في غزة، لا يحتاج الحديث عن السياسة إلى موعدٍ أو مناسبة؛ فهو حاضر في تفاصيل اليوم، من طوابير الخبز إلى جلسات المساء، ومن نشرات الأخبار إلى الأحاديث العابرة في أماكن العمل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا الحديث يخفف وطأة الواقع… أم يضاعف عبئه؟

تقول آلاء مفيد (29 عامًا)، وهي موظفة في مؤسسة محلية: "أحيانًا أشعر أن الحديث مع زميلاتي عن الأخبار يريحني، كأننا نتقاسم القلق. لكن في أيام أخرى، ينتهي النقاش بمزيد من التوتر".

تتقاطع هذه التجربة المزدوجة  مع ما كشفت عنه دراسة حديثة نقلتها صحيفة إندبندنت، حيث تشير إلى أن النقاشات السياسية في بيئة العمل قد تسهم في تحسين الحالة النفسية، لكن بشرط وجود بيئة داعمة ومتعاطفة. فالأفراد، بحسب الدراسة، يميلون إلى اختيار أشخاص يشاركونهم وجهات نظر متقاربة أو يتوقعون منهم التفهّم.

في أماكن العمل، حيث يقضي الأفراد جزءًا كبيرًا من يومهم، يتحول النقاش السياسي إلى مساحة مزدوجة الوظيفة: متنفس نفسي من جهة، ومصدر توتر محتمل من جهة أخرى. وفي ظل غياب سياسات واضحة تنظم هذا النوع من النقاشات داخل المؤسسات المحلية، يبقى الأمر خاضعًا لاجتهاد الأفراد، ما يجعل جودة هذه الحوارات مرتبطة بطبيعة العلاقات الشخصية أكثر من كونها جزءًا من بيئة عمل منظمة.

في سياق غزة، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا. فالسياسة هنا ليست مجرد رأي، بل واقع يومي ضاغط وممتد. تقول المختصة النفسية أروى أحمد: "الحديث عن السياسة يمكن أن يكون وسيلة تفريغ صحي، لكنه يتحول إلى عبء عندما يكون النقاش مشحونًا أو متكررًا دون مساحة أمان".

ويفسّر مختصون هذه المفارقة بأن الحديث عن الأحداث السياسية قد يعمل كآلية لتنظيم المشاعر والتفريغ النفسي، خاصة عندما يتم في بيئة داعمة. لكن في المقابل، فإن تكرار استحضار الأحداث الصادمة أو مناقشتها في أجواء مشحونة قد يعيد إنتاج التوتر بدل تخفيفه، خصوصًا في بيئات تعيش أصلًا تحت ضغط مستمر، حيث يؤدي التعرض المتكرر للصدمة إلى تضاعف احتمالات القلق والاكتئاب.

وتحذر دراسات أكاديمية، من بينها أبحاث صادرة عن جامعة ميشيغان، من أن النقاشات السياسية قد ترتبط بآثار نفسية وجسدية سلبية، مثل القلق، واضطرابات النوم، وتقلب المزاج، خاصة عندما تتحول إلى صدامات.

في قطاع غزة، لا يبدو الضغط النفسي حالة فردية، بل ظاهرة واسعة النطاق. إذ تشير دراسات حديثة إلى مستويات مرتفعة للغاية من القلق والاكتئاب، حيث أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 79% من السكان يعانون من القلق، و84% من الاكتئاب، فيما تصل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة إلى نحو 67%، كما تذهب تقديرات أأخرى إلى أن معدلات الاكتئاب قد تلامس مستويات شبه شاملة في بعض الفئات المتضررة من الحرب والنزوح.

هذا ما تؤكده أيضًا ميساء ناجي (34 عامًا): "لا أناقش السياسة مع أي شخص. فقط مع زميلة قريبة مني؛ لأنني أعرف أنها ستفهم، لا أن تزيد قلقي".

ويقول عامر رجب (27 عامًا): "أحيانًا أشعر أن الحديث عن السياسة مع الأصدقاء يخفف عني، كأنني أفرّغ ما بداخلي. لكن في مرات أخرى، يتحول النقاش إلى جدل، فأخرج منه أكثر توترًا مما كنت".

ويبدو أن هذا النمط من النقاشات يحمل أبعادًا مختلفة لدى النساء، اللواتي قد يلجأن إلى الحديث كوسيلة للتفريغ والدعم المتبادل، في ظل محدودية المساحات الآمنة للتعبير عن القلق. لكن في الوقت ذاته، قد تجد بعض النساء أنفسهن أكثر حذرًا في طرح آرائهن داخل بيئات العمل، خشية سوء الفهم أو التصعيد، ما يجعل هذا "التفريغ" مشروطًا بالثقة والخصوصية.

لكن في غزة، يصبح الفصل بين "السياسي" و"النفسي" شبه مستحيل. فالأحداث العامة من الحروب إلى الحصار تتسلل مباشرة إلى الحياة اليومية، وتفرض نفسها على المزاج العام.

تقول المختصة أحمد: "في البيئات المستقرة، يمكن للناس أن يختاروا متى يتحدثون عن السياسة. في غزة، الناس يعيشون داخل الحدث نفسه، لذلك يصبح الحديث عنه امتدادًا للمعايشة، لا مجرد نقاش".

وتشير نتائج البحث الذي أجرته جامعة ولاية واشنطن إلى أن العامل الحاسم ليس الحديث نفسه، بل طريقة حدوثه، بمعنى: هل يتم في بيئة داعمة؟ هل يقوم على التفهّم أم الجدل؟ هل يخفف المشاعر أم يعيد إنتاجها؟

في المقابل، يواجه هذا الضغط النفسي المتزايد نظامًا صحيًا محدود الإمكانات، إذ تشير تقارير ميدانية إلى تزايد أعداد طالبي الدعم النفسي بشكل غير مسبوق، في وقت تعمل فيه المرافق المتبقية بقدرات محدودة وتحت ضغط شديد. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات الصحية على استيعاب هذا العبء، خاصة مع تدمير أجزاء من البنية التحتية الصحية خلال فترات التصعيد.

في ظل هذا الواقع، لا يبدو الحديث عن السياسة في غزة خيارًا يمكن تجنبه، بل ضرورة يفرضها السياق اليومي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تملك المؤسسات الصحية والمهنية أدوات كافية لتحويل هذا الحديث من مصدر ضغط إلى وسيلة دعم؟ أم يُترك الأفراد وحدهم لإدارة هذا العبء النفسي في بيئة تفتقر أصلًا إلى الحد الأدنى من الاستقرار؟