لم تتعافَ النساء بعد من وطأة حرب مستمرة في قطاع غزة، ليجدن أنفسهن يدفعن ثمنًا باهظًا جديدًا نتيجة النقص القائم في الفوط الصحية، وانقطاع وسائل منع الحمل، وسوء التغذية المتزايد، وسط تأخيرات خطيرة في وصول الإمدادات الإنسانية إلى المنطقة، وفق ما تؤكده أرقام دقيقة صادرة عن الأمم المتحدة وأقوال مسؤولين محليين ودوليين.

ففي وقتٍ تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية على القطاع المحاصر، قالت الدكتورة نائلة عبد المجيد: إن "الوضع كارثي بكل المقاييس، نستقبل يوميًا عشرات النساء في حالة مخاض دون أن تتوفر لدينا أبسط المستلزمات الطبية، مثل الفوط الصحية المعقمة أو وسائل منع الحمل لأولئك اللاتي يعانين نزيفًا حادًا بعد الولادة".

وأضافت عبد المجيد: "الكثير من النساء فقدن حياتهن بسبب نزيف ما بعد الولادة، لأننا لم نتمكن من إجراء التدخلات اللازمة في الوقت المناسب. هذا العدد قد يكون أكبر في المناطق التي لا تستطيع فرقنا الوصول إليها".

ويحذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن التأخيرات اللوجستية الناجمة عن الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط، وتدمير طرق الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن، أدت إلى تعطيل وصول المساعدات إلى 16 دولة تعاني أزمات إنسانية، من بينها فلسطين والسودان واليمن.

وكانت قد أظهرت بيانات صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان أن أكثر من 230 ألف امرأة وفتاة في قطاع غزة، بينهن نحو 15 ألف امرأة حامل، يعانين من محدودية شديدة في الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية، وسط استمرار العمليات العسكرية وعرقلة وصول المساعدات رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

وقال دومينيك آلن، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين، في مؤتمر صحفي من القدس الشهر الماضي، إن الأطباء في غزة "لم يعودوا يرون أطفالًا طبيعيي الحجم"، مشيرًا إلى أن ما يشاهدونه "للأسف هو المزيد من ولادات الأجنة الميتة والمزيد من وفيات الأطفال حديثي الولادة، الناجمة جزئيًا عن سوء التغذية والجفاف والمضاعفات".

وأضاف آلن أن عدد الولادات المتعسرة في القطاع تضاعف تقريبًا مقارنة بما قبل الحرب، بسبب معاناة الأمهات من الإجهاد والخوف وسوء التغذية والإرهاق، إلى جانب افتقار مقدمي الرعاية إلى المستلزمات الضرورية. وأشار إلى تقارير تفيد بعدم توفر مُخدِّر كافٍ لإجراء العمليات القيصرية.

من جانبه، قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، نقلاً عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، إن الأضرار التي لحقت بالمرافق الصحية والعيادات، إلى جانب النزوح الجماعي والفيضانات، "قلصت بشكل حاد فرص الحصول على الدعم النفسي والاجتماعي والرعاية الطبية".

وحذر المتحدث الأممي من "زيادة خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وزواج الأطفال، واستغلال النساء والفتيات" في ظل الأوضاع الراهنة.

وأفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في تقرير حديث بأن خدمات الصحة الإنجابية والجنسية في غزة لا تزال تعاني اضطرابات حادة، مع تعليق خدمات الفحص والعلاج لسرطاني عنق الرحم والثدي إلى حد كبير منذ أكتوبر 2023.

كما أشار التقرير إلى استمرار القيود على إدخال المعدات المصنفة ضمن قائمة "الاستخدام المزدوج"، مثل أجهزة الموجات فوق الصوتية، والحاضنات، وأجهزة التنفس الصناعي، والوحدات الطبية المتنقلة، مما يقوض سلامة الرعاية السابقة للولادة وأثناءها وبعدها.

وبحسب التقرير نفسه، يعاني النظام الصحي من نقص حاد في الأسرة، إذ تُضطر النساء اللواتي يخضعن لعمليات كبرى، بما فيها العمليات القيصرية، إلى مغادرة المستشفى بعد ساعات قليلة والعودة إلى مراكز الإيواء المزدحمة، مما يزيد من مخاطر حدوث مضاعفات والتهابات.

وتؤكد أمينة عيسى، منسقة الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، ذلك، قائلة:
"النساء هنا يائسات. كنا نوزع الفوط الصحية، لكن الكميات لم تعد تكفي. بعض النساء يلجأن إلى استخدام قطع من القماش، مما يعرضهن لالتهابات خطيرة. الفتيات الصغيرات يتغيبن عن المدرسة أيام الدورة الشهرية، لكن المدارس نفسها أصبحت ملاجئ ولا توجد فيها حمامات كافية".

وقال إريك دوبون، المسؤول في صندوق الأمم المتحدة للسكان، إن النزاع في الشرق الأوسط أدى إلى تدمير الطرق التي يعتمد عليها الصندوق لإيصال مستلزمات الصحة الإنجابية وصحة الأم، مشيرًا إلى الاختناقات اللوجستية، وارتفاع تكاليف الشحن بشكل كبير، وطول فترات النقل.

وأضاف دوبون أن حتى التأخيرات القصيرة قد تعني ولادة النساء دون رعاية طبية متخصصة، أو حرمان الناجيات من الاغتصاب من فرص العلاج، أو افتقار المرافق الصحية إلى المعدات الأساسية.

ووفق بيانات الصندوق، لوحظ تأخير يصل إلى شهر في العديد من الشحنات، لا سيما الشحن البحري بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. وذكر البرنامج أن ست عشرة دولة - منها فلسطين والسودان واليمن-  تدعمها الأمم المتحدة تواجه تأخيرات في استلام الإمدادات والمعدات الضرورية.