاتٍ واضحة لم تسلم من التعطيل. أم ناهض عبد الهادي (55 عامًا) كانت قد توصلت مع إخوتها إلى اتفاق ودي لتوزيع ميراث يقتصر على منزل العائلة ويضمّ خمسة ورثة. لكن الحرب أوقفت كل شيء. 

تروي: "كنا على وشك إنهاء الإجراءات، ثم جاء القصف، لا محكمة تعمل، ولا وثائق نستطيع تقديمها". ومع مرور الوقت، بدأت التوترات تعود فالحرب لم تدمّر البيوت فقط، بل جمّدت الحقوق.

من الناحية القانونية، لا ينقضي حق الإرث بوفاة الوريث أو بدمار البيت، إذ ينص قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني على تنظيم الإرث وفقًا للشريعة الإسلامية وتحديد الورثة بوضوح استنادً لـ (المواد 109–112). لكن المشكلة التي تواجه ورثة غزة ليست في “الحق” نفسه، بل في إثباته وإجراءات توثيقه، خصوصًا مع فقدان وثائق الملكية وتعطل المحاكم.

وفي حال فقدان الوثائق، يسمح قانون الإثبات الفلسطيني بالاعتماد على البينة الشرعية (شهادة الشهود، القرائن، وغيرها)، لكن هذا المسار غالبًا ما يضع النساء والأطفال في موقف أضعف، ويطيل أمد التقاضي بشكل كبير.

في حالات أخرى، حاولت بعض العائلات تفادي التصعيد بينها عبر تسويات جزئية. فؤاد العلي (45 عامًا) توصّل مع أشقائه إلى اتفاق غير مكتمل حول منزل العائلة في شمال غزة، يضم ستة ورثة؛ إلا أن الاتفاق بقي هشًا. يقول: "الخوف من الطعون المستقبلية، أو اعتراض أحد الورثة لاحقًا في ظل عدم توثيق الاتفاق رسميًا، يجعل كل شيء غير مستقر".

لكن هذه النزاعات الفردية لا يمكن فصلها عن الواقع القضائي الأوسع في قطاع غزة. إذ أظهر تحقيق صحفي حديث لـ "آخر قصة" أنّه رغم عودة محاكم قطاع غزة النظامية للعمل في ديسمبر 2025؛ لكنها تعمل في كثير من الأحيان بشكل شكلي، حيث تُستقبل القضايا دون النظر فيها، وتُسجَّل الطلبات دون جلسات فعلية، فيما تُشلّ أقسام تنفيذ الأحكام، ويغيب الأرشيف، وتفتقر الشرطة القضائية إلى أبسط أدوات العمل.

وبحسب التحقيق، لم تُنفّذ أي قرارات صادرة عن المحاكم النظامية منذ استئناف العمل الجزئي، واقتصر الدور القضائي على إجراءات محدودة تهدف إلى الحفاظ على "المدد القانونية"، لا إلى الفصل في النزاعات أو حماية الحقوق. في هذا السياق، تصبح قضايا الميراث – بطبيعتها المعقّدة – أولى ضحايا هذا الشلل المؤسسي.

حتى قبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، كانت قضايا الميراث في قطاع غزة معروفة بطول أمد التقاضي، إذ قد تستغرق سنوات قبل صدور حكم نهائي. ومع الحرب، تضاعفت التعقيدات بفعل تدمير المحاكم، وتضرّر الأرشيفات، وتعطّل المؤسسات، من دون أن تُعلن الجهات القضائية عن أطر طوارئ واضحة أو آليات استثنائية لحماية حقوق الملكية والميراث.

ورغم وجود نسخ لبعض قيود الملكية في سجلات المحاكم أو لدى سلطة الأراضي، فإنّ الوصول إليها بات شديد الصعوبة، سواء بسبب تلف الأرشيفات، أو تعذّر مطابقة البيانات دون الوثائق الأصلية، أو غياب بعض الورثة، ما أبقى آلاف القضايا في حالة تعليق مفتوحة.

وتشير الإحصاءات إلى أن المحاكم في غزة لم تنجز سوى نحو 82,126 معاملة متنوعة منذ بدء الحرب، شملت معاملات الوفاة، والزواج، والطلاق، وإثبات الملكيات، وحجج الوصاية والحضانة. غير أنّ الرقم الخاص بقضايا الميراث التي جرى البتّ فيها تحديدًا غير متوفر، في مؤشر إضافي على غياب الشفافية وصعوبة تتبّع هذا النوع من النزاعات.

من منظور قانوني، توضّح الباحثة فاتن لولو أن قضايا الميراث تُنظَّم بموجب قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية، مؤكدة أنّ المشكلة لا تكمن في سقوط حق الإرث، بل في استحالة تثبيته إجرائيًا دون وثائق ملكية. 

وتحذّر لولو من أن فقدان الوثائق نقل عبء الإثبات إلى "البينة الشرعية"، وهو مسار قانوني معقّد يعتمد على الشهود والقرائن، وغالبًا ما يكون على حساب النساء والقُصّر.

وأمام هذا التعطلّ، برز الدور العشائري بوصفه استجابة اجتماعية اضطرارية لفراغ قضائي ممتد؛ حيث يقول عاكف المصري، المفوض العام للهيئة العليا لشؤون العشائر، إن الحرب تسببت بتصاعد النزاعات نتيجة فقدان المعيل وضياع الوثائق، ما دفع الأهالي للاعتماد على الحلول العشائرية كصمام أمان مؤقت لمنع تفكك العائلات، في ظلّ غياب أدوات قضائية فاعلة قادرة على الفصل في هذه النزاعات أو حماية الحقوق قانونيًا.

بدوره، يرى المحامي محمد بارود أن استئناف عمل المحاكم وسلطة الأراضي يشكّل "شريان حياة" نظريًا لهذه القضايا، باعتباره المدخل الوحيد لإعادة توثيق الحقوق، إلا أنّ هذا الشريان لا يزال عاجزًا عن إنقاذ النزاعات العالقة، إذ يفتقر إلى الفصل القضائي وتنفيذ الأحكام، ما يُبقي الاتفاقات الوديّة التي جرت خلال الحرب عرضة للطعن.

في غزة، لم يعد الميراث مجرد تقسيم لما تبقّى من ممتلكات، بل صار مرآة لخلل أعمق في منظومة العدالة. وبين بيوت مدمّرة، ووثائق مفقودة، ومحاكم تستقبل القضايا دون أن تفصل فيها، يُترك آلاف الورثة أمام نزاعات معلّقة بلا أفق.

السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد أخلاقيًا فقط، بل مساءليًا بامتياز: مَن الجهة المسؤولة عن ترك حقوق الملكية والميراث بلا حماية قانونية واضحة، في ظل قضاء يعمل دون أدوات تنفيذ أو أطر طوارئ، بينما تتآكل الحقوق بصمت؟