في خيمةٍ ضاقت بجدرانها من البرد، تجلس منال خليل أمام ضوء بطاريتها الخافت، تحاول أن تُخفِي قلقها عن أطفالها الثلاثة. يلتفتون إليها بقلق، وسؤال صغيرهم يخرج ببراءة: "لماذا لا تضيئين اليوم؟"، تجيبهم بصوتٍ أثقله التعب: "اشتقتُ إلى الضوء الحقيقي، إلى صوت الغسالة، إلى برودة الثلاجة (...) إلى الحياة."

لكن ما يهم هنا ليس فقط "الظلام" بل من يتحمل مسؤولية إعادة الكهرباء؟ ولماذا لا تزال غزة بلا كهرباء منذ عامين؟

في بلدة الزوايدة التي نزحت إليها السيدة خليل وسط القطاع، لا تصل خدمات المولدات، وحتى في المناطق التي تصلها، لا يستطيع الكثيرون تحمل تكلفتها، إذ يُدفع مقابل الكيلو الواحد منها 20 شيكلًا، وهو مبلغ يظلّ خارج متناول الأسر التي تعيش على هامش القدرة.

منذ بدء النزاع الحالي، انقطعت خطوط الكهرباء عن قطاع غزة بالكامل. لكن الأزمة ليست وليدة الحرب فقط. فمنذ 2006، بعد قصف محطة التوليد، يعيش قطاع الكهرباء في عجز مزمن، ولم يتجاوز إنتاج الطاقة 50% من الحاجة الفعلية.

وفقًا لشركة توزيع الكهرباء، يحتاج القطاع في الشتاء إلى ما بين 650 و700 ميغاواط، وفي الصيف نحو 550 ميغاواط، أرقام تبدو بعيدة كل البعد عن الواقع الذي يعيشه الناس يوميًا، حيث يتحول النور إلى رفاهية لا تُؤمن إلا لمن يملك القدرة على شرائه من مولدات القطاع الخاص.

على شارع صلاح الدين قرب النصيرات وسط قطاع غزة، يجلس عاطف نصر على حجر صغير، يراقب عمال شركة الكهرباء وهم يقتربون من الأعمدة والكابلات الممزقة، وكأنّهم يقرؤون في الخراب ما يمكن إصلاحه. يتقدَّم نحوهم بسؤال لم يغب عن ذهنه منذ بدء النزاع: هل من أمل بإعادة وصل الكهرباء؟ يجيبه الموظف بهدوء أن ما يقومون به الآن هو حصر الأضرار وتحديد الحاجات العاجلة، لا أكثر.

وهنا يبرز الاستفهام الأساسي: لماذا تقتصر الجهود على حصر الأضرار دون وجود خطة تنفيذية واضحة أو جدول زمني معلن؟ وهل هناك تمويل كافٍ لإعادة الإعمار؟

في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تتكرر الاستفسارات نفسها على لسان سها عبد الرحمن. تسأل بلا تردد عن موعد عودة الكهرباء، وعن مشاريع المولدات التي قد تُنقذ الناس من العتمة، وتعود لتسأل: هل ستكون الكهرباء مجانية؟ وماذا عن الخطط التي تتحدث عن إنعاش قطاع الكهرباء في غزة؟

تقول إن أبنائها يسألون عنها دائمًا، وتجيبهم بأن الكهرباء ستعود يومًا ما، فيطلبون منها أن تصل لهم كهرباء مثل تلك التي في النصيرات. لكنها لا تستطيع أن تدفع ثمن الكيلو، وفي منطقتها لا توجد مولدات قريبة يمكنها الاعتماد عليها حتى لو كانت قادرة على الدفع.

تشير الأرقام الصادرة عن شركة توزيع الكهرباء إلى أن 80% من شبكات التوزيع تضررت بشكل كبير منذ بدء الحرب، وأن الخسائر في البنية التحتية تجاوزت 728 مليون دولار حتى أكتوبر 2025، مع آلاف الكيلومترات من الشبكات والمحولات التي خرجت عن الخدمة.

كما قُدِرت الخسائر في قطاع الكهرباء بما يتجاوز 750 مليون دولار، وذلك في ظلّ تدمير نحو 70% من شبكات الكهرباء و90% من مستودعات الشركة ومرافقها مدمرة أو خارجة عن الخدمة، مما يجعل إعادة تأهيل المنظومة الكهربائية مهمة ضخمة تتطلب تمويلًا هائلًا ومعدات لم تُسمح بدخولها للقطاع حتى الآن.

إلا أن النقطة الأكثر إلحاحًا الآن: من يتحمل تكلفة إعادة الإعمار؟ ومن سيحدد أولويات الإصلاح؟ هذه الأسئلة يكررها المواطنون الذي أنهكهم صراع استمر عامين، وهم يرون فرق شركة الكهرباء في الشوارع: هل هم يرممون؟ أم يكتفون بالحصر؟ هل سيتصل النور فور فتح المعابر؟ هل هناك مشروع مولدات مجاني؟ وإذا كان مدفوعًا… فهل ستكون التكلفة منخفضة؟

ووفق تقديرات الجهات الدولية والمحلية، يعيش نحو 80% من سكان غزة تحت خط الفقر، بينما تصل نسبة الفقر المدقع إلى نحو 60%، وفي ظل هذه الأرقام يصبح أي قرار بخصوص تكلفة الكهرباء أو طريقة توزيعها "قضية أساسية" بالنسبة للشريحة الأكثر هشاشة، إذ لا تستطيع الأسر الفقيرة تحمل تكلفة الكيلو الواحد للمولدات (20 شيكلًا)، ولا تملك بدائل طاقة آمنة في كثير من المناطق.

للإجابة، تواصلت مراسلة "آخر قصة" مع مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع كهرباء غزة، محمد ثابت، الذي أوضح أن الفرق تعمل حاليًا على فحص الكابلات الأرضية، حصر الأضرار، تحديد قطع الغيار والمعدات المطلوبة، وإزالة المخلفات الصلبة التابعة للشركة.

لكن ما يثير التساؤلات هو أن هذه الأعمال لا تبدو كمرحلة "إصلاح" بقدر ما هي مرحلة "إعداد ملف" للجهات المانحة، وهي خطة تعافي تتطلب تمويلًا عاجلًا يقدر بنحو 12 مليون دولار للأشهر الستة الأولى فقط، بحسب تقديرات خطة الشركة لإعادة التأهيل.

وأضاف ثابت أن دخول معدات الصيانة متوقف على فتح المعابر، وأن المعدات جاهزة لكنها عالقة خارج القطاع. مؤكدًا أن العمل يتركز الآن على المحافظة الوسطى لأنها الأقل تضررًا، ثم محافظتا غزة والشمال وخانيونس.

وأشار إلى خطة لإعادة تشغيل 75 إلى 100 محول في الوسطى لتشغيل محطة التوليد، ثم التوسع لاحقًا لتأهيل الشبكات في جميع المحافظات.

أما المشاريع والخطط التي قدمتها الشركة للجهات المانحة وسلطة الطاقة فتتعلق بتوفير مولدات للطاقة في المخيمات وتشغيل آبار المياه للنازحين، إضافة إلى طلبات لأنظمة الطاقة الشمسية. وتقول الشركة إنها تهدف إلى تشغيل المولدات مؤقتًا حتى استكمال متطلبات إعادة الإعمار، لكنها ما تزال تنتظر دخول المعدات.

وهنا يبرز الاستفسار الأهم: إذا كان تشغيل المولدات مؤقتًا، فمن الذي سيتحمل تكلفتها؟ وهل هناك آلية واضحة لتحديد المستفيدين؟ لكن ما يتضح حتى الآن، أنّ الجهات المعنية لم تحدد آلية واضحة لتحديد المستفيدين من المولدات المؤقتة، ولا تزال التكلفة قيد النقاش بين الجهات المانحة والحكومة.

وفيما يتعلق بإمكانية عودة الكهرباء مجانية، أجاب ثابت أن تحديد ما إذا كانت مجانية أم مدفوعة يعود للحكومة، والقرار المالي ليس بيد الشركة؛ أي أن الإجابة لا تزال معلقة: هل الحكومة ستوفر الكهرباء مجانًا كخدمة عامة؟ أم أنها ستعود مدفوعة عبر فواتير أو عبر المولدات الخاصة؟

في غزة، يعيش الناس بين عتمة الخيام والليل الطويل، ويعلقون آمالهم على أسلاك لم تُمد بعد، وعلى وعود بفتح المعابر وإدخال المعدات. ومع استمرار فرق شركة الكهرباء في حصر الأضرار والاستعداد لمرحلة الإنعاش المبكر، يبقى الأمل مرتبطًا بموعد غير معلوم: متى يعود الضوء إلى بيوت أنهكها الظلام لسنوات؟ وهل ستصبح الكهرباء بعد عودتها عبئًا ماليًا جديدًا على سكان غزة؟